هذه هي السياسة

الرئيسية » حصاد الفكر » هذه هي السياسة
images

مقدمه

كثيراً ما يقال في عالم السياسة أن السياسة شيء والأخلاق شيء آخر، وأنه لا اتفاق بين السياسة والأخلاق، وأن السياسة الناجحة هي السياسة التي لا تسلك سبيل المبادئ والأخلاق وتقوم على القول المعروف (الغاية تبرر الوسيلة) ولكن مَن يقرأ تاريخ العالم السياسي قديمه وحديثه: يتبين له أن هذه الأقوال والعبارات ليست من السياسة الرشيدة الناجحة في شيء، وأن السياسة الحكيمة المثمرة: هي التي تقوم على الأخلاق الإسلامية والمبادئ الإنسانية، ويتبن له أن عباقرة السياسة ومؤسسي الدول وبناة النهضات وقادة الشعوب كانوا يتحلون بالأخلاق الكريمة (الإسلامية) والمبادئ الإنسانية، وأن الأساس السليم الذي تبنى عليه السياسة الحكيمة النافعة: هو خدمة الشعب وبناء الوطن وإقامة علاقات حسنة مع الآخرين في الداخل والخارج، ووضع المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة في نطاق المحافظة على حقوق الآخرين، لأن مصالح الناس والشعوب في كل زمان ومكان متشابكة متداخلة متصلة ببعضها البعض، وكما أنه لا يمكن لأي فرد أن ينعزل عن الآخرين، كذلك لا يمكن لأي شعب أن يعيش منعزلاً عن الشعوب الأخرى فمصالح الجميع لا تُصان ما لم يكن هناك احترام متبادل بين الدول والشعوب.

والسياسة الحكيمة الرشيدة الناجحة تسلُك سبيل الشورى والديمقراطية والحرية وتقوم على رضا الشعب وإرادته فكل سياسة تتبع طريق الاستبداد والانفراد بالحكم وتفرض على الشعب بالقوة والإكراه: مصيرها الفشل والسقوط، فالشعب هو الميزان الحقيقي الصحيح لكل سياسة.

ولن يخدم الشعب ولن يكسب ثقته وولاءه إلا السياسي الذي يتسم بالعدل والحق والشرف والأمانة، ويتبع طريق الشورى والديمقراطية، فقد ثبت بالتجربة والواقع أن السياسة التي تتسم بالظلم والباطل: تعود على أصحابها بالفشل والضرر والخسارة.

ومن سمات السياسة العاقلة الناجحة

الكلمة الطيبة والعمل الطيب، والأخذ والعطاء، واللين والشدة، والاعتدال في الصداقة والعداوة، ووضع الشيء محله وحينه، ومخاطبة كل شخص باللغة التي يفهمها، والإكثار من الأنصار المؤيدين، والإقلال من الخصوم المعارضين، وكسب ثقة الناس ومحبتهم، وبمقدار ما يكسب السياسي ثقة الناس به وتأييدهم له يكون هذا دلالة على عقله ونجاحه، ولن يكسب سياسي ثقة الناس به وتأييدهم له: إلا بخدمة المصلحة العامة، وبناء الوطن، هذا ما تعلمناه من فَهمنا لكتاب ربنا سبحانه وتعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ورأيناه في البلاد الواعية المتقدمة، أما في البلاد الجاهلة المتخلفة فإن كسب ثقة الأنصار والأعوان يكون بطرق ووسائل غير سليمة.

قد يقول قائل: إن السياسة كالحرب خُدعة، فنقول له إن السياسة أسلوب والحرب أسلوب آخر وإن كان بينهما اتصال وثيق، والغرض منهما واحد، لا يتبع طريق الحرب والقتال إلا عندما تفشل الطرق السياسية والوسائل السلمية، فالحرب نتيجة لفشل طرق السلم والسياسة وذلك يعني أنه من الصواب استعمال الخداع والتضليل مع العدو في الحرب والسياسة، ومن الخطأ استعمال ذلك مع غير العدو.

فالحرب والسياسة مع العدو خُدعة وتضليل، ومع غير العدو أمانة واستقامة وصدق، كما أنه الخير للمرء أن يلتزم جانب الحق والعدل مع الناس جميعاً، ومن الشر أن يسلُك طريق الظلم والباطل في جميع الظروف والأحوال، فقد علمنا الله تعالى في كتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم والتجربة أن عاقبة الظلم والباطل: الخراب والدمار.

إذاً: السياسة العادلة المُنصفة سياسة حكيمة رشيدة نافعة، والسياسة الجائرة الظالمة سياسة حمقاء خرقاء ضارة.

وخير دليل على صواب هذا الكلام: هو الوقوف على الحياة السياسية لرجال قدامى ومحدثين.

ولنأخذ أولاً من رجال السياسة القدماء: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يتصف منذ الصغر بالصفات الحميدة ويتخلق بالأخلاق الكريمة، وعلى رأسها الصدق والأمانة، الأمر الذي دعا أهله ومعارفه إلى تسميته بالصادق الأمين.

ومَن كان مفطوراً على الأخلاق السامية يأبى عليه طبعه الحر الكريم أن يستعمل أساليب الكذب والغش والخداع والدجل مع الناس كما نرى في هذه الأيام من بعض الذين دخلوا في التيار السياسي، وأن يكون لا أخلاقياً في أقواله وأفعاله.

وقد كان صلى الله عليه وسلم أسلوبه في نشر الدعوة الإسلامية وفي حروبه مع أعدائهيقوم على الأخلاق السامية والآداب العالية وعلى رأسها: الصدق والأمانة والوفاء بالوعد والعدل والرحمة والحلم والتسامح، ولا أدل على حلمه وتسامحه من موقفه من كفار قريش في فتح مكة: فقد عفا عمن آذوه وحاولوا قتله واغتياله.

وبالحلم والعفو والتسامح حبب إليهم الدين الإسلامي الذي يدعو إليه ورغبهم في اعتناقه وجعلهم يندمون على معاداتهم له وتأخرهم عن قبول الدعوة التي يحملها وينشرها.

أما كفار مكة: فقد كانت سياستهم تقوم على الظلم والباطل والحقد واللؤم والاضطهاد والأذى والنهب والسلب واستبعاد الآخرين واستغلال الفقير ولذلك فشلوا وخسروا واندثروا.

وهكذا كان النجاح والغلبة عاقبة سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم القائمة على الأخلاق الكريمة، وكان الفشل والهزيمة عاقبة سياسة كفار مكة وأحزابهم.

ولا شك في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل والأنبياء قدوة حسنة للناس جميعاً في كل زمان ومكان.

وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى سبحانه وتعالى، وخلفه في قيادة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وقد سار على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا النهج القويم والخلق الكريم والسياسة الحكيمة كسب ولاء المسلمين والتفافهم حوله، ومن الأخلاق الكريمة التي كان يتحلى بها الخليفة أبو بكر الصدِّيق الشجاعة والحزم والإخلاص والصلابة في الحق وقد تجلت هذه الأخلاق السامية أكثر ما تجلت في موقفه من حركة المرتدين عن الإسلام، وقد كان المرتدون خطراً على الدولة الإسلامية وهي ما تزال في مهدها.

ومن أخلاقه السامية التواضع، وكسبه رزقه من عمل يده، وزهده في المظاهر الكاذبة الفارغة، والبساطة في حياته وعيشته، وديمقراطيته الفذة، وتمسكه بالعدل والرحمة قولاً وعملاً، ومن أقواله التي تعبِّر عن ديمقراطيته وعدالته وتواضعه هذه العبارات وهي من خطبة له: أيها الناس: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله تعالى، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.

وبهذا القدر القليل من نماذج وصور من الحياة السياسية للخليفة أبي بكر الصديق، فحياته السياسية ساطعة مشرقة هو وغيره من الخلفاء الراشدين وممن تولي أمر الناس وأقام فيهم الحق والعدل، حياتهم مشرقة كالشمس لا تحتاج إلى توضيح وبيان، وبهذه الأخلاق استطاعوا أن يكسبوا ثقة الناس بهم وانضواءه تحت لوائهم واستطاعوا أن يجعلوا المجتمع العربي الإسلامي بقيادتهم الحكيمة في ظل حكم الله كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، ولا أدل على صواب ونجاح السياسة التي تقوم على الأخلاق والمبادئ من أن الشعوب في مصر والشام والعراق وشمالي أفريقيا رحبت بالجيوش العربية والإسلامية التي دخلت بلادها فاتحة ومحررة إياها من استعمار الفرس والروم.

والحرب لم تكن بين العرب المسلمين وشعوب هذه البلاد، إنما كانت بينهم وبين دولتي الفرس والروم، وأهم من ذلك هو أن هذه الشعوب أغلبيتها الساحقة اعتنقت الدين الإسلامي الذي حمله المسلمون الفاتحون معهم.

وتثقفت بالثقافة العربية الإسلامية وتعلمت اللغة العربية، ومن ثم انصهرت في بوتقة العروبة والإسلام ولا غرابة في أن ينتهج العرب المسلمون الفاتحون سياسة عادلة رحيمة في البلاد التي فتحوها فهم حملة مبدأ ودين سماوي وأصحاب رسالة إنسانية وليسوا غزاة مستعمرين.

وأصحاب المبادئ والرسالات تراهم دائماً متحلين بالأخلاق والآداب وفي مقدمتها العدل والرحمة، وأما الغزاة المستعمرون فتجدهم دائماً متجردين من الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانية، ولا همَّ لهم إلا تحقيق مكاسب مادية ومنافع دنيوية بأي وسيلة وأي ثمن.

وصلاح الدين الأيوبي ليس منا ببعيد كانت الأخلاق السامية والمثل العليا تتحكم في أقواله وأفعاله وسياسته ويتجلى ذلك واضحاً في معاملته لخصومه الصليبيين، فقد كان عادلاً رحيماً معهم، فهو لم يبطش بهم عندما انتصر عليهم كما فتكوا بالمسلمين عندما انتصروا عليهم واحتلوا القدس فقد أحدثوا فيها مجازر دامية رهيبة وسالت دماء غزيرة، وتتجلى أخلاقه العالية وإنسانيته الفذة أكثر ما تتجلى في معاملته لأشد أعدائه من الصليبين وهو ريكاردوس قلب الأسد ملك الإنجليز آنذاك، فقد أرسل إليه طبيباً يداويه وهو مريض مع إنه جرت العادة أن يطلب المرء لعدوه اللدود المرض والهلاك.

وبهذه السياسة الرشيدة القائمة على الأخلاق الإسلامية الكريمة والمبادئ الإنسانية العظيمة، استطاع أن يوحد مصر والشام في دولة واحدة، وأن يجمع صفوف معظم المسلمين للانتصار على الصليبيين الغزاة، كما أنه كسب احترام القريب والبعيد والصديق والعدو قديماً وحديثاً.

ونأتي إلى العصر الحديث فنرى أن الاستعمار الغربي قد أصاب العالم كله، وسياسته كما هو معروف: طابعها استعمار الشعوب الضعيفة ونهب ثرواتها وخيراتها وشعارها (فرق تسُد) و (والحق للقوة) و (الغاية تبرر الوسيلة)، ويُستعمل الاستعمار الغربي أساليب الغش والخداع والدجل، ويسلك طرق الغدر والخيانة والظلم وسفك الدماء لبلوغ أغراضه ومآربه، وهذه الطرق والأساليب تبرأ منها الأخلاق الإسلامية الكريمة والمبادئ الإنسانية العظيمة.

وغني عن البيان أن سياسة الاستعمار الغربي لقيت وما تزال تلقى في كل مكان حلت وتحل فيه، مقتاً واستنكاراً ومقاومة مسلحة وغير مسلحة وآلت وتؤول إلى الفشل والخسارة والاندثار. والسياسة الرشيدة الناجحة هي التي تحظى برضا الناس وتأييدهم وتخدم مصالحهم وتُصلح أحوالهم وأوضاعهم.

فمن عواقب سياسة الاستعمار الغربي الحمقاء الظالمة: مشاكل وفتن وحروب راح وقودها عشرات الملايين من الضحايا البشرية وثروات وأموال طائلة لا تعد ولا تحصى.

وأصعب المشاكل وأخطرها التي خلقتها سياسة الاستعمار الغربي مشكلة فلسطين فهي مشكلة تُشكل خطراً حقيقياً على السلم العالمي: فإقامة إسرائيل كدولة دخيلة على أراضي عربية أكبر جريمة ارتكبها الاستعمار الغربي، وأفظع خطأ اقترفته السياسة الاستعمارية الغبية الهمجية، فطرد شعب آمن من وطنه ودياره وإحلال شعب دخيل محله وإقامة دولة للشعب الدخيل على أشلاء الشعب المطرود، هدم لقوانين الحق والعدالة وإهدار للقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية.

ومن خير الأمثلة أيضاً على بطلان السياسة التي تبتعد عن الحق والعدل: وجود فرنسا الاستعماري السابق في الجزائر، فقد ادعت فرنسا أن الجزائر من أرضها وعملت مدة من الزمن للقضاء على الشخصية العربية الإسلامية للجزائر وصهرها في البوتقة الفرنسية، وماذا كانت النتيجة يا ترى؟ كانت النتيجة تبخر التزييف والتزوير وبقاء الصدق والحق، وهلاك الباطل والافتراء وإشراق الحقيقة.

وهكذا تكون الغلبة والحياة والخلود في كل زمان ومكان للحق والصدق والحقيقة، والاندثار والفناء للباطل والزور والبهتان.

ولم لا نقول أن أجهزة الإعلام والدعاية التي تتخذ الكذب والدجل والنفاق والخداع مادة لها تبوء بالفشل والإخفاق وإذا ما نجحت فإن نجاحها يكون قصيراً مؤقتاً وعلى اعتبار أن ما تقوله وتفعله هو الصدق والحقيقة والواقع، ولا يلبث هذا النجاح المؤقت الزائف أن يتحول إلى فشل وإخفاق عندما ينكشف الغطاء وتنقشع الغيوم ويبرز الحق وتسطع الحقيقة، والواقع يطير هباء ويذهب جفاء، والدجل والكذب كالغشاوة على العين وكالضباب أو السحاب على نور الشمس، ولكن الغشاوة لا تطول ولا تلبث أن تزول فترى الحقيقة، وسرعان ما ينقشع الضباب والسحاب فتسطع الشمس.

وثوب الكذب والنفاق شفاف لكل ذي بصر وبصيرة، والكذب لا يمكث على نور الصدق والحقيقة كما أن الضباب لا يبقى طويلاً على نور الشمس.

وخلاصة ما تقدم أن السياسة الحكيمة الناجحة هي السياسة التي تقوم على الأخلاق الإسلامية الكريمة والمبادئ الإنسانية العظيمة، وأن السياسة المتحللة من الأخلاق ومبادئ الحق والعدل تنم عن الحمق وقِصر النظر، وتؤدي إلى الفشل والخسارة، وتجر إلى مشاكل وحروب، فلا أمن ولا سلام في أي زمان ومكان إلا بالحق والعدل والأخلاق الكريمة من قِبل الناس جميعاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …