مفترق الطرق … قد يلتقي

الرئيسية » خواطر تربوية » مفترق الطرق … قد يلتقي
مفترق الطرق قد يلتقي

بين الدنيا والزهد فيها

إن من بين آفات هذا العصر القاتلة هو انشغال الداعية عن أمر دينه ودعوته بأمر دنياه، وتنصيب رزقه نصب عينيه وكأنه ليس له في الدنيا سواه، أو أن الله ما خلقه إلا لهذا، وكأنه غفل أو تغافل عن مهمته الرئيسة على هذه الأرض.

وإذا عمل لدعوته جعل لها فضولاً من وقته، وفي حال راحته، ويتمزج في عمله الدعوي ما بين أن يكون مريحا أو أن يكون وقته قليلا ولا يحتاج لجهد كبير. فهو طوال نهاره في (وظيفته) أو (متجره) وهو بين هذه وتلك يقوم بعمله الشاق، كي يطعم أولاده وزوجه، ومما يزيد الوبالَ وبالاً أن يبحث أصلا عن زوجة موظفة فقط لأجل مرتبها، لأجل مساعدته على تبعات هذه الحياة الصعبة الشاقة، دون النظر إلى أي اعتبار آخر. ونسي هذا المسكين أن هذا المال إنما يجمعه لغيره، وأنه سيُسأل عنه كلّه، من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟؟

ابن عطاء الله السكندري فطن لذلك..

"قال ابن عطاء السكندري: اشتغالك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك"

فقال رحمه الله في الحكم العطائية: اشتغالك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك.

فالرزق مضمون، والدعوة مطلوبة؛ بل فريضة، هذه هي المعادلة.

وللأسف وكعادة الكثير من المسلمين نقع دوما بين الإفراط والتفريط، فبين معتزل للناس والدنيا ومشتغل بدينه في (صومعته) التي بناها على هواه أو بين تارك لدينه مشتغل بدنياه. والإسلام ما جاء إلا لينظم مثل هذه الأمور بين الدين والحياة تحت شعار {وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [سورة القصص:77].

الرخاء... والفهم السقيم هما أصل المشكلة

بعد اتساع الدولة الإسلامية في عصر الفتوحات، وخاصة في العصر الأموي الزاهر، ذلك العصر الذي كان يمتاز بقربه من معين النبوة الصافي، وهو خير القرون على الإطلاق، ابتدأ المسلمون ينفتحون على الدنيا وما فيها ويرون كيف هي (دنيا) الروم وفارس وغيرها مثل الصين والهند. فابتدأت بعض نفوس المال تميل حيث المال، وابتدؤوا يتجهون للتجارة وتجميع الأموال وزيادة العمران والبراعة فيه متمثلين بذلك أن الإسلام ما جاء دين فقر أو عدم، وإنما هو (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، والمال طالما أنه في الحلال فلا بأس فيه مهما زاد.

هنا تأثرت مجموعة من الناس الأتقياء الذين اشتهروا بالزهد بهذا المشهد المهول من أمامهم، صحيح أنهم لم يروا ذلك الانحراف قد طرأ بعد، لكنهم رأوا ذلك ببصيرتهم وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم". وفي رواية: "فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم). رواه البخاري.

وإلى هنا كل شيء طبيعي، وهكذا هو المجتمع المسلم. لكن يظهر التطرف من جديد، فالصنف الأول ظهر عندهم من بدأ يقصر في فرائض وحقوق الله، وبدأ يتجاوز حدود ما حرم الله، فضاع وأضاع، فزادت أعدادهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فظنوا أنهم هم الرابحون.

ونشأ الاتجاه الأكثر خطورة على الإسلام منذ بدايته، (التصوف السلبي) والذي بدوره دعا الناس لترك الدنيا والتوجه إلى دور العبادة، وأن المال فتنة، وهو سلاح الشيطان، وأن المال مفسدة، وبدأ الفكر يزيد ويشطح، يتركب تركيبات معقدة. فكما أخذ أولئك من العجم أموالهم وحضارتهم، إلا أن المصيبة بهؤلاء الذين أخذوا منهم فلسفتهم وتصوراتهم، وما يسمونها بـ (الحكمة). فبدأنا نسمع من يقول لن يصبح العبد مقربا من ربه حتى يدور في المزابل كالكلاب. وغير ذلك مما يأنف إنسان بسيط من ذكره.

بين البحرين ... حاجز

ودوماً يأتي الإسلام بالوسط، فلا إفراط ولا تفريط فلا تغرق ذات اليمين ولا تغرق ذات الشمال، والإسلام جاء يلبي جميع هذه الحاجات الإنسانية، حاجة التدين والعبادة، وحاجة التملك والتنعم، كما في الآية سابقة الذكر.

وسطية حنبلية

سئل الإمام أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: أيكون أحدنا معه ألف درهم ويكون زاهداً، فقال: نعم، فقالوا:كيف؟ قال: تكون زاهداً إذا زادت فلا تفرح وإذا نقصت فلا تحزن.

وشهد التاريخ بذلك

"لم يأت الإسلام ليجعل من أتباعه عالة يسعون بين الناس ليتلقوا لقمة عيشهم أو كسرة خبز يومهم، بل حث الإسلام على العمل والطلب"

ولقد سمعنا في تاريخنا عن نفر جمعوا بين الأختين، الدنيا والسعي لها، والعبادة والسعي لها، سعوا لدنياهم، كما سعوا لآخرتهم، فها هو عثمان بن عفان وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ثالث الخلفاء الراشدين، رضي الله عنه، يتاجر ويجمع الأموال حتى أنه قد جهز جيشاً بمفرده، وهاهو الصحابي الثري عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، لما توفاه الله عز وجل قسموا الذهب الذي تركه بالفؤوس، وقبلهما أبو بكر الصديق رضي الله عنهما وكذلك سعد بن أبي وقاص وكل أولئك من العشرة المبشرين بالجنة، ذلك أنهم وازنوا بين العمل للدنيا والسعي للآخرة فلا تعارض بينهما.

لم يأت الإسلام ليجعل من أتباعه عالة يسعون بين الناس ليتلقوا لقمة عيشهم أو كسرة خبز يومهم، بل حث الإسلام على العمل والطلب.

ختاماً.. لقد جعل الله الرزق في السماء، بينما كان السعي في الأرض؛ إن السعي واجب بحد ذاته وليس بالضرورة أن يكون سعيك مفتاح رزقك فقد يرزقك الله من حيث لا تحتسب أي من حيث لا تتوقع ولا تسعى.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الدنيا
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    الندم على تقصير فات أوان تداركه

    الندم على تقصيرٍ فات أوان تداركه مما تعمّ به البلوى وتشتد به الأزمة النفسية. ذلك …