إلى الدعاة والتربويين .. علموا أولادكم معاني الجهاد والمقاومة!

الرئيسية » بصائر الفكر » إلى الدعاة والتربويين .. علموا أولادكم معاني الجهاد والمقاومة!
images
تعود أهمية التربية على الجهاد والمقاومة نظراً لان هناك جيلا تربى على أفكار دعاة التطبيع و"السلام" مع الكيان الصهيوني، عبر التعرض لعملية غسيل مخ، وربما غسيل ضمير أيضًا، من خلال وسائل التربية والتنشئة المختلفة

أظهرت الحرب الأخيرة على قطاع غزة عددًا من واجبات الوقت المفروضة على كل من يعمل في مجال صناعة الرأي، وتشكيل وجدان الناس، وخصوصًا ممن هم يعملون في القطاعات التي تتعامل مع النشء الجديد، وعلى رأس هذه الواجبات العمل على إحياء عدد من الثوابت التي دُفنت، أو حاول البعض دفنها، في تراب السياسة والإعلام، ومواراتها خلفيات ذاكرة المجتمعات العربية والإسلامية.

وعلى رأس هذه الأمور محددات توجيه بوصلة الأفراد والمجتمعات، وموقفها إزاء القضايا الكُبرى التي تواجه الأمة في هذه المرحلة، وعلى رأسها قضية "العدو" و"الصديق"، وما يرتبط بذلك في صدد توجيه المسلم في الاتجاه السليم للتعامل مع الأحداث.

فلقد أفرزت ظواهر مثل المتصهينين العرب، ساسة وإعلاميون و"علماء دين" من أتباع السلطان، وعقود من التسوية الرسمية بين العرب وإسرائيل، مجموعةً من المفاهيم المغلوطة حول قضايا تُعتبر هي الإسلام الحقيقي في جانبه الحركي والعملي، والتي تتعلق برسالة المسلم والأمة، في الحياة الدنيا، وعلى رأسها الجهاد؛ ذروة سنام الإسلام وعمود الأمر فيه.

ومن بين أبرز القضايا التي تحملت التبعات السلبية لهذه الحالة من التنشئة الفكرية والمجتمعية، قضية فلسطين، والصراع العربي الإسرائيلي.

فبين ظهرانينا الآن، جيل تربى على أفكار دعاة التطبيع و"السلام" مع الكيان الصهيوني، وحتى يقبل تلك القيم؛ تعرض لعملية غسيل مخ، وربما غسيل ضمير أيضًا، هذه العملية التي تمت من خلال وسائل التربية والتنشئة المختلفة، سواء المناهج في المدارس، أو من خلال الإعلام الجماهيري، أو من حتى من خلال منابر مساجد الدولة؛ أدت إلى تبديل محتوى المصطلح لدى هذا الجيل.

فالمقاومة والكفاح المسلح، تحولا إلى "إرهاب"، وتحول الشهيد إلى "قتيل"، والعمل على استعادة الحقوق، إلى "ضيق أفق سياسي" و"عدم فهم لحقيقة المشهد الإقليمي والدولي"، و"عدم إدراك لحقيقة موازين القوى".

الأهم أو الأسوأ من ذلك، هو أن هذا النمط من التربية والتنشئة، سلك مسلكًا غير سويٍّ لترسيخ هذه الحالة من الانحراف المعياري، التي تجاوزت حتى مستوى الانحراف القيمي، وهو أن يرتكن الإنسان الفرد، والمجموع العام للمجتمعات، إلى هذه الحالة من الانحراف في الفهم، ويكون مدافعًا عنها، باعتبار أنها هي التي "تضمن أمنه وسلامته"، و"تحفظ عليه مصالحه"، وأن بقاء إسرائيل في المنطقة، واليهود في فلسطين، صار أمرًا واقعًا، من دونه حرب نووية لا تُبقي ولا تذر، إذا ما حاول أحد أن يزيلها من على الخارطة!

"قام دعاة الانحراف الفكري والقيمي للمجتمع العربي، بتدعيم منظومتهم عبر شغل المواطن بهمومه وأموره، ووضع أولويات مختلفة في حياته، تتعلق باللهاث خلف توفير التزاماته الحياتية، مما ألهاه عن التفكير في معالي الأمور"

ويتم ذلك من خلال عبارات "أمريكا تضمن أمن إسرائيل نوويًّا"، و"الغرب يدعم بقاء إسرائيل"، و"أين نحن من هؤلاء؟!"، وبدلاً من السعي للأخذ بالأسباب لتغيير هذا الواقع، وامتلاك أسباب القوة اللازمة لمواجهة قوى الاستكبار والظلم العالمي؛ يتم تدجين الشعوب، وقسرها على قبول الأمر الواقع والاستكانة له، وتيئيسهم من إمكانية التعامل معه.

والانحراف المعياري أمر مختلف تمامًا، وأكثر خطورة من الانحراف القيمي، فالأخير يعني أن الإنسان يرتكب الأمر السلبي أو الخطأ، وهو لم يزل بعد على إدراكه بأنه شيء سيء، ومخجل، ولا يجوز ارتكابه، أما الانحراف المعياري؛ فيعني تحويل الخطأ والخطيئة، إلى صواب، ويكون الأمر السلبي وإرادة السوء؛ هو الأساس الذي ينبني عليه تقييم الأمور، ووزن ما هو خير وشر، وبالتالي تحديد بوصلة التفكير والسلوك.

وهكذا، وبمقص من منطق قاصر؛ تحولت وجهة نظر الجيل الجديد والنشء، وفضلٍ من الأجيال القديمة التي سلمت نفسها للدولة الظالمة الفاسدة في عالمنا العربي والإسلامي، إلى اعتبار حماس والمقاومة هم العدو فاحذرهم، بينما "إسرائيل" هي الصديق الذي يحمي حدود الديار!!..

ولم يقف الأمر عند هذه الحدود؛ حيث إنه تم تدعيمه بمنظومة أخرى من القيم المعيارية غير السوية، ومن بينها شغل المواطن بهمومه وأموره، ووضع أولويات مختلفة تمامًا له في حياته، تتعلق باللهاث خلف توفير التزاماته الحياتية، والحصول على معايشه وأسرته، مما ألهاه تمامًا عن التفكير في معالي الأمور التي من المفترض أنه خُلِق لأجلها، وأنه صار من أمة التكليف لأجل تحقيقها.

وفي هذا مغالطة واضحة لقوانين ربانية مهمة، فالحاجات الأساسية للإنسان؛ إنما خلقها الله عز وجل من أجل أن تعين الإنسان على أداء مهامه الحقيقية من عظيم الأمور ومعاليها، ولكنها تحولت بفضل هذا النمط من التنشئة إلى هدف في حد ذاتها.

كما يشمل ذلك، شغل المواطن بأمور لا تتعلق بأية مصلحة عامة، ووضع الترفيّات والترفيهيات على رأس جدول أعمال الإعلام، لشغله، لن نقول عن الجهاد والدعوة لدين الله تعالى وتمكينه في أرضه؛ فهذا أمر صار ضَرَبًا من ضروب الخيال العلمي؛ وإنما حتى لشغله عن العبادة اليومية التي تحولت إلى مجرد عادة وحركات يأتيها المسلم في أوقات بعينها، فارغةً من مضمونها الأخلاقي والقيمي العميق الذي حمَّلها الله عز وجل بها.

"كان المردود الشعبي في الحرب على غزة غير مسبوق في سلبيته، حتى في مجتمعات كانت لوقت قريب من أهم الداعمين للقضية الفلسطينية كمصر والمغرب"

وكانت الحرب الأخيرة على قطاع غزة، اختبارًا مهمًّا لمدى نجاح هذه الاستراتيجية التي صار لها عقودًا تنخر في عقول وجسد الأمة؛ حيث كان المردود الشعبي غير مسبوق في سلبيته، حتى في مجتمعات كانت لوقت قريب، من أهم داعمي القضية الفلسطينية، مثل المجتمع المصري، والمجتمع المغربي، بل كان هذا الوضع قائمًا في الضفة الغربية المحتلة ذاتها!..

وهي كارثة بكل المقاييس في ظل وصول الحرب العالمية الثالثة على الأمة العربية والمسلمة، إلى أوجها، وباتت تستهدف حتى ما تبقى في ذاكرة الأمة وأبنائها، من قيم وأفكار تخص رسالتهم الحقيقية التي خلقهم الله تعالى لأجلها، بل ووجود وبقاء الأمة ذاته!..

إن تبديل هذه الأوضاع الباطلة، وتغيير تلك المفاهيم الخاطئة التي ترقى لمستوى الخطيئة، هي واجب الوقت أمام الدعاة والتربويين في الوقت الراهن، مهما كان من دون ذلك عقبات.

فلنقل لأولادنا من هم، وحقيقة رسالتهم في الحياة.. علموا أولادكم معنى المقاومة والجهاد.. علموهم معنى أن يكونوا مسلمين.. أن يكونوا من خير أمة، وأن يستعيدوا خير أمة.

إن هذا الأمر ضروري، ذلك حتى لا تضيع الحقيقة، وينال الاستعمار من أمتنا، وتحقق "إسرائيل" الاستقرار الذي تنشده في فلسطين المحتلة، وتخرج منها لتحقق مشروع "إسرائيل" الكبرى على أرض النيل والفرات!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …