العلم والإحسان والفضيلة .. من أرزاق الله التي ينتفع بها الناس

الرئيسية » بصائر تربوية » العلم والإحسان والفضيلة .. من أرزاق الله التي ينتفع بها الناس
ALREZK

من بين أهم الأسباب التي تقود الإنسان في زمننا هذا، وفي كل الأزمان، إلى الابتعاد عن ذكر الله تعالى، والقيام بواجباته وعباداته الراتبة إزاء ربه عز وجل، هي قضية السعي لكسب الرزق، أو المال بالمعنى الأدق للكلمة.

وتزداد إلحاحية هذه المسألة، في وقتنا الراهن، في ظل العثرات العديدة التي تواجه المسلمين، وعموم البشر، فيما يتعلق بقضية الرزق المادي، أو الكسب الذي يعين الإنسان على القيام بأعباء حياته، في ظل الأزمات المالية والاقتصادية التي تضرب العالم، وأدت إلى مشكلات في الغذاء والطاقة، والعوز في فرص العمل، بما وسَّع من مساحات الفقر المادي التي يعيشها الإنسان في عالم اليوم.

ويعود ذلك إلى مُدرَك غاية في الأهمية، غائب عن الكثير من دعاة اليوم، في خطابهم المُوجَّه إلى الفرد والمجتمع المسلمَيْن، وهي تحرير مفهوم الرزق.

فالشائع العام لدى عموم الناس، هو أن الرزق هو الكسب المادي في الدنيا، بينما مفهوم الرزق أوسع من ذلك بكثير، فانصرف الناس إلى الكسب المادي، والبحث عن المال، لحجج عديدة، مِن بينها مَن يصبغ على الرزق طابعًا قيميًّا، من أنه يسعى إلى تحسين حاله في الدنيا؛ حفظًا لكرامته الإنسانية التي صانها الله عز وجل له، والقيام على أعباء الدنيا من أجل التفرغ للعبادة.

"عبادة الله عز وجل، والإخلاص والأحسان فيها، هي مفتاح كل الرزق، المادي والمعنوي"

وكلها مبررات يسبغها الإنسان على سعيه المحموم لكسب المال، من أجل التبرير وتحقيق الراحة النفسية، وفي النهاية، تكون المحصلة، هو تقصير الإنسان في واجباته وفروضه التي قررها الله سبحانه وتعالى عليه، من فوق سبع سماوات، ومن ثَمَّ، غياب البركة عن الرزق أو الكسب المادي الذي يتكسبه الإنسان في حياته.

ويتغافل هؤلاء عن حقيقة مهمة، وهي أن الآجال والأرزاق بيد الله سبحانه وتعالى وحده، والإيمان بذلك، قضية شديدة الأهمية فيما يتعلق بإيمان الإنسان، واعتقاده في الله عز وجل.

والقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة شديدا الوضوح في هذا الأمر؛ أن الرزق بيد الله عز وجل، وأنه تكفَّل به للناس، أيًّا كانوا، حتى ولو كانوا كافرين، بل تكفل به لكل المخلوقات.. يقول عز وجل: "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" [سُورة "هود"- الآية 6]، وقال أيضًا: "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)" [سُورة "الذَّاريات"].

وفي الهدي النبوي تحذيرات من الانسياق وراء هذا؛ وراء قضية الرزق المادي، وتعلق القلب برزق الدنيا الضيق، عن القيام بالعمل الذي خُلِق الإنسان لأجله، وهو عبادة الله عز وجل، وتحول هذا الانسياق والانشغال، إلى انزلاق إلى مهاوي الحرام.

فيقول "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" في حديث ابن مسعود: "ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، لا يستبطئن أحد منكم رزقه أن جبريل عليه السلام ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصية" [صحيح/ أخرجه الحاكم في المُستدرِك].

أما وقد استقرينا الآن على هذه المفاهيم التأسيسية؛ فننتقل إلى قضية مهمة، قلنا إنه لا يلتفت لها الكثير من الدعاة اليوم، بالرغم من أهميتها في هذا الشأن الذي نتحدث فيه، وهي حقيقة الرزق.

فالرزق بمعناه العام، هو كل ما تفضل به الله عز وجل على عباده وأنعم عليهم به، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وسواء كان هذا الرزق ماديًّا أو معنويًّا، وتكون الأرزاق في هذا الإطار، نوعَيْن، أرزاق مادية ظاهرة للأبدان، وأزراق معنوية للقلوب والنفوس، كالمعارف والعلوم.

فالرزق في تعريفه الأوسع، إذن، هو كل ما ينفع الناس، ولذلك فالرزق ليس المال فحسب؛ وإنما يشمل الأخلاق والفضيلة والعلم، ويشمل كذلك الإحسان.

ففي الآية الثانية والعشرين من سُورة "يوسُف"، يقول الله عز وجل: "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، وكلمة "آتَيْنَاهُ" تشير إلى معنى الرزق كما ذكرناه في البداية، باعتبار أن الرزق هو عطاء من الله تعالى للإنسان.

ثم يقول عز وجل "حُكْمًا وَعِلْمًا"، وفي الطبري، أي أعطيناه حينئذٍ الفهم والعلم، والعقل والعلم قبل النبوة، ثم يقول عز وجل "وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، ويقول الطبري في تفسير قوله تعالى هذا: "وكما جزيت يوسف، فآتيته بطاعته إياي الحكم والعلم، ومكنته في الأرض، واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله، كذلك نجزي مَن أحسن في عمله، فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهيته عنه من معاصي".

والإحسان في حد ذاته أيضًا رزق، فهو عطية من الله تعالى للإنسان، فيقول عز وجل: "هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ" [سُورة "الرحمن"- الآية 60]؛ فهو سبحانه وتعالى؛ يرزق الإنسان الإحسان إذا ما أحسن الإنسان العمل.

والإحسان، هو الإتيان بالمطلوب شرعًا على وجه حسن، ويشمل ذلك الإحسان في عبادة الخالق عز وجل، والقيام بحقوقه، والإحسان في حقوق الخَلْق، وهو ما فرض الله سبحانه وتعالى على نفسه بأن يجزي بالإحسان، عباده المحسنين.

كذلك- من جانب آخر- المال الحرام الذي يكتسبه الإنسان، مثل الربا، أو المال المسروق، أو ما اكتُسِبَ بغير حقٍّ، ليس رزقًا؛ لأن الإنسان لن ينتفع به بالمعنى الكامل للانتفاع؛ لأنه سوف يُحاسب عليه من الله عز وجل؛ في الدنيا والآخرة، ولن يبارك الله عز وجل، له فيه.

وفي الأخير؛ فإن عبادة الله عز وجل، والإخلاص والأحسان فيها، هي مفتاح كل الرزق، المادي والمعنوي، فالله تعالى تعهد برزق الإنسان كما يشاء، ما دام يعبد الله عز وجل، كما خلقه الله لذلك.

وهذه المعاني شديدة الوضوح في القرآن الكريم.. يقول عز وجل: "... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)" [سُورة "الطلاق"]، وفي سُورة "نوح": "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)".

معلومات الموضوع

الوسوم

  • العمل
  • الفقر
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

    شاهد أيضاً

    10 نصائح لتبدأ سنة دراسية جديدة متميزة (للطلاب)

    انتهت العطلة الصيفية، لقد حان الوقت للتفكير في العام الدراسي الجديد، وبينما يتوق البعض إلى …