“الطريق إلى القدس” يبدأ من هنا

الرئيسية » حصاد الفكر » “الطريق إلى القدس” يبدأ من هنا
الهاني

منذ احتلالها عام 1967م تعيش مدينة القدس المحتلة عزلة حقيقية عن محيطها العربي والإسلامي تارة بفعل إجرام الاحتلال الصهيوني وتارة بسبب سياسات الدول العربية والإسلامية نفسها، وتارة أخرى بعوامل يتحكّم فيها الصراع الإقليمي والقوى الدولية، وفي خضم هذه العزلة يستفرد الاحتلال بسكان مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك تهجيراً وطرداً وتهويداً واستيطاناً وطمساً.

وخلال السنوات المتوالية ترتفع الأصوات المنادية بوجوب نصرة القدس والأقصى على مُدد متفاوتة حسب ارتفاع وتيرة الإجرام والاعتداءات الصهيونية، وتُصبغ هذه الأصوات بألوان شتى وشعارات مختلفة، فمن عقد المؤتمرات والندوات إلى إصدار التصريحات والبيانات وليس انتهاءً بصياغة وحبك الفتاوى والتوصيات، وبين هذه الألوان من ردود الأفعال يُمعن الاحتلال في حربه على القدس والمسجد الأقصى دون توقف وضمن مخطط ممنهج يقضي على الطابع الإسلامي للمدينة ويمحو معالم الأقصى التاريخية ليصبحا قطعة من التراث اليهودي المزعوم، ويساعد الاحتلال في ذلك الصمت والتواطؤ الدولي بالإضافة إلى العجز والتقاعس العربي والإسلامي وقلّة يد الداخل الفلسطيني الذي لم يمنعه إرهاب الاحتلال من أن يضرب كل يوم أمثلة الصمود والتصدّي في مواجهة هذه المخططات والجرائم.

لم تصل يوماً الجهود العربية والإسلامية سواء كانت رسمية أم شعبية إلى مستوى ما يعانيه ويقدّمه أهل القدس والمرابطون في المسجد الأقصى، وإلى حدّ مجابهة الخطر الحقيقي الذي يتهدّد القدس والأقصى، فالأرقام والإحصائيات والتقارير التي تخرج بين الفينة والأخرى من قلب مدينة القدس المحتلة تنذر بكارثة وخطر حقيقي في ظل غياب أو ضعف الفعل العربي والإسلامي المناصر والمدافع عن القدس والأقصى مقارنة بحجم التحدّي الذي يتعرَّضان له يومياً وبخطى ممنهجة ومتسارعة، خصوصاً إذا كان ذلك الفعل لا يتعدّى عبارات الاستنكار أو الإدانة أو الشجب التي لا تكاد تخرج من شفاه قائليها حتى تتبعثر في الهواء وتصبح لا أثر لها ولا عين..

مهما بالغنا في تصوير حالتنا العربية والإسلامية وضعفنا في نصرة القدس والأقصى، فإنَّ الصورة الحقيقية للواقع تبقى أشدّ قتامة من تصويرنا، وتبقى عباراتنا قاصرة في وصف حالة الضعف العربي والإسلامي في نصرة القدس والأقصى ودعم صمود المقدسيين، قد تكون هنا وهناك محطات فارقة وعلامات مضيئة بمواقف عملية في ذات الاتجاه، لكنَّها تبقى غير كافية ولا ترقى إلى المستوى المطلوب في مقابل حجم التحدّي.

"الطريق إلى القدس في ظل الاحتلال يمرّ عبر بوابة التطبيع وتزيين وجهه القبيح وتغطية عورة أفعاله وسوأة جرائمه"

قد تختلف صور الدعم والمساندة المطلوبة للقدس والأقصى وتتنوّع أفكارها وأطرها وتتباين أهداف أصحابها، لكن تبقى البوصلة واحدة وإن اختلفت الوسائل والطرق الموصلة إلى تلك الأهداف والغايات، البوصلة إذن هي القدس والأقصى والهدف هو النصرة والدفاع والمساندة والدعم، فهذه مجتمعة غايات نبيلة وشريفة، فهل يمكن أن نصل إلى هذه الغايات بوسائل غير مشروعة ؟! أو بوسائل تكرّس حالة غير مشروعة وتعزّز وجودها؟! أو بوسائل تقود إلى ارتكاب المحظور الذي منه ينبعث أصل المعاناة ولبّ الشرّ المحارَب؟!

البحث في وسائل نصرة القدس والأقصى ودعم صمود المقدسيين يقودنا إلى الوقوف على حيثيات وتوقيت المؤتمر المنعقد أيام 28-29-30 من الشهر الجاري في العاصمة الأردنية عمّان تحت عنوان "الطريق إلى القدس"، فالعنوان جميل، وفكرة المؤتمر في هذا التوقيت بالذات يشكر القائمون عليها وترفع لهم القبعة جميعاً – سياسيون، رسميون، إعلاميون، مشايخ وعلماء - وهم يبحثون "الطريق إلى القدس".. ولكن، هل تكفي أن تكون الفكرة والغاية جميلة فحسب؟! طبعاً لا! إذ الوسيلة الموصلة لتلك الغاية مطلوب أن تكون هي الأخرى سليمة ولا تعارض تلك الغاية النبيلة، إذ الغاية لا تبرّر الوسيلة، فالغاية والوسيلة يجب أن يكون كلاهما متفقين من حيث المبدأ والمنتهى؛ وهنا مربط الفرس في حديثنا، فالمجتمعون من علماء ومشايخ وسياسيين في المؤتمر المذكور كانوا متفقين ومُجمعين على الغاية وهي "الطريق إلى القدس"، لكنَّهم لم يجمعوا على الوسيلة التي رشحت من توصيات المؤتمر وهي "رفع الحظر على زيارة المسجد الأقصى للفلسطينيين أينما كانوا في فلسطين أو خارجها مهما كانت جنسياتهم، وللمسلمين من حملة جنسيات بلدان خارج العالم الإسلامي، ضمن ضوابط أهمها ألا يترتب على الزيارة تطبيع مع الاحتلال".

إنَّ هذه التوصية من المؤتمر وحدها كفيلة بإخراجه عن طابعه العلمي الاجتهادي إلى صبغة سياسية تخدم توجّهاً واضحاً تنتهجه السلطة الفلسطينية وترعاه بعض الأنظمة العربية، وكأنَّ المنظمين للمؤتمر كان الهدف الأوحد من جمعهم العلماء هو إصدار هذه الفتوى التي تخالف إجماعاً كان قائماً وتلّقته الأمّة الإسلامية بالقبول؛ والمتمثل في تحريم زيارة القدس والمسجد الأقصى وهما يرزحان تحت نير الاحتلال وإجرامه، فكيف تكون توصية "رفع حظر زيارة القدس" وسيلة نبيلة لهدف شريف هو "الطريق إلى القدس"، فالوسيلة التي تعدّ شكلاً من أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني لن تكون سبيلاً لتحرير القدس ودعم المقدسيين بل وسيلة لتكريم الغاصب ومكافأته على جرائمه!!

"الطريق إلى القدس" واضحة معالمه، فهي تبدأ من تأسيس إستراتيجية عربية وإسلامية موحّدة قائمة على نصرة القدس وحمايته من خطر التهويد، ودعم صمود المقدسيين على أرضهم، وتجرّم التطبيع، وتغلق السفارات والمكاتب الصهيونية في البلدان العربية والإسلامية، وتربية الأجيال على حبّ الأقصى وأنَّه جزء من عقيدة المسلمين"

فماذا يعني أن يبشّر هؤلاء في مؤتمرهم بالسياحة الدينية في ظل الاحتلال، وأن يفتحوا الأبواب لزيارة القدس والمسجد الأقصى في وقت يمنع الاحتلال الجاثم على صدر القدس والأقصى عن أهله الهواء والماء والغذاء، ويمنعهم حتى من البناء على أراضيهم ويمعن في مصادرتها ويهدم منازلهم، بل ويمنعهم من الصلاة وشدّ الرّحال إلى المسجد الأقصى وهم الذين لا تبعد منازلهم عنهم سوى بضع مترات؟! ثمَّ، كيف لاحتلال غاشم يمنع أهالي القدس وعرب الأرض المحتلة عام 48 ممّن تقل أعمارهم عن الخمسين سنة من زيارة المسجد الأقصى، أن يسمح للمسلمين من أقطار العالم بزيارة القدس؟!

الإجابة عن السؤالين السابقين يتولاّها الاحتلال بأقواله وأفعاله التي تُتَرجم إلى إرهاب يومي ضد القدس وأهلها والأقصى والمرابطين فيه من خلال التهويد والاستيطان والطرد والتهجير والحصار والمصادرة وكل مفردات قاموس الإجرام الصهيوني، بعبارة أخرى لن يكون هناك أيّ زيارة أو حركة تجاه القدس والأقصى إلاّ والاحتلال المستفيد الأوّل؛ إذ هي تحت رعايته وريعها في خدمة الاحتلال ومخططاته.

وبعبارة أدق الطريق إلى القدس في ظل الاحتلال يمرّ عبر بوابة التطبيع وتزيين وجهه القبيح وتغطية عورة أفعاله وسوأة جرائمه، وعليه، فمن يريد تعبيد الطريق إلى القدس فلن يكون سبيله إصدار الفتاوى التي ترفع الحرج عن المسلمين في زيارة القدس وهي تحت الاحتلال الصهيوني، لكنَّ "الطريق إلى القدس" واضحة معالمه بيّنة سبيلها، فهي تبدأ من تأسيس إستراتيجية عربية وإسلامية موحّدة قائمة على نصرة القدس وحمايته من خطر الطمس والتهويد، ودعم صمود المقدسيين على أرضهم والثبات والمحافظة عليها، وتقديم الدعم السياسي والمالي والمعنوي لهم، وتبني الدور والمنازل والمدارس لهم، وتحافظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس والأقصى، وتجرّم أشكال التطبيع كافة مع العدو الصهيوني، وتغلق السفارات والمكاتب الصهيونية في البلدان العربية والإسلامية، وتقاطع اقتصادياً كلّ من يدعم الكيان الغاصب، وتربية الأجيال على حبّ الأقصى وأنَّه جزء من عقيدة المسلمين، والدفاع عنه وعدم التفريط في جزء منه، فمِن هنا يبدأ "الطريق إلى القدس".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الهوية الوطنية ركن من أركان الدولة الحديثة المسلمة

عن معنى الهوية: يمكننا تناول الهوية من مقاربات وقراءات شتى فنخرج بتعريفات شتى لها قد …