فقه الموازنات وأهميته الدعوية في دعم السياسي في دولة الشريعة

الرئيسية » بصائر الفكر » فقه الموازنات وأهميته الدعوية في دعم السياسي في دولة الشريعة
images (1)

تمر أوساط الحركة الإسلامية في المرحلة الراهنة، بالعديد من التطورات المتعاقبة والمتسارعة، والتي ترتبط بالكثير من المستجدات التي هي بحاجة إلى العديد من التأويلات الفقهية.

فالسياسة في الإسلام؛ إنما هي سياسة شرعية، والسياسة الشرعية تعني أمرَيْن، الأول أنها تنطلق من القواعد التي أقرتها الشريعة الإسلامية، وما شرعه الله تعالى للعباد في السياسة والحكم من قيم ومنطلقات وأحكام، والثاني أنها -أي السياسة في الإسلام- يجب أن تسعى إلى تحقيق المقاصد الشرعية.

فالشريعة إذن -وفق النظرة الإسلامية للسياسة والحكم- إنما هي غاية ووسيلة في ذات الوقت.

ولذلك تبرز أهمية الجانب الشرعي العلمي لدى الحاكم في الإسلام؛ بل إن ذلك هو الأصل؛ أن يكون الحاكم في دولة الإسلام، عالمًا، فهكذا كان الحال أيام دولة النبوة؛ حيث كان الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، هو الحاكم، وهو مصدر الوحي والتشريع؛ ينقله من لدن الله عز وجل.

واستمر الحال على هذا النحو في دولة الخلافة الراشدة، وكان اختيار "الخليفة" لقبًا لحاكم ديار المسلمين منذ أبي بكر الصديق "رَضِيَ اللهُ عنه"، باعتبار أنه سوف يكون خليفةً لرسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، في حكم الدولة الإسلامية.

وهو ما كان توصيفًا قيميًّا شديد الأهمية والضرورة، باعتبار أنه طمأنة للجميع في الدولة الوليدة، أن الحكم الوليد ما بعد الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم"، سوف يكون على ذات منهاج النبوة، وتمييزًا لحاكم المسلمين عن سائر الدول الأخرى التي كانت محيطة بشبه جزيرة العرب في ذلك الحين.

والخليفة في الإسلام، كما في موسوعة السياسة الإسلامية، هو "منصب سياسي يجمع صاحبه بين السلطتَيْن الزمنية والروحية، ولكن وظيفته الدينية لا تتعدى المحافظة على شرع الله، ومن حقه قيادة الدولة الإسلامية ورسم سياستها وتنفيذها على المستويَيْن: الداخلي والخارجي، ومن واجبه تبليغ الدعوة الإسلامية ونشرها والتصدي بالقتال -إذا لزم الأمر- ضد من يقف عقبة في سبيل أدائه لمهمته، وله أن يعاقب الخارجين على أوامر الشرع، ويؤم الناس في الصلوات ويساعدهم على أداء الفرائض الأساسية".

ومع تطور الحال بدولة الخلافة، وتحولها وفق المراحل التي تكلم عنها الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" في حديث النعمان بن البشير "رَضِيَ اللهُ عنه"(1)، من السير على منهاج النبوة، إلى مراحل المُلك العضوض ثم المُلك الجبري، ثم انهيار دولة الخلافة؛ صار الحاكم في الدول القومية العربية والمسلمة التي نشأت عن تفكك دولة الخلافة العثمانية، علمانيًّا، يقوم على أساس القواعد التي تسير عليها الدول الأخرى، بما في ذلك منظوماتها القانونية والدستورية الوضعية.

ومن ثَمَّ، غاب دور الداعية والعالم عن السياسة والحكم في بلداننا العربية والإسلامية، بعد غياب تحكيم الشريعة والحكم بما أنزل الله تعالى في شؤون المسلمين.

وعندما ظهرت الحركات الإسلامية، على اختلاف ألوان طيفها السياسي والفكري، وبدئها في السعي إلى إحياء المشروع الحضاري الإسلامي، والبدء في الحديث عن مشروع شامل لاستعادة دولة الخلافة الإسلامية؛ واجهت الحركة الإسلامية الكثير من قوى الممانعة والتدافع التي فرضت عليها الخوض في الكثير من المناطق الشائكة في العمل السياسي، والتي تمتاز بكونها ذات طبيعة رمادية متشابهة بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع.

وفي إطار ما يعرض على الحركة الإسلامية وأصحاب المشروع الصحوي الإسلامي من مسائل في الوقت الراهن، قد لا يكون السياسي على كامل إدراك بجوانبها، وفي ظل التعقيد والتشابك الكبير الحاصل في مسارات العمل السياسي بمختلف مستوياته، الداخلية والخارجية؛ فإنه يكون في أشد الحاجة إلى الداعية دورًا ورؤية، في توجيه البوصلة، وخصوصًا في هذه الأمور المتداخلة الرمادية.

"يعتمد فقه الموازنات على أساس إصدار الحكم الشرعي في المسألة وفق اعتبارات الموازنة بين المصلحة والمفسدة المتحققتَيْن في الإقدام أو الامتناع عن إتيان أمر بعينه، أو سياسة بعينها"

وفي هذا الإطار، اكتسب فقه الموازنات على وجه الخصوص أهمية خاصة، مع ظهور الكثير من المسائل المتشابكة في طبيعتها.

ويعتمد فقه الموازنات على أساس إصدار الحكم الشرعي في المسألة وفق اعتبارات الموازنة بين المصلحة والمفسدة المتحققتَيْن في الإقدام أو الامتناع عن إتيان أمر بعينه، أو سياسة بعينها.

والمصلحة شرعًا، كما جاء في "المستصفى في أصول الفقه"، لحجة الإسلام أبو حامد الغزالي، هي "المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، ونسلهم، وأموالهم، وفق ترتيب معين فيما بينها"، أي بمعنىً آخر مقاصد الشريعة.

ويشير الدكتور حسين حامد حسان إلى المصلحة الشرعية بأنها "المصلحة الملائمة لجنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين، أي أنها تدخل تحت القياس بمعناها الواسع".

أما المفسدة شرعًا، كما جاء في مختصر ابن الحاجب، فهي "ما يعود على الإنسان بالضرر والألم، ولم يكن مقصودًا شرعًا".

وهناك العديد من الأدلة الشرعية على مشروعية فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومن بينها من القرآن الكريم، قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا" [سُورة "البقرة"- من الآية 219].

ووجه الدلالة في هذه الآية الكريمة، أن علة التحريم هي زيادة المفسدة على المصلحة المتحققة من شرب الخمر، ولعب الميسر، فالإثم الكبير والمفسدة في ذهاب العقل -من شرب الخمر- وما يترتب على ذلك من تصرفات غير سوية، أعظم كثيرًا من مصلحة والمتعة والنشوة المتحققة من شربها، وكذلك في لعب الميسر، ولذلك كان الحكم النهائي بتحريمهما بالتدريج الذي تم.

أما في صحيح السُّنة النبوية، فهناك حديث أبي هريرة "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، عندما قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ": "دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِرين" [رواه البخاري].

ووجه الدلالة من الحديث، أن الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، منع الصحابة من إيذاء الأعرابي، لما في ذلك من ضرر عليه، وهو في الرواية الأخرى للحديث، والتي فيها: "لا تزرموه"، بالرغم من الضرر الذي حصل من تنجيس للمسجد.

ويقول الدكتور حسين أحمد أبو عجوة، الأستاذ لجامعة الأقصى بغزة، ملخصًا هذه القضية وأهميتها، إن إحياء فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتجديده، علمًا وعملاً في هذا الزمان، ضروري للدعوة وللدعاة، وللقادة وصُنَّاع القرار؛ حيث تختلط الحسنات بالسيئات، وتزدحم المصالح والمفاسد، مما يوقع العاملين في حقل الدعوة في اشتباه واختلاف.

-----------------------------------------------------------------------------

(1) عن الرسول "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، أنه قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون مُلكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون مُلكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت [أخرجه أحمد، وصححه الألباني وحسَّنه الأرناؤوط].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

أعمالنا الدعوية.. بين الالتزام والتطبيق وإعمال الاجتهاد

من أهم عوامل الفشل في أي إطار مُنتَظَم، التكلُّس والجمود، وعدم مواكبة المستجدات[/tweetable]، وهذا له …