المراجعات أهم مخاضات المِحَن والابتلاءات .. دروس للحركة الإسلامية

الرئيسية » بصائر الفكر » المراجعات أهم مخاضات المِحَن والابتلاءات .. دروس للحركة الإسلامية
تقييم

من بين أهم سُنن الدعوة الحركية التي وضعها الله عز وجل فيها، الابتلاء والمِحَن، وهي سُنَّة إلهية ناجزة، وُضعت لغايات وحكمة عظمى من لدن الله عز وجل، الذي لم يخلق شيئًا، أو يضعه في خلقه، عبثًا بالمطلق.
وهناك أكثر من آية قرآنية كريمة حددت بعضًا من هذه الغايات، ومن بينها الآية في سُورة "مُحمَّد"، والتي يقول فيها الله عز وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)}.
وقبل الانطلاق في الرسالة المستهدفة من هذه الكلمات، فإنه لابد من الإشارة إلى حقيقة مهمة، وهي أن كل الأمور تجري بقدر الله تعالى، وأن النصر والابتلاء والمحن والهزيمة، هي كلها أمور من لدن عزيز حكيم، يريد منها- بحكمته البالغة سبحانه وتعالى- الوصول إلى عدد من الحقائق، علمه سابق إليها؛ ليحاجج بها خلقه عند الحساب.
فهو رب العزة سبحانه عندما يقول: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [سُورة "آل عمران": الآية 141]؛ فإنه يؤكد على المعاني السابقة، وهي أن النصر على الكافرين؛ هو منحة من الله تعالى، وهو الذي حقق النصر، أما المؤمنون الصالحون؛ فما عليهم إلا الأخذ بالأسباب، من أجل تحقيق رضا الله تعالى، وتحقيق الثواب، وأخذ الجزاء الدنيوي والأخروي، الذي يضمن لهم النجاة من النار، ودخول الجنة.
وفي تفسير البغوي؛ فإن "وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ"، في آية آل عمران، يقول إن المقصد "نظهرها ونكشفها بإباء من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد"، أما ابن كثير فيقول في تفسيره لها: "وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد: حتى نعلم وقوعه، ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم، أي: لنرى".

رسالة التمحيص والمراجعة:
والتمحيص هنا ليس للمؤمنين فحسب؛ وإنما لأعدائهم، وهي عطية من الله تعالى لعباده خلال فترات الاختبار، ففي سُورة "آل عمران" أيضًا، يقول عز وجل: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)}.
هنا تكون المحنة عطية من الله تبارك وتعالى، فالآية نزلت في المنافقين، خلال غزوة "أُحُد"، الذين كانوا يلعبون دورهم التاريخي في حياة الأمة، في سنواتها الأولى، وأعمارها المتأخِّرة، وهو دور المُعوِّقين، والتمحيص هنا كاشف، أي أنه كشف أمر المنافقين وأصحاب الإيمان الظاهري الزائف أمام جماعة المؤمنين.
إذن فتمحيص النفوس، المؤمنة وغير المؤمنة، خلال فترات المحن والابتلاءات من بين أهم المقاصد الإلهية من هذه السُّنَّة التي وضعها في عباده.
فماذا عن الجانب الآخر؟!.. ما المطلوب منه؟!.. ما الذي يجب على الجماعة المسلمة؟..

"لابد من الصبر والإيمان بأن كل ما يحدث هو من عند الله، وبالتالي كله خير، طالما أن الله لا يقضي على عبده المؤمن إلا بالخير، وأنه إن قدر أمراً شراً في الظاهر، فقد يكون ابتلاء بخير له"

المهمة الأولى هي الصبر، والإيمان بأن كل ذلك من عند الله، وأنه- بالتالي- كله خير، طالما أن الله تعالى لا يقضي على عبده المؤمن إلا بالخير، وأنه حتى عندما يقدر عليه أمرًا شرًّا كما يبدو، كما يفهم البعض من الآية {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [سُورة "الأنبياء":الآية 35]؛ فإن تقدير الشر هنا، لا يعني أن الله تعالى يريد بالعبد الشرِّ؛ وإنما قد يكون قد ابتلاه بالشر لخيرٍ له، فالإنسان عندما يصبر؛ يُثاب، وعندما يُبتلى بالشر؛ قد يكون ذلك مدعاةً له للاقتراب من الله عز وجل أكثر، من خلال الدعاء والطاعات، فيقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [سُورة "الأنعام":الآية 42]، وفي كل هذا خير للعبد المؤمن.
وقد يكون ذلك أيضًا مدعاةً للإنسان لأن يراجِع نفسه فيما يفعل ويقوم به، فما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، وهنا، وعند وقوع المحنة والابتلاء؛ يجب على الإنسان أن يقف أمام نفسه مليًّا، ويتفكر فيما يقوم ويفعل، وما الذي دعا إلى أن يتنزَّل به الله عز وجل، هذا البلاء.

دروس للحركة الإسلامية:
إن أول الأطراف المدعوة في عالمنا المعاصر للأخذ برسالة المراجعات، هم الدعاة والقائمين على شؤون الحركة الإسلامية، في ظل التحديات الراهنة المعروضة على الحركة، بمختلف ألوان طيفها الفكري والفقهي.
ولا يظننَّ أحد أن هذه الكلمات مقصودها القريب، الجانب السياسي لهذه التحديات في ظل التطورات الحالية التي تمر بها بلدان العالم العربي التي شهدت ثورات شعبية عارمة أطاحت بأنظمة فاسدة مستبدة، قادتها بالأساس الحركة الإسلامية- أيًّا كانت هويتها- من ارتكاسات على مطالب الشعوب وحراكها الثوري الذي طالبت فيه بحقوقها العادلة في إدارة شؤنها والتمتع بثرواتها، والنهوض بنفسها، للعودة إلى ركب الحضارة الإنسانية.
ولكن الأمور أكبر من ذلك وأعمق، وتُعتبر هذه المسألة إنما هي فقط جزء من المراجعات المطلوبة.
فالتحديات الراهنة، وجهود إسقاط المشروع الإسلامي في الوقت الراهن، والتي تتعاون فيها الأنظمة المستبدة الفاسدة، مع قوى الاستكبار العالمي، وأعوانها في الإقليم العربي والإسلامي، تتجاوز فكرة إسقاط الحكومات والأنظمة الإسلامية، التي أفرزتها الثورات العربية، وهزيمة التنظيمات والحركات الإسلامية، إلى آفاق أخرى، وهي هزيمة الفكرة نفسها، والمشروع ذاته الذي تحمله هذه الحركات، وما أفرزته من أحزاب وحكومات في السنوات الأخيرة.

"لابد أن تشمل المراجعات مختلف الفئات العاملة في حقل الدعوة، بمختلف اتجاهات عملهم النوعية، التربية، الإعلام، والسياسة أيضا، خصوصاُ في ظل الحرب على قتل الدين والتدين في نفوس المجتمعات"

فالمطلوب إذن قتل الدين والتدين في نفوس المجتمعات، والارتكاس على مختلف المنجزات التي حققتها الصحوة الإسلامية في العقود الأخيرة، ونزع فكرة أن الإسلام قادر على الحكم، وقادر على إفراز مشروع نهضوي شامل يستعيد خيرية الأمة، ويضعها في مقدمة الرَّكب الحضاري.
إذن فالمراجعات هنا، تشمل مختلف الفئات العاملة في حقل الدعوة، بمختلف اتجاهات عملهم النوعية، التربية، الإعلام، والسياسة أيضًا.
يجب العمل على فحص أسباب ما تحقق مؤخرًا من تراجعات، ولن نسميه فشلاً لأن المعركة سجال، ولا تزال في إطار صراع الحق والباطل، المستمر إلى يوم الدين.
وعند وضع اليد على أسباب ذلك، تبدأ التحركات المضادة، فلو كان الأمر بسبب نقص في الفهم، أو ضعف في التربية، أو في خروج بعض الصفِّ عن الإطار القيمي والأخلاقي الذي يجب أن تتحلى به الحركة الإسلامية؛ فليتحرك الدعاة والتربويون، وإذا كان الأمر يتعلق بدخول المندسين وذوي المصلحة، أو من هم صنو المنافقين في زمننا هذا؛ فليتحرك من هم قائمون على شؤون التوجيه والتنظيم والإرشاد، والحركيون، وليقصوا مثل هذه العناصر، وهكذا.
وتظل القضية الأساسية هي التوقف أمام النفس، وأخذ قرار المراجعة بعد الاعتراف بوجود الكثير من أوجه التقصير في الحراك الراهن للحركة الإسلامية، يوجب عليها وعلى القائمين عليها ذلك، والتأسيس لهذا الفهم، هو واجب الساعة الحالي أمام الحركيين والتربويين والدعاة، على حدٍ سواء.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

بحوث “المثلية” وتحديات الخطاب الإسلامي والعمل الدعوي

طالعتنا قبل أيام نتائج دراسة علمية أُجرِيَتْ في بريطانيا وأوروبا عن الشذوذ الجنسي أو الميول …