الصهاينة العرب .. والبغضاء التي بدت من أفواههم

الرئيسية » بصائر الفكر » الصهاينة العرب .. والبغضاء التي بدت من أفواههم
الصهاينة العرب

يقول الله تبارك وتعالى في مُحكَم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [سُورة "آلِ عمران"- الآية 118]..

هذه الآية الكريمة كاشفة للكثيرين ممَّن يعيشون بين ظهرانينا اليوم، وخصوصًا من أصحاب الأبواق الإعلامية؛ الذين يوالون أعداء الدين والأمة، لاعتبارات رخيصة زائلة من اعتبارات الدنيا.

مبعث هذا الكلام، التصريحات والمواقف الأخيرة التي صدرت عن عدد من الإعلاميين والمسؤولين والساسة العرب، وخصوصًا المصريين والسعوديين، خلال العدوان الصهيوني الحالي على قطاع غزة، والتي دعت صراحة إلى "نُصرة" دولة الاحتلال و"القضاء" على المقاومة الفلسطينية!

لا أحد يعرف كيف يفكر هؤلاء، ولا كيف يبررون لأنفسهم ذلك، ولكن المهم أن الحال قد وصل ببعضهم إلى مستوى توجيه الشكر لرئيس وزراء دولة الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، لشنِّه الحرب الأخيرة على قطاع عزة، ودعوته إلى "القضاء" على المقاومة، و"تطهير" قطاع غزة من حركة المقاومة الإسلامية "حماس"!
ومن بين هؤلاء رموز اجتماعية ومهنية ذات تأثير، مثل منى سامي، مديرة تحرير "الأهرام"- أكبر مؤسسة صحفية قومية في مصر- السابقة، والتي رحلت عن دنيانا بعد أن شكرت نتنياهو على قتله لأطفال غزة، وهناك كاتب التطبيع العربي الأول، علي سالم، و"الإعلامي" التافه، توفيق عكاشة، والقائمة تطول!!

ومن بين أهم الأسماء في هذه القائمة، الأمير تركي الفيصل، المدير السابق للرئاسة العامة للاستخبارات السعودية، وأحد أهم محركي السياسة الرسمية السعودية، وبالتالي السياسة الإقليمية في هذه المرحلة النَّكِدة التي ابتلَيْت بها الأمة بأشباه الرجال في مواضع الحكم والقيادة.
الفيصل كتب في "الشرق الأوسط" اللندنية، التي يمولها نظام آل سعود، وفي "الهآرتس" الإسرائيلية نفسها، أكثر من مقال، انتقد فيها قيادات حركة "حماس"، واتهمها بالمسؤولية عن أعمال العنف الحالية في قطاع غزة.

"مشكلة "الصهاينة العرب" مع حماس مشكلة مزدوجة، ففعل حماس المقاوم يلهم الملايين من الشباب في مواجهة الباطل، وخصوصاً أنظمة الاستبداد، بالإضافة إلى رفضها الاعتراف بوجود الكيان الصهيوني في المنطقة"

هذه الظاهرة الصادمة للكثيرين من أبناء الأمة الشرفاء، تأتي إما نتيجة أو ضمن، المعركة الحالية التي تشنها الأنظمة العربية الحاكمة، وعلى رأسها النظام الانقلابي في مصر، على قلوب وعقول الجماهير، في مرحلة ما بعد ربيع الثورات العربية؛ حيث الجهد الرئيسي موجه إلى تشويه حركات الإسلام السياسي التي تبنت خطاب التغيير والإصلاح، وعلى رأسها الإخوان المسلمين، وحركة "حماس" منها.

ولعل "مشكلة" "حماس" مع هؤلاء مزدوجة، فهي إحدى دعائم حركة الإخوان المسلمين، وخطابها وفعلها المقاوِم يلهم الملايين من الشباب حول العالم العربي والإسلامي، فيما يخص مواجهة الباطل الظاهر والباطل الباطن، وخصوصًا أنظمة الاستبداد والفساد القائمة، كما أنها تتبنى خطًّا مقاومًا يرفض وجود الكيان الصهيوني بين ظهرانيي الأمة من الأصل.

تعود جذور هذه الظاهرة إلى مرحلة ما بعد دخول العرب إلى نفق التسوية المظلم مع الكيان الصهيوني، والتي بدأت باتفاقية السلام الساداتية مع دولة الاحتلال، في نهاية السبعينيات، ثم تطورت إلى "أوسلو" وأخواتها، مثل "وادي عربة"، و"غزة- أريحا أولاً" و"واي بلانتيشن"، وغير ذلك من المسميات سيئة السمعة.

عبر هذه السنوات، عجزت أنظمة وحكومات التطبيع العربية، عن فرض فكرة الصلح مع "إسرائيل"، على الشعوب، من خلال الأدوات الدبلوماسية والسياسية والإعلامية الرسمية، فما كان منها إلا أن بدأت تتجه إلى "توظيف" صُنَّاع الرأي العام، والرموز الأكثر انتشارًا وقبولاً من جانب المواطنين، في هذا الاتجاه.

وزاد من إلحاحية دور هؤلاء، وصول حركة "حماس" إلى الحكم، بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الثاني، في العام 2006م؛ حيث صارت الحرب علنية، وصارت على كل الجبهات، بما في ذلك قلوب وعقول الجماهير، كما هي العادة في مثل هذه الأحوال؛ لإفشال تجربة الإسلاميين في الحكم.

ويبدو أن نجاح الأنظمة والحكومات كان ساحقًا، فمن البداية بفكرة "قبول التعايش مع الكيان الصهيوني" و"حقها" في الوجود، حتى وصلنا إلى مرحلة "تمجيد" جيش الاحتلال، وإظهاره بمظهر "المخلِّص" الذي سوف "يطهِّر" ظهرانينا من "الإرهاب"، ويحمي الأوطان من "الإرهابيين المارقين" الذين هم في النهاية- هؤلاء "الإرهابيون المارقون"- هم أصحاب الحق، ويحاربون من أجل نيل حريتهم، ويدافعون عن شرف الأمة بأكملها.

المشكلة الرئيسية في هذه المجموعات من الصهاينة العرب، التي تقتات على دماء المسلمين؛ أنها نجحت في الوصول إلى قطاعات شعبية عريضة، مستغلة في ذلك حالة الارتباك التي أصابت المجتمعات العربية، بعد الارتكاسات التي أصابت حِراك الإصلاح في غير دولة عربية، بعد ربيع الثورات التي قادتها الشعوب ضد أنظمة الفساد والاستبداد، منذ ديسمبر- كانون الأول 2010م، ولم تزل مشتعلة إلى الآن.

كانت النتيجة هي الضعف الراهن في الحِراك الشعبي المناصر لغزة، في البلدان العربية، والذي- للغرابة الشديدة، وبرغم الجرائم "الإسرائيلية" المروعة في غزة- يقل كثيرًا عن الحراك الذي قامت به قوى اجتماعية وسياسية في بلدان غربية، من بينها- حتى- من ينتمون إلى اليهودية، خرجوا في مظاهرات في تل أبيب، وفي نيويورك، وفي ألمانيا، احتجاجًا على ما يجري في غزة!

إن الأمر جد خطير، ويتطلب حِراكًا إعلاميًّا ودعويًّا عميقًا، سواء في انتشاره أو في محتواه، لإحداث التأثير المعاكس المطلوب في هذه المرحلة، تأثيرًا يتجاوز قوة الآلة الإعلامية الرسمية الموالية للمشروع الصهيوني الغربي في المنطقة العربية، ويعمل على تصحيح المفاهيم التي شوشتها وشوهتها هذه الآلة الجهنمية التي تضخ سمومها ليل نهار في إذن وقلب وعقل المستمع والمشاهد العربي.

ولا نكاد نكون مبالغين لو قلنا إن هذا هو واجب الوقت؛ تمامًا مثل شراء السلاح للمقاومة؛ لأنه من دون ظهير شعبي عربي؛ سوف تستمر هذه الأنظمة في دعمها للكيان الصهيوني، وبالتالي تقوية موقف الكيان الصهيوني على الجبهة الأمامية التي تواجه المقاومة الباسلة، التي أثبتت أن الحاضنة الجماهيرية، بعد توفيق الله عز وجل أولاً وأخيرًا، هو أهم أعمدة النجاح في المعارك والحروب، بمعناها السياسي والعسكري.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

“وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ”.. ما “الطريقة”؟ وكيف نستقيم عليها؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} [سُورة "الجن" …