المَسْجِدُ والجَمَاعةُ في حياةِ الأخِ المُسْلِم (2/1)

الرئيسية » بصائر تربوية » المَسْجِدُ والجَمَاعةُ في حياةِ الأخِ المُسْلِم (2/1)
Baghdad Ten Years After Invasion

(1) الجَمَاعةُ في المساجِدِ عُنْوَانُ الهِدايةِ والصَّلاح

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ ومَنْ والاه، واهتَدَى بهداه.

قال تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ).

وأخرج مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ».

إلى هذا الحدِّ كان أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ينظُرون إلى جماعةِ المسجدِ، على أنها فُرقانٌ بين المؤمنِ والمنافقِ، وكان المريضُ منهم يُحمَلُ إلى المسجدِ حمْلًا وهو غيرُ قادرٍ على المشي!.

والأدِلَّةُ على فضلِ جماعةِ المسجدِ كثيرةٌ لا تخفَى عليكم أيُّها الإخوانُ المسلمون، حتى أخرج مسلم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ! قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ؛ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ».

(2) ضِيافَةٌ رُوحِيَّة

إنَّ السائِرَ إلى المسجدِ للصَّلاةِ يمشِي ذهابًا وإيابًا في ضيافةِ الله، وأَكْرِمْ بها من ضيافةٍ تمتلئُ منها القلوبُ سكينةً، وتؤوبُ منها الأرواحُ راضيةً سعيدةً، وتنقلبُ منها الصدورُ منشرحةً مسرورةً، وقد قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجَه الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».

وفيما أخرجه أحمد والترمذيُّ بسند صحيح من حديث ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكَرَ الْكَفَّارَاتِ فقال: «الْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

(3) اللهُ يفرحُ بعبدِه المعتادِ على المسجِدِ والجَمَاعات

أخرج أحمد وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ إِلاَّ تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِم».

وأخرج الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: «إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَيُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ جِيرَانِي؟ أَيْنَ جِيرَانِي؟ قَالَ  فَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ: رَبَّنَا، وَمَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُجَاوِرَكَ؟ فَيَقُولُ: أَيْنَ عُمَّارُ الْمَسَاجِدِ؟».

وأخرج الطيالسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم قَالَ: «أَفْضَلُ الرِّبَاطِ: انْتِظَارُ الصَّلاَةِ، وَلُزُومُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي، ثُمَّ يَقْعُدُ فِي مَقْعَدِهِ إِلاَّ لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ حَتَّى يُحْدِثَ أَوْ يَقُومَ».

وأخرج مُسَدَّدٌ أنه قِيلَ لِلْحَسَنِ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَزَالُ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَ فِي مُصَلاَهُ»: مَقْعَدُهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ؟ قَالَ: بَلِ الْمَسْجِدُ كُلُّهُ.

(4) حَذَارِ من الصلاةِ في البُيوتِ وهُجْرانِ المساجِد

أخرج ابن أبي عمر والبزار والطبراني، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ لاِبْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِيَكُنْ بَيْتُكَ الْمَسْجِدَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم يَقُولُ: «إِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ، فَمَنْ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُ أَتَمَّ الله لَهُ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الْجَنَّةِ».

وأخرج عبد الرزاق في جامع معمر والبيهقي وأبو نعيم أن أَبَا  الدَّرْدَاءِ، كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ رضي الله عنهما بذلك.

لهذا كانَ مما يحرصُ الإخوانُ على الالتزامِ به: المحافظةُ على صلاةِ الجماعةِ، وإعمارُ المساجدِ بالذكرِ والصلاةِ، وعدمُ التماسِ الرُّخَصِ للتخلُّفِ عن الجماعةِ في المسجدِ إلا لعُذْرٍ قاهرٍ، فقد روى ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعمَى أنه اشتكَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِبَر سِنِّه وبُعْدَ دَارِهِ وعَمَى بَصَرِهِ وفَقْدَ القَائِدِ الملائِمِ له، مع كثْرَةِ السِّبَاعِ بالمدِينَةِ، فقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجه أبو داود وابن ماجه: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نَعَمْ. قَالَ: «مَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَة».

وأخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ».

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِى الْمَسْجِدِ». قِيلَ لِعَلِيٍّ: وَمَنْ جَارُ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ».

بل أخرج أبو داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ» قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: «خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى». وهذا من المبالغةِ في الزَّجْرِ عن التخلُّفِ عن الجماعة.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الصلاة
  • المسجد
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

    من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …