رمضان شهر الإعداد والتغيير لنيل الانتصار

الرئيسية » بصائر تربوية » رمضان شهر الإعداد والتغيير لنيل الانتصار
ramadan2014

الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا للإسلام، وزيّن قلوبنا بالإيمان، وأنار بصائرنا بالقرآن، والصلاة والسلام على معلم البشرية، سيد الخلق والبريّة، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آل بيته وصحبه الطاهرين، وعلى من تبعهم وسار على نهجهم، واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.. أيها الداعون إلى الله، والثابتون على طريق الحق.. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة:185].

ها هو قد أهلّ علينا شهر فضيل، وجاءنا ضيف كريم، إنه شهر رمضان، شهر التقرب إلى الله، وشهر تجديد العهد معه، وشهر تقوية الإيمان وتصحيح المسار. وهو خير الشهور، وفيه ليلة هي خير الليالي، قال تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر:3]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم) (رواه ابن ماجة)، كما أنه شهر العتق من النار، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة.) (رواه الترمذي وابن ماجة).

"رمضان شهر تغيير النفوس، وتجديد عهدها مع الله، بثورتها على كل ما اعتادت عليه من معاص وتقصير، فهو شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين"

ورمضان شهر الدعاء والتضرع إلى الله، قال سبحانه عقب آيات الصيام في القرآن الكريم {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (البقرة:186) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجة). ورمضان شهر الصبر، حيث يصبر المؤمن على حر النهار وطول وقته، احتساباً لما عند الله من الأجر والثواب، ولهذا جعل الله ثواب صيام الشهر متعلقاً به عز وجل، وجاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) (متفق عليه)، وروي عن سلمان الفارسي – رضي الله عنه- أنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يوم من شعبان فقال: (يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة..) (رواه ابن خزيمة).

شهر الثورة والتجديد

رمضان شهر تغيير النفوس، وتجديد عهدها مع الله، بثورتها على كل ما اعتادت عليه من معاص وتقصير، فهو شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين. ورمضان شهر المحاسبة، وتفحص مكامن الخلل داخل النفس في علاقتها مع باريها، ولهذا يتطلب هذا الشهر أن يشمّر المؤمنون عن سواعدهم ليعبدوا ربهم بما يليق بمكانة هذا الشهر وفضله.

لا تجعلوا رمضان كغيره من الشهور، بل اتبعوا نهج سلف الأمة الذين كانوا يجتهدون بالعبادة، ويحرصون على استغلال كل جزء من هذا الشهرـ ليكونوا ربانيين، مخلصين له، الأمر الذي أسبغ عليهم الرحمة والبركة، ومكّن لهم من الانتصار وتحقيق عزة الإسلام والمسلمين.

إن رمضان لابد أن يكون منصة لاستعادة الأمة لأمجادها وعزتها وحريتها، في وقت ضاعت فيه مقدساتها، وسلبت فيه كرامتها وحريتها، وأول خطوة لاستعادة هذا الأمر هو أن تصحح الأمة علاقتها بربها، وتوجه بوصلتها الوجهة الصحيحة وعندها يجازيها الله خير الجزاء، ويحقق لها العزة والانتصار.

إننا مدعوون جميعاً لاستغلال هذا الموسم الإيماني خير استغلال، بكثرة العبادة، وتحقيق الصيام الحقيقي الذي لا يقتصر على الجوع والعطش، وإنما يتعدى ذلك ليشمل الجوارح وغيرها، بحيث يكون هناك تكاملاً بين مكنونات النفس، الأمر الذي يرتقي بها ويعلي من منزلة صاحبها.

"إننا مدعوون جميعاً لاستغلال هذا الموسم الإيماني خير استغلال، بكثرة العبادة، وتحقيق الصيام الحقيقي الذي لا يقتصر على الجوع والعطش، وإنما يتعدى ذلك ليشمل الجوارح وغيرها"

ومما يعيننا على استغلال رمضان، كثرة تلاوة القرآن وملازمته، وتدبر معانيه، والعمل على تطبيقه والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وقد أدرك سلف الأمة وعلماؤها قيمة القرآن في رمضان، فكانوا دائمي الملازمة لكتاب الله، تقديراً لهذا الشهر، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن. وقد أبدع الإمام الشهيد حسن البنا- رحمه الله- في وصيته حول استغلال رمضان، فقال: "انتهزوها فرصة، وادخلوا المدرسة لأول يوم، وأنتم عازمون على الجد، مترقبون للنجاح آخر الدرس، آخذين في وسائله وأسبابه.

جدّدوا التوبة في كل الأوقات، واقرؤوا القرآن بتدبر وإمعان، وأشعروا النفوس فائدة الصوم، واطلبوا القيام ما أمكنكم، وأكثروا من الذكر والفكر، وارتفعوا بأرواحكم عن محيط المادة، واجعلوا نصب أعينكم هذه العلامة التي تميز بين الصائمين في قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183) واخرجوا من صومكم متقين".

إننا أحوج ما نكون في ما تمر به أمتنا من ظروف عصيبة، لأن نعد أنفسنا حق الإعداد، ونستغل رمضان كزاد للمسير نحو التمكين، وإن أمتنا تحتاج لأولئك الذين يجمعون بين العلم والإيمان، الذين يحملون روحاً تحب دينها وتستعد للتضحية في سبيله، وفي الوقت نفسه، تسعى لأن تحقق النهضة لأمتها وترفع من شأنها بين الشعوب والأمم.

أيها المرابطون.. اعلموا أننا إن نصرنا الله في أنفسنا، فإننا بلا شك سننال النصر منه سبحانه، واستذكروا قوله تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز} [الحج:40] نسأل الله سبحانه، أن يجعل رمضاننا هذا فاتحة لتغير أحوالنا، وأن يعيد علينا رمضان القادم، وجحافل المسلمين على أعتاب بيت المقدس تهلل وتكبر بتحقيقها لوعد الله بتحرير فلسطين ممن دنسوها وسلبوا مقدساتها وانتهكوا حرماتها.

ونسأله تعالى أن يهيئ لأمتنا أمر رشد يعز فيها أهل الطاعة، ويذل فيها الكفرة والمجرمون والمستبدون، إنه سميع بصير.

 

فيما يلي جدول مقترح للمحاسبة الإيمانية خلال الشهر الفضيل

معلومات الموضوع

الوسوم

  • رمضان
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    ليس كل ما يُعرف يُقال!

    قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8]. إن كتمان السِّر من أفضل أخلاق المؤمنين …