أخلاق المجتمع .. بين الادعاء والسلوك

الرئيسية » خواطر تربوية » أخلاق المجتمع .. بين الادعاء والسلوك
الاخلاق الاسلامية

لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم وفد المسلمين للحبشة، ومثل هؤلاء الثلة أمام ملكها، في محاولة من مشركي قريش لاستردادهم صاغرين لأرضهم وأهلهم، كي يحبسوا تلك الفكرة ويحصروها ثم ليقضوا عليها، هناك وأمام هذا المشهد المهول والفرصة الوحيدة للنجاة توجه النجاشي بالسؤال للمسلمين عن دينهم الجديد الذين فروا فيه من قومهم وأتوا به إلى الحبشة، فتقدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأصاغ خطاباً محكماً فصلاً بيّنا أفصح فيه عن حقيقة الدين وما يدعو إليه، ولكنه ابتدأ خطابه بتمهيد ضروري وهو تقبيح ما كان عليه الناس في الجاهلية حيث قال:" أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف".

لعلك ترى فيما سبق أن جعفر رضي الله عنه وضح حقيقة الجاهلية من خلال مظاهرها، فالجاهلية ليست شركاً أو وثناً فقط، وليست كفراً أو ردة فقط، إن الجاهلية هي سلوك واعتقاد، وكل اعتقاد قادنا إلى ظلم أو انتهاك حق أو سوء خلق لهو الجاهلية بعينها.

نرى اليوم بلاد الكفر ترعى الإنسان وتحترمه بينما بلاد الإسلام تنتهك حقه وتسلبه وتظلمه وتقمعه ولقد صدق قطب الإسلام حين سماها "جاهلية القرن العشرين".

وتابع معي خطاب جعفر رضي الله عنه وهو يصور الإسلام والذي لم تكتمل شريعته بعد يومذاك، وإنما قد اكتملت فكرته، انظر كيف يصيغ من الإسلام كل رحمة وعدل وصلة، كل خلق حسن وفضيلة، ونبذ لتغول قوى الباطل على ضعف الحق، ومحاربة من يستغل منصبه ليأكل من هو أضعف منه؛ حيث يكمل قوله: "فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا نبيا ورسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا.. فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا...".

كيف لا يقول ذلك وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر فضيلة هذا الملك إذ قال له ولإخوانه: "اذهبوا إلى الحبشة؛ فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد". إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل خيرة أصحابه السابقين إلى صاحب الفضيلة، صاحب العدالة "الكافر".

"إن غاية الرسالة كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في إتمام مكارم الأخلاق، بل جعل علو المنزلة في الجنة والقرب منه عليه الصلاة والسلام لمن هو أحسن خلقاً"

إن الإسلام جاء لبناء المجتمع الصحيح والحقيقي من خلال تماسك الأفراد وتراحمهم فكما صورهم القرآن بنياناً مرصوصاً وكما وصفهم الحديث كالجسد الواحد، وإن غاية الرسالة كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم كانت في إتمام مكارم الأخلاق، بل وقد جعل علو المنزلة في الجنة والقرب من النبي فيها بالأحسن خلقاً، بل وأقر النبي صلى الله عليه وسلم للنار بامرأة لم تحسن معاملة قطة، فكيف بمن يسيء إلى المسلمين بتصرفاته وسلوكاته الرعناء ظانا نفسه أنه ذكي وحذق ويحسن التعامل مع الناس، بهذا لا تنتصر الأمة طالما لم تكن قلوبنا على قلب رجل واحد، وكل واحد منا حريص على أخيه كما هو حريص على أولاده.

وإذا انتقلنا سريعا من أرض الحبشة إلى أرض المسلمين اليوم لنرى واقعاً مليئاً بالمآسي الخُلقية وسوء المعاملة، وإذا شئت فانظر معي إلى:
1. الأزمة الأخلاقية في الطرقات، وكثرة الاشتباكات وحوادث السير وكثير منها كان يمكن تجاوزه بحسن خلق من أحدهما بأن يفسح له أو يوسع له في الطريق أو يقدم له أولوية.
2. اضطهاد المرأة وحرمانها من حقوقها الشرعية والمدنية، وكم رأينا متديناً ملتزماً في صلاته، إلا أنه قبل مماته حرم الإناث من الميراث.
3. مظاهر الظلم المنتشرة بين الناس، سواء من الأنظمة أو الحكام أو رجالاتهم أو حتى في البيوت وفي الأسواق.
4. بتنا نرى دم المسلم يراق على الأرض لأهون الأسباب، فمن مشاجرة بين بعض الصبية في الشارع ينزل آباؤهم قتلى جراء تعصبهم وتعنتهم.
5. الإساءة للجار، ويكفيك شهادة النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء لجاره بأنه لا يؤمن.
6. التهجم والتهكم على من يخالفنا الرأي والاعتقاد، فبتنا لا نستطيع تحمل المخالف، ولا نحترم الخلاف ولا الحوار.
7. ترى المجتمعات المسلمة هذه الأيام من أكثر المجتمعات المقبلة على الرذيلة وعلى الفاحشة سواء من خلال شبكة الانترنت أو من خلال الإقبال على الفواحش.
8. عدم حفظ كثير من المسلمين عهدهم.
9. مهاجمتنا للآخرين فقط لأنهم غير مسلمين متناسين ما قدموا للإنسانية والبشرية.

إن الذي ينظر إلى خطبة حجة الوداع يرى كم من فضيلة دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى ترك كل رذيلة وإلى حسن التعامل وحسن الخلق. وكثيرا من البلدان فتحت بحسن أخلاق تجار المسلمين، فديننا معاملة، ولن يأتي نصر لهذه الأمة طالما بتنا متفرقين متشرذمين.

أخي المسلم: ابدأ بنفسك وأهل بيتك، مارسوا الأخلاق ممارسة عملية في السراء والضراء مع من كان معكم أو ضدكم، فإنما الحلم بالتحلم والصبر بالتصبر، فالأخلاق سلوك وعمل وليست قولا وادعاءً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

(1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …