توقعات البعض للأحداث المصيرية .. بين الحقيقة والكذب

الرئيسية » بصائر الفكر » توقعات البعض للأحداث المصيرية .. بين الحقيقة والكذب
اشاعات

يقول أحدهم: "أعلم متى ستقوم الساعة"، ويرد عليه آخر: "أما أنا فأعلم موعد دخولنا الأقصى محررين"، ويقول ثالثهم: "وأما أنا فأعلم متى ستعود الخلافة ومتى سندخل روما فاتحين".

بين الفينة والأخرى يطل علينا بعض الكتَّاب من مرَّ على العلم الشرعي من غير تعمق أو تدبّرِ؛ فيدّعون معرفتهم بمواعيد محددة لنوازل أو حوادث ستقع في المستقبل القريب أو البعيد، ويستدلون على صحة آرائهم بأدلة ونصوص من كتاب الله وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم-، فما أسباب ودواعي هذا الادعاء؟ وما موقف الشرع الحكيم منه؟ وما السبيل لمواجهته؟

أسباب هذه الادعاءات:

1- التعامل مع كتاب الله تعالى على أنه كتاب تاريخ، فيه ما حصل وما سيحصل إلى قيام الساعة، يقول أحدهم: "تاريخ البشرية مذكور من آدم عليه السلام إلى يوم البعث، في هذا الكتاب، سواء بالتصريح أو بذكر الأمثال"، ومما هو معلوم أنّ القرآن كتاب تشريع، وليس كتاب علوم أو تاريخ أو فلك، وإن احتوى على بعض الإشارات العلمية أو التاريخية.

2- التعامل مع القرآن بلغة الأرقام والرياضيات، فتراه يحسب عدد الآيات، وأرقام الصفحات، وعدد الحروف والكلمات، مخرجاً بذلك نتائج ومعادلات، وذلك كله ما أنزل الله به من سلطان.

3- الفهم الظاهري لبعض النصوص الشرعية الصحيحة، وجهل مقاصدها، ومثل ذلك أحاديث الفتن وآخر الزمان وعلامات الساعة، فتراهم يُسْقِطون هذه الأحاديث على واقعنا فيبالغون في تفسيرها، والبحث في دقائق معانيها، أو تحميل آيات كتاب الله تعالى ما لا تحتمل.

4- الاستدلال ببعض الأحاديث الضعيفة، أو الموضوعة على صحة قوله أو رأيه، وجمع الشواهد والطرق على صحة أسانيدها ومتونها، مع أنها ضعيفة لا يقوى بها رأي ولا تثبت بها حجة.

5- استغلال البعض لسقطات بعض العلماء قديماً وحديثاً، والبناء عليها وتضخيمها، مع أن الدليل كتاب الله وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- .

6- هروب البعض من واجبه العملي في خدمة دينه، وإصلاح مجتمعه، وحجته في ذلك أننا في زمان الفتن، واقتراب الساعة، ولا حاجة للعمل، فكل الأمور واقعٌة لا محالة، عملنا أم لم نعمل.

7- خلط البعض بين الدين والخرافة، واستغلال ذلك لأغراض دنيوية ومنافع شخصية.

الموقف الشرعي من هذه الادعاءات:

إنّ هذه الادعاءات تدخل في باب معرفة الغيب وخبر المستقبل، وبعضها يدخل في العرافة والشعوذة والتنجيم والدجل المنهي عنها، والغيب علمه عند الله تعالى، وحتى الأنبياء لم يعلموا الغيب فكيف يعرفه بعض البشر؟!!

قال تعالى مخاطباً نبيه- صلى الله عليه وسلم-: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف:188]، وعندما جاء جبريل -عليه السلام- بصورة دحية الكلبي، فسأل النبي- صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ أجابه النبي: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل..." [ رواه البخاري].
ولم يكن من سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- ولا الخلفاء المهديين من بعده البحث في وقت الساعة، أو ادعاء وقت النصر أو الفتح، إلا ما كان وحياً من الله تعالى، وإنما كانت بشارات من النبي- صلى الله عليه وسلم – دون تحديد وقت معين.

كيفية مواجهة هذه الادعاءات:

إن أعظم ما يواجه به هذه الادعاءات هو العلم الصحيح، وفق المنهج القويم، ويظهر هنا دور العلماء والوعاظ في توعية الناس، وتحصينهم من الخرافات وقول العرّافين والمنجمين وقليلي العلم، مع التأكيد أن يتصدر الاجتهاد والفتيا من هو أهل لذلك، عالم بكتاب الله وسنة نبيه –صلى الله عليه وسلم- متوفر فيه شروط الاجتهاد التي وضعها العلماء.

متى نحرر الأقصى المبارك ؟

وقد ظهر في عصرنا الحاضر من يدعي معرفته وقت تحرير القدس من أيدي اليهود الغاصبين، مستدلاً بالقرآن الكريم، وأحاديث نبوية جمع فيها: الصحيح والضعيف بل والموضوع أيضاً، رابطاً بين أحداث السيرة النبوية وتحرير الأقصى، فتارة يفسر الحدث الفلاني بمعركة بدر، والحدث التالي بمعركة أحد، وهناك فتح خيبر، وهنا غزوة مؤتة، وغداً فتح مكة، محملاً النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ما لا تحتمل، بمبالغة كبيرة، وهذا ضرب من التنجيم كما تحدثنا سابقاً، يقول: د. يوسف القرضاوي عن قضية زوال "إسرائيل": "تفصيلات التنبؤات بزوال إسرائيل من الخرافات، لكن زوال دولة اليهود أمر نوقن به، لأمرين: الأمر الأول: أنها دولة قائمة على الظلم واغتصاب حقوق الآخرين وتشريد أهل البلاد من أرضهم، والظلم لا يدوم، ولا بد أن يزول،... والأمر الثاني: هو أن عندنا من الأدلة القرآنية القوية ما يطمئننا إلى أنه لا يمكن أن تستمر دولة اليهود...".

وختاماً... إن الاشتغال بالتنبؤ بأحداث المستقبل مخالف لمنهج الإسلام، فلا يعلم الغيب إلا الله، وعلى المسلم أن يشغل نفسه بالعمل الصالح المفيد، وأن لا يضيع وقته مما لا طائل فيه، ولا أجر من ورائه، فلن ندخل الجنة بمعرفتنا بوقت الساعة، ولن نحرر المسجد الأقصى إن لم نعمل لذلك ونجتهد فيه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …