استعداء الآخرين والتفنن في صناعة الخصوم (2-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » استعداء الآخرين والتفنن في صناعة الخصوم (2-2)
الداعية والناس

بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنت الرحمة المهداة للعالمين، كيف وسع قلبك المخالفين؟ كيف أخذت بيدك الحانية- العصاةَ المخطئين؟ كنت بهم رحيماً ونحن عليهم جفاة غليظون، كنت عليهم صبوراً ونحن متعجلون، كنت بهم عفواً حليماً ونحن قساة منتقمون، تعجز الكلمات عن وصف خلقك يا رسول الله، لكن هديك الراقي هو الدليل الباقي؛ لنعود لمنهجك، ونسير على طريقتك، ونتبع سنتك.

ارجع إلى السيَر، وقلب نظرك في الأثر، لن تجد مثل سيرة الحبيب محمد– صلى الله عليه وسلم– في كسب قلوب الناس والمخالفين، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك} [سورة آل عمران:85].

فكما نستعدي الناس بأقوالنا وأفعالنا؛ نحن قادرون أيضاً على كسب قلوبهم، ونيل احترامهم، فما هي الطرق والأساليب التي نكسب من خلالها الناس؟ وكيف نزيل العداوة بيننا وبينهم؟

"كما نستعدي الناس بأقوالنا وأفعالنا؛ نحن قادرون أيضاً على كسب قلوبهم، ونيل احترامهم"

 الطرق والأساليب التي نكسب من خلالها الناس:

أولاً:اللين واللطف والرحمة: فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إنّ الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه" [رواه مسلم]، وعن معاوية بن الحكم السلمي، قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله، ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة، لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" [رواه مسلم]، والأمثلة على رفق النبي – صلى الله عليه وسلم- بالمسلمين، كثيرة بل هي منهج عنده عليه الصلاة والسلام.

ثانياً: سحر الابتسامة: فإذا أردت أن تأسر قلوب الناس، وبدون جهد أو بذل مال، فقط ابتسم، فالابتسامة لها سحر خاص، وتأثير كبير، قال صلى الله عليه وسلم -: "لا تحقرن من المعروف شيئاً و لو أن تلق أخاك بوجه طلق" [ رواه مسلم].

ثالثاً: حسن الخلق: ومن ذلك الكلمة الطيبة، ومقابلة السيئة بالحسنة، والإعراض عن الجاهلين، فقد قال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [سورة فصلت:34] فلن تجد مثل الأخلاق الحسنة في كسب ود الناس، فالناس مجبولون على محبة صاحب الخلق الحسن، والسمت الطيب.

رابعاً: الإنصات للآخرين وسماع شكواهم وأخذ مشورتهم: فكثير من الناس لا يطلب إلا أن تسمع لهموم حياته ومشاكله وآرائه، حتى لو لم تساهم في حلها؛ لأنه يعتبر ذلك احتراماً لعقله، وتقديراً لشخصيته، وقد ورد عنه – صلى الله عليه وسلم-: "أنه لم يكن أحد يكلمه إلا أقبل عليه بوجهه، ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه" [رواه الطبراني].

خامساً: خدمة الناس والسعي في حاجاتهم:  فقلوب الناس معلقة بمن يخدمهم، ويحسن إليهم، ويكرمهم، ويسعى في مطالبهم، يقول الشاعر:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهُمُ **** فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

سادساً: تجنب الجدل: قال - صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً..." [رواه أبو داود]، وإن كان لا بد فعليه الالتزام بأداب الحوار والنقاش، فصوته منخفض هادئ، مستمع لرأي مخالفه، فلا يقاطعه ولا يستهزئ به، وهمّه إثبات الحق، فلا حظّ لنفسه في النقاش، مع التركيز على نقاط اللقاء مع المتحاور، قال تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...} [سورة النحل:125].

سابعاً: احترام الرأي الآخر وتقبل التنوع الموجود في المجتمع: فالاختلاف سنة من سنن الحياة، وعلينا التعامل معه على أنه من طبيعة البشر، وهذا التنوع والاختلاف يثري الأفكار وينضجها، للوصول للرأي الأمثل والأصوب.

"إنّ أيّ دعوةٍ أو فكرة يشترط لها حتى تنجح: أن يحتضنها المجتمع والناس، ولن يتحقق ذلك باستعداء الناس، بل بكسب قلوبهم وعقولهم"

ثامناً: تجنب الغضب والتعامل بانفعال وحماسة مع المواقف المحرجة؛ حتى لا يتخذ الإنسان قراراً يندم عليه فيما بعد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم-: "أوصني، قال: (لا تغضب)، فردّد، قال:(لا تغضب)" [رواه البخاري].

تاسعاً: التواضع عند النصر، والعفو عند الظفر: فتميل نفوس البشر، إلى بطش المخالفين أو النيل منهم عند النصر، أما الحبيب محمد – صلى الله عليه وسلم- فقد دخل إلى مكة وهو مطأطئ رأسه، تواضعاً وخضوعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس ظهر راحلته، فعلينا ألا نخسر كل مخالف متحدٍ لنا، فلعل الله يفتح على قلبه ويصبح في صفنا.

وختاماً ... إنّ أيّ دعوةٍ أو فكرة يشترط لها حتى تنجح: أن يحتضنها المجتمع والناس، ولن يتحقق ذلك باستعداء الناس، بل بكسب قلوبهم وعقولهم، وقد ثبت كثير من الدعاة في بعض البلدان، أمام البطش والظلم بسبب الحاضنة الإجتماعية الضخمة لهم، فلنصنع مجتمعاً محباً لدعوتنا، مدافعاً عنها، مؤمن بأفكارها ووسائلها.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الدعوة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

    شاهد أيضاً

    نصائح تساعد الآباء في تحقيق النجاح في الدراسة الافتراضية

    تستعد العديد من أكبر المناطق التعليمية في العالم أن تبدأ الاختبارات والفصول الدراسية القادمة عن …