الفتياني: التعلق بالأشخاص غالباً ما يؤدي إلى الانحراف عن طريق الهداية

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » الفتياني: التعلق بالأشخاص غالباً ما يؤدي إلى الانحراف عن طريق الهداية
hqdefault

تعتبر كلمة الحق في زماننا صعبة عزيزة، خصوصاً في ظل الابتلاءات والمحن وما تمر به أمتنا من ظروف ومصاعب، وبالذات بعد محاولات الانقلاب على الربيع العربي ومنجزاته، حيث بات القائل بها يعيش في ضيق وصعوبة، بل أصبح يواجه المتاعب الدنيوية والتضييق من قبل الظالمين والمستبدين، وتزداد المهمة وجوباً إذا كان القائل أهلاً للعلم والدعوة، وعالماً بأحكام الشرع ومقاصده.
الدكتور تيسير محجوب الفتياني كان ضيفنا للحديث حول دور العلماء في قول الحق، والوقوف الى جانب المستضعفين، وغير ذلك من الأمور، فإلى نص الحوار:

بصائر: في الآونة الأخيرة وما تخللها من أحداث الربيع العربي كان من اللافت للنظر سقوط الكثير من الوجوه المحسوبة على الدعوة من خلال إصدارهم لأحكام وفتاوى تُحابي سياسة الدولة التي ينتمون إليها أو التيار الفكري الذي يٌحسبون عليه، الأمر الذي أجحف بحقوق كثير من المستضعفين، لماذا برأيك؟

د. الفتياني: ما من خبيئة عند الإنسان، إلا ويظهرها الله عليه قبل أن يموت، هناك من يبدو في الظاهر للناس كـفلان من الناس أو من الصالحين أو من الوجوه المشهورة إعلامياً في زي المتقين وهو على عكس ذلك، لذا يأبى الله أن يظل الناس به مخدوعين، فيكشف أمره عن طريق موقف أو فتوى أو تصريح؛ وهذه المواقف تعلمنا درساً مهماً مفاده أن لا عصمة لبشر سوى الأنبياء.

لذلك أوصي دائما شبابنا المندفعين أن لا يرتبطوا بأشخاص وخاصة إن كانوا على قيد الحياة؛ يجب أن تكون قبلة القدوة محمد صلى الله عليه وسلم، المعصوم المشهود له بالعصمة من الله عز وجل، والذي لم يسجل عليه أي خطأ بشري يقدح بعصمته، وغالبا ما يؤدي التعلق بالأشخاص إلى انحراف بعض الشباب أو بعدهم عن الدين خاصة إن كان الأمر يتعلق بسلوك أو فتوى أو زلة تتسبب في صدمة لهم وتبعدهم عن طريق الهداية بسبب أخطاء هذا الشخص الذي كانوا يظنونه أنه بعيد عن الخطأ.

"غالبا ما يؤدي التعلق بالأشخاص إلى انحراف بعض الشباب أو بعدهم عن الدين خاصة إن كان الأمر يتعلق بسلوك أو فتوى أو زلة تتسبب في صدمة لهم وتبعدهم عن طريق الهداية بسبب أخطاء هذا الشخص"

بصائر: ممن تحذر الشباب المسلم في ظل انتشار الوجوه المتاجرة بالدين، من يجتنبون ولماذا؟

د. الفتياني: على المسلم أن يتجنب الدعوة إلى العنصرية والإقليمية والحزبية والقبلية والتشرذم والمشوهين لعالمية الإسلام، ومن يفرق بين المسلمين ويصمت عن دمائهم وأعراضهم ويفرق الصفوف ويرضى باللامساواة لأن من يدعو لهذه الأمور ليس عالماً.

أيضا ليتجنب المسلم الدعاة لسايكس بيكو والمقرين لها والصامتين عن حقوق المسلمين، فالشريعة الإسلامية دعت للإسلام الشمولي العمومي الذي يوحد المسلمين ويجمع شتاتهم، وأقرت بأن الحكم لكتاب الله وسنة رسوله في كل مكان، ودعت للعدل بتوزيع الثروة والعمل على منح كل أفراد الأمة ما لهم من حقوق وأن عليهم أداء الواجبات كما حيدت الواسطة مهما كانت قرابتها وشأنها.

وعلى المرء أن يتجنب الالتفاف حول من يدعو لنفسه وشخصه ويسعى لإبراز ذاته من خلال طعنه بأهل الدعوة الآخرين، فهذه ليست صفات العالم المسلم.

بصائر: هلا استعرضنا سيرة بعض الصحابة والتابعين في حرصهم على اظهار الحق والوقوف إلى جانبه، وما نالهم من خسارات مادية وجسدية في سبيل ذلك؟

د. الفتياني: سيرة السلف الصالح مليئة بمواقف الصدح بالحق والجرأة على قول كلمة الحق مع أن زمانهم لم يكن فيه حكام ظلمة كزماننا، ولم يكن في زمانهم لا ظلم واضح ولا انحراف صريح كما نعانيه اليوم، إلا أنهم لم يكونوا يصمتوا عما يروا فيه جوراً.

"على المرء أن يتجنب الالتفاف حول من يدعو لنفسه وشخصه ويسعى لإبراز ذاته من خلال طعنه بأهل الدعوة الآخرين، فهذه ليست صفات العالم المسلم"

دعيني اذكر تلك المرأة التي علمت بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينوي تحديد مهور النساء؛ كان لديها من الفقه شيئ غفل عنه ابن الخطاب، لم تسكت عما رأت فيه مخالفة لما جاء في كتاب الله فذهبت إليه وقالت له: كيف تريد أن تحرم ما أحل الله إذ يقول : {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء:20] فقال عمر: أخطأ عمر وأصابت امرأة.

وكما جاء في كتب التاريخ فقد وزع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أثواباً على الناس، ثم خطب فيهم فقال: يا أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، فقام رجل منهم فقال: لا سمع ولا طاعة، لقد وزعت علينا أثواباً، وأنت رجل طوال، يقصد أن عمر طويل وقد أخذ أكثر قماشاً منهم. فقال عمر لابنه عبد الله: تكلم يا عبد الله؛ فقال عبد الله ابن عمر، لقد أعطيت أبي الثوب الذي كان لي، فقال الرجل؛ الآن نسمع ونطيع.

القصص السابقة تبين كيف كان العامة في ذلك الزمان جريئين في قول الحق، وكيف كان الحاكم يسمع لنصحهم، والتاريخ الإسلامي مليئ بالقصص الكثيرة في هذا الجانب، دعيني أذكر مثالا على قول العلماء للحق؛ قصة الإمام سعيد بن جبير الذي قتل على يد الحجاج في سبيل كلمة الحق، وقصة بائع الأمراء والملوك العز بن عبد السلام؛ والذي عندما أراد قطز دعوة الناس للتبرع من أجل صد الهجوم التتري وقف وطالب الأمراء والمسؤولين بالتبرع أولاً كل حسب ثروته ثم إفراغ ما في بيت مال المسلمين من ثروة، ثم تبرع الناس إن كانوا في حاجة لذلك، وحصل له ما أراد.

بصائر: ماذا على المرء المسلم أن يفعل إن لم يتمكن من الوقوف إلى جانب الحق خشية على نفسه وأهله؟ وهل يطعن هذا في التزامه؟

"الظلمة ثلاثة أنواع، من يأمر بالقتل، ومن يَقتلون، ومن يؤيدون القتلة ويسكتون على أفعالهم، جميعهم سواء، من أمر ومن قتل ومن أيد"

على كل إنسان أن يعمل على تغيير المنكر كل حسب ما أتيح له؛ فالحكام والأمراء عليهم أن يغيّروا المنكر بأيديهم لأن هذا من صلاحياتهم وإمكانياتهم، أما العلماء فدورهم تغيير المنكر باللسان، وعدم التستر والمحاباة والسكوت. أما الإنسان العادي الذي يخشى على نفسه وأهل بيته فعليه أن يستنكر المنكر، ويدعو الله قائلا: اللهم إن هذا منكر لا أقبل به ولا أقدر على تغييره، وليس له أن يمدح أو يثني أو يرضى، كل هذا لا يجوز كما أن الله وحده المطلع على سريرته فعليه أن يسر الحق في قلبه.

ودعيني أضرب مثالاً على الوقوف مع الحق؛ إذ إن الدول المجاورة تواجه اضطرابات ينتج عنها قتل لأبرياء على يد الظلمة، والظلمة ثلاثة أنواع، من يأمر بالقتل، ومن يَقتلون، ومن يؤيدون القتلة ويسكتون على أفعالهم، جميعهم سواء، من أمر ومن قتل ومن أيد، إذ لا يجوز في أي حال من الأحوال أن يرضى الإنسان بما يحدث من قتل للأطفال والنساء في سوريا ومصر والعراق وفي أي مكان؛ لأن دم المسلم عزيز وغالٍ.

ومن ناحية أخرى، فإن العالم لا ينكر بقلبه، والقادر لا ينكر بقلبه، الذي ينكر بقلبه هو ضعيف الإيمان من العامة، وهذا الإنكار الضعيف لا يؤثر على إيمانه لأن هذه قدراته، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وعلى كل مسلم أن ينكر ضمن حدوده وقدراته، إلى أن يصبح قادراً على تغيير المنكر وحينها يجب عليه ذلك.

بصائر: بعض الدعاة يتجنب الخوض في السياسة خشية أن يوقف برنامجه أو يمنع من الخطابة، ويجعل الدعوة مقصورة على توضيح جزئيات خاصة بالعبادات والأحكام الشرعية الفردية، ما تعليقكم؟

الدعوة إلى الله لها فروع كثيرة، منها الدعوة إلى العبادة وهذا جزء من العبادة لأن العبادة أمر شامل، حتى الأكل والنوم والترفيه إن نوى المرء فيها ما يرضي الله ويعينه على عبادته فبلا شك أنها عبادة.

لكن إن من أولويات الدعوة أن يكون هناك حاكم مسلم يحكم بشرع الله ويحكم بما أنزل الله وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن أولويات الدعوة أيضاً أن تجتمع كلمة المسلمين، وأن تكون الأمة الإسلامية أمة واحدة، وأن تحكم بالعدل والمساواة.

بعض الدعاة تركوا هذه الحاجات الرئيسية وأشغلوا الشباب بالحاجات البسيطة كتقصير الثوب وحكم نتف الحاجب وحركة رفع الأصبع في الصلاة، وكثير من القضايا التي أشغلوا فيها الشباب قد تكون هامشية أو مما يقبل الخلاف حولها.

ودعيني أضرب مثالاً.. لقد ذكر الجهاد في القرآن في 500 آية، وذكر في الأحاديث الشريفة آلاف المرات، وامتلأت به سير الصحابة والتابعين، إلا أنه قلة من الدعاة من يركز على الجهاد بالرغم من أهميته العظيمة.

لنأتي لقضية تقصير الثوب؛ فهي لم ترد في كتاب الله، أما في السنة فجاءت بمقدار صفحة على الأكثر، أما في أيامنا فباتت تكتب فيها المجلدات وأصبحت حديث الساعة والخطب والمجالس لدى بعض الناس؛ وهنا أتساءل، لماذا هذا الانشغال عن القضايا الرئيسية والكبرى!! لذا لا يجب تكبير الصغير وتصغير الكبير، حجم تقصير الثوب في الشريعة صفحة لماذا أصبح مجلدات؟ وكذلك نتف الحاجب وحركة الأصبع وبعض هذه الأشياء. والمشكلة عندما يصبح الولاء والبراء مقتصراً على مثل هذه العبادات الظاهرية، وهذا ليس من الشريعة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

دروس وعبر من معركة “العصف المأكول” في ذكراها السادسة

ستة أعوام مرّت على معركة "العصف المأكول" التي بدأت في السابع من تموز/ يوليو من …