الخرافة في عصرنا الحاضر .. واقع وصور (1-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » الخرافة في عصرنا الحاضر .. واقع وصور (1-2)
الوعي

بين الواقع والخيال يعيش مجموعةٌ من أفراد المجتمع، يغريهم كلُ غريبٍ خارجٍ عن المألوف، يتعلقون بأي معلومة قد تحقق رغباتهم، أو تُنفِّسُ عنهم خوفهم، فينْشُرونها بين الناس ويذيعونها، بل ويشغلون أنفسهم ليلاً ونهاراً بها حتى تسيطرُ على حياتهم وتؤثِّر على سلوكهم، فلا منهجَ علميَّ يحكمُهم، ولا عقلاً يرشدهم، فالاعتقاد أو الفكرة المبنية على مجرد تخيلات دون وجودِ سببٍ عقلي أو منطقي مبني على العلم والمعرفة يسمى "الخرافة"، فما أسبابُها؟ وما هي مظاهرُها؟ وما حكم الشرعِ فيها؟ وما السبيلُ لمحاربتِها وعلاجها في المجتمع؟

أسباب الخرافة:

لانتشار الخرافة في المجتمع أسباب مختلفة ومتنوعة، لكن أغلبها تعود للنّقاط التالية:

1- من أهم الأسباب التي تؤدي لانتشار الخرافة الجهل وقلة العلم في المجتمع.

2- محاولة بعض الحاقدين على الإسلام تشويه صورته، بإلصاق الخرافة بأحكامه وتعاليمه.

3- غلبة العاطفة الدينية عند بعض طلبة العلم الشرعي على المنهج العلمي الصحيح، وضعف التثبت من بعض المعلومات والحوادث التي تنسب للإسلام والمسلمين.

4- التمسك ببعض العادات والتقاليد الخاطئة من الزمن الماضي، بالإضافة للثقافة الاجتماعية والنفسية لأفراد المجتمع.

5- الاستثمار المالي والتكسّب المادي من بعض المنتفعين الذين يخلطون العرافة والشعوذة، بالرقية الشرعية والتداوي بكتاب الله تعالى.

منذ فجر الإسلام الأول حارب الإسلام الخرافة، ولا أدل على محاربة الإسلام للخرافة موقف الرسول -صلى الله عليه وسلّم- حينما كسفت الشمس في عهده وذلك في اليوم الذي مات فيه ابنه (إبراهيم) ظنَّ النَّاس أنَّ كسوف الشمس كان سبب موت (إبراهيم)، ووصل هذا التَّعليل إلى النَّبيِّ الكريم– صلى الله عليه وسلّم- فقال: "إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" [رواه البخاري ومسلم].
ونهى النبي– صلى الله عليه وسلّم- عن كل ما يتعلق بذلك مثل:الطَيَرَةِ والتولةِ والبومةِ والتميمةِ إلى غير ذلك، وتعامل مع الظواهر الطبيعية بمنهج علمي بعيد عن الخرافة.

ولكل عصرٍ خرافاته، فهي ليست مقصورة على عصر النبي- صلى الله عليه وسلم-، بل ظهرت في عصرنا الحاضر، وتعددت مظاهرُها وأشكالها، وهذه بعض أشكالها مع بيان موقف الشرع منها.

بعض مظاهر الخرافة وموقف الشرع منها

1- خرافة "المبالغة في ادعاء الحسد":

الحسد ثابت شرعاً في كتاب الله تعالى، وسنة النبي – صلى الله عليه وسلم-، فقد قال تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5]، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا" [متفق عليه].

ولكنّ المشكلة أنَّ مجموعة من المسلمين شغلوا أنفسهم بموضوع الحسد بشكل مبالغ فيه، كأنه وسواسٌ قهريٌ ملازمٌ لحركاتِهم وسكناتِهم، فالحسد والعين سبب كل مصيبة تقع عليهم أو حدث سيء يحدث لهم، وهو سبب فشلهم وتعثر دراستهم أو حياتهم الاجتماعية، وقد يصلُ بأحدهم الحال أن ينكر نعم الله عليه أمام الآخرين حتى لا يحسدوه عليها، ويلجأ البعض للانطواء والابتعاد عن الناس خوفا من ذلك أيضاً، بالإضافة لما قد يعتريه هذا السلوك من اتهام للآخرين بأنهم يحسدونه من غير بينة أو إثبات.

والنظرة الشرعية لحل هذه الظاهرة:
أمرنا الله إلى أن ندفع شر حسد الحاسد بالاستعاذة بالله سبحانه وتعالى، والتحصن بالأذكار الشرعية، وتذكير من أعجبته نعمةٌ بقول"ما شاء الله"، ثمّ بين بعد ذلك أنّ ما أصابنا ما كان ليخطئنا وما أخطأنا ما كان ليصيبنا، وأن النافع الضار هو الله تعالى، وعلى المسلم أن يتوكل على الله تعالى، وليحسن ظنّه بالمسلمين، ولنتذكر قوله سبحانه:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:51].

2- خرافة "المبالغة في تفسير الرؤى والأحلام":

وهنا لا أنكر الرؤى وتفسيرها، ولكن التعامل معها غريبٌ عجيبٌ من بعض المسلمين، فتراه يعيش في أحلامه، ففي كل يوم له رؤيا يفسرها ويبني حياته عليها، مع العلم أن أغلب ما يراه الإنسان في منامه "أضغاث أحلام"، وليس لها علاقة بالواقع، ولا يصح تعبيرها، ومما ساعد على انتشار هذه الخرافة، تصدر بعض المشايخ أو المعبرين للرؤى- شاشات الفضائيات، فيفتون الناس في رؤاهم كانت صدقاً أم كذباً، فلا ترى واحداً منهم يقول للناس"أضغاث أحلام"، بل باستطاعته تفسير كل شيء يسمعه وهذا من الخرافة.

وقد قال البغوي في شرح السنة:
"ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحاً ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل يأتيك به ملك الرؤيا ...، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها".

وأشد ما في هذا الموضوع من خطورة، قيام بعض الأشخاص بأعمال وتوقع أحداث اعتماداً على رؤى رآها بعضهم، كقيام خلافة أو إمارة إسلامية أو غير ذلك، وحدث مثل ذلك في غزة في مدينة رفح عام 2009م، حيث قام أحدهم بادعاء قيام إمارة إسلامية بسبب رؤيا رآها في منامه، وجمع الناس حوله وقتل مخالفيه، وهذا جهل وافتراء على المنطق والدين.

وقد قرر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: (أن شرط العمل بمُقتضى الرؤيا، أنْ لا تحرم حكما شرعيا، وأن تكون مُوافقة لظاهر الشريعة، وأما ما جاء من الرؤى، وفيه مخالفة للشريعة، أو لقاعدة من قواعد الشريعة، فهو: إما خيال، أو توهم، وإما أن يكون حلما من الشيطان، وهذا لا يصح اعتباره، لمعارضته لما هو ثابت مشروع).

3- خرافة "علاج المتلبس بالجن":
في مسألة التلبس خلاف بين علماء الشريعة، وليس هذا موضوعنا، لكن السؤال الملح من أين جاء المعالجون للتلَّبس بهذه الطُّرق والوسائل في العلاج؟ فعلاج مسألة التلبس أو المس تتم بطريقة خرافية، وقد أثبتت الدراسات أن موضوع استخراج "الأرواح الشريرة" مأخوذ من بعض الملاحدة والوثنيين قديماً، فلا علاقة لأحكام الإسلام بهذه الأفعال لا من قريب ولا من بعيد، ولم يرد كل ذلك عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ولا السلف الصالح، فيُضرب المريض ضرباً مبرحاً، ويعذب بشتى الطرق بحجة استخراج الجنيِّ منه، ووصل الأمر بأحدهم استخدام الكهرباء مما أدى إلى وفاة المريض، بالإضافة للحيلة التي يستخدمها بعض المعالجين للتكسب المادي، حيث يستخدم بعض أنواع التنويم المغناطيسي، مقنعاً المريض بأنه مُتَلَبَّس.

ولقد أثبت العلم أنّ كثيراً من هذه الحالات مرضٌ نفسيٌ مصنفٌ طبياً، وله علاج خاصٌ به، وأدى هذا التصرف الخرافي في كثير من حالاته لازدياد حالة المريض سوءاً.

وختاماً... لا تقتصر الخرافة على هذا الصور السابقة في عصرنا، بل هي كثيرة ومتنوعة، لكن الجامع بينها مخالفة العقل والمنطق، وجنوحها للغرابة والخيال، وعلى العلماء والدعاة دورٌ كبيرٌ في محاربة هذه الظاهرة في مجتمعاتنا، وتبيين الحق للناس، فلن ينهض مجتمع مليءٌ بالخرافات والأوهام.

 

لقراءة الجزء الثاني من المقال ..اضغط هنا

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

كيف نربي طفلاً قارئاً؟

لا شك في أن مستقبل أية أمة مرهون بواقع أولادها، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن …