د. شكري: فهم القرآن وتطبيق سننه.. مفتاح الانتصار والتحرير

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. شكري: فهم القرآن وتطبيق سننه.. مفتاح الانتصار والتحرير
أحمد شكري

واقع الأمة المنغمس بالهوان والذل وبحار الدماء بات يؤرق الحليم ويدعه في حيرة لا نهاية لها! لماذا تكبلنا المصائب من كل جانب؟ أولسنا المسلمون وأتباع الحق؟ تساؤل يدور دون توقف في عقول كثيرين، وهل أمامنا بارقة أمل لعودة سنين المجد التي صنعها الأجداد والعباد !
كيف نتغير للأفضل؟ ونبعد عن ظهورنا سوط الجلاد وقسوة قبضته ؟!

موقع بصائر استضاف الأستاذ الدكتور أحمد شكري أستاذ التفسير في الجامعة الأردنية و نائب رئيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم ليحدثنا حول سبل التغيير الكونية .. فإلى الحوار :

بصائر: ما هي الأسباب التي تحرمنا من أن يغير الله ما يقع علينا كأمة إسلامية من ظلم وقتل وهوان؟ وما الذي يجب أن يتغير ليتوافق مع سنن النصر الكونية؟

د. شكري: الحقيقة أن التغيير بالنسبة للإنسان يبدأ من الذات، إذ إن الإنسان هو سيد ما يتعلق بنفسه وما يصدر عنه من سلوك وما يحصل حوله من أحداث، ومتى استجاب الإنسان والمسلم تحديداً لأمر الله تعالى بطاعته وامتثال أمره ولو بالأخذ بالأسباب المادية أو بالرقي نال تأييد الله؛ فأمام العباد طريقين؛ الطريق الأول: هو طريق أهل الإيمان، فأهل الإيمان لهم ميزان يختلف عن الميزان الذي يعامل به الآخرون، فإذا سلكوا في الطريق الذي يؤدي إلى رضوان الله تعالى وإلى الاستجابة لأمره يمدهم الله بمدد من عنده متمثلا في إعانتهم على التغيير للأفضل والوصول بهم إلى موقع أفضل بين البشرية، هذا بالنسبة للمسلمين.

" التغيير بالنسبة للإنسان يبدأ من الذات، إذ إن الإنسان هو سيد ما يتعلق بنفسه وما يصدر عنه من سلوك وما يحصل حوله من أحداث"

أما غير المسلمين وبما أن ميزات الطريق الأول لا تنطبق عليهم إذ إن غير المؤمن ليس له دافع عقدي في أن يعمل صالحاً من أجل أن يمده الله؛ لكنه يأخذ بأسباب التقدم والرفعة والازدهار والتفوق على الآخرين من حيث مجالات العدل والإنسانية الإيجابية في حياة الانسان، وهو بهذا الفعل يعطيه الله عز وجل ميراث الأرض وذلك مصداقا لقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف:96].

وهذا خاص بالمؤمنين أما لغير المؤمنين فنستلهم من الآيات؛ "فاتبع سبباً * ثم أتبع سببا" والمقصد أن من يأخذ بالأسباب يصل إلى نتائج؛ فمثلا: بعض الشعوب وبعض الدول "كاليابان" وغيرها من الدول المتقدمة جدا أخذت بالأسباب التي أوصلتها لهذا المكان، سواء كانت أسباباً مادية أو علمية وغيرها ولذلك ارتفعت.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يمنعنا نحن المسلمين من أن نتغير، ونصبح في المكانة الأعلى والأحسن والأفضل؟ إنه كسلنا في الأخذ بالأسباب التي تقومنا إلى ذلك، ومن هنا الإنسان المؤمن مأمور ومطلوب منه الاستجابة لأمر الله تعالى والالتزام به على المستوى الفردي والجماعي عندها يمكن أن تحصل الاستجابة من الله تعالى إما فوراً وإما لاحقاً، وأحيانا قد تكون هناك معوقات تمنع من أن يستجيب الله عز وجل للمؤمن إلا أن الانصياع التام والتمسك بحبل الله من شأنه تمحيص المؤمن وتحقق التغيير الذي يسعى له.

بصائر: تقول الآية الكريمة: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} هل لنا أن نستدل على أحداث سابقة لقوم فهموا مقصد الآية وحققوها؟

" حينما فهم الصحابة أن التغيير يعتمد على النفس بداية، غيروا الواقع، وانتشرت الفتوحات والعدل والأمن وصلح المجتمع"

د. شكري: التاريخ الإسلامي فيه المد والجزر وفيه الابتلاء والعطاء؛ ففي عصر الصحابة الأول مثلاً فهموا الآية وغيروا الواقع فانتشرت الفتوحات والعدل والأمن والأمان وصلح المجتمع، وتحقق حديث النبي صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد" والمقصود أن من عدالة تلك الأزمنة كانت المرأة تقطع مسافة آلاف الكيلو مترات لا تخشى إلا الله، وقد تحقق هذا في بعض سنين ازدهار الخلافة الإسلامية كالأموية والعباسية والعثمانية، وكان هناك تفوق وتقدم علمي وحضاري وثقافي وآلي، إلى جانب انتشار القيم الاسلامية ومحبة الخير للغير وفيضان بيت المال، تمتعت الأمة الاسلامية برفاهية وعطاء إلهي، لأن بقاء الحال من المحال، ولا يمكن لأحد أن يظل على حاله لأن حركة الإنسان والحياة كحركة الكرة أحياناً تعلو وأحيانا تهبط، وهذا ما يحصل مع الناس، وبالتالي لاحظنا قروناً ماضية وسنوات سلفت أن هذه الأمة كلما قعدت عن منهج الله ضعفت واحتلت وعرضت للتفرق والشتات.

بصائر: كيف يجب للمسلم أن يقرأ العدوان الصهيوني على قطاع غزة؟

د. شكري: ما حدث في غزة ليس جديداً، إنه الصراع الذي بدأ مع مطلع القرن الماضي وبمجرد دخول أول جندي بريطاني إلى الأراضي الفلسطينية، ولم ينسحبوا حتى سلموا زمام المعركة لليهود واستمرت المعاناة التي زامنت مرور الأمة آنذاك بفترة من الوهن مكنت الأعداء من أن يمتهنوا أفرادها ويكيلوا لهم الإهانات.

" العدوان على غزة في ظاهره ابتلاء لكنه يحمل ثمرات عديدة لذا نحن الآن في زمن الانتصارات. فالنصف الأول من فترة احتلالنا كان هزائم متتالية، لكننا نعيش اليوم زمن الانتصارات وباذن الله مرحلة الاحتلال ستنتهي"

استمر الابتلاء إلى أن سقطت جميع المدن الفلسطينية وبعض الحدود العربية في يد الاحتلال الصهيوني عقب حرب الأيام الستة وانهزم العرب، لكن مع بدء الصحوة تغيرت المعادلة في الثمانينات عندما صارت هناك انتفاضة ومقاومة بسيطة تطورت في انتفاضة الاقصى ثم في الحروب التي خاضتها المقاومة مع اليهود وكانت آخرها معركة العصف المأكول، حيث فاجأت غزة أعداءها وأصدقاءها باستعداداتها وصناعاتها الذاتية من الصواريخ وطائرات الاستطلاع وأسلحة القنص وحتى استعدادات الأفراد والجنود، ومن هنا ومع ما في غزة من ضيق وحصار اقتصادي وتضييق عربي وصهيوني وعالمي لكنها مع ذلك صمدت طيلة خمسين يوماً من الحرب المريرة، العدوان في ظاهره ابتلاء لكنه يحمل ثمرات عديدة فالصمود الأسطوري في الحروب الأخيرة وتمريغ أنف الاحتلال على عكس ما جرى من هزيمة في حرب الأيام الستة التي خاضها العرب واسقطوا فيها الضفة وغزة وسيناء، نحن الآن في زمن الانتصارات، النصف الأول من فترة احتلالنا كان هزائم، لكننا نعيش اليوم زمن الانتصارات وباذن الله مرحلة الاحتلال ستنتهي.

بصائر: مفهوم الإعداد الذي أمر الله تعالى به يشمل جميع المسلمين وهو فرض عين، كيف يكون هذا الإعداد لمن هم خارج نطاق العدوان؟

"على أهل الرباط ومن يقطنون في مناطق الحوار، أن يعدوا بقدر استطاعتهم، فهذا بعقله وهذا بايمانه وهذا بماله وهذا بدعائه وهذا بشعوره وهذا أقل الواجب"

د. شكري: الإعداد درجات، ونحن نخضع لدوائر؛ الدائرة الأولى هي الإعداد العسكري لمن هم في الميدان، والإعداد الجهادي بما استطاعوا وبذل الإنسان أقصى طاقة لديه في فعل ذلك. أما الدائرة الثانية فهي نحن أهل الرباط ومن يقطنون في مناطق الجوار؛ علينا أن نعد بقدر استطاعتنا من خلال الدعاء والفكر والمال والتنور بما يحيط حولنا بقدر استطاعتنا، فالمطلوب من الجميع أن يقدم بقدر ما يستطيع؛ فهذا بعقله وهذا بايمانه وهذا بماله وهذا بدعائه وهذا بشعوره وهذا أقل الواجب.
ومن المؤسف أن نرى أحياناً بعض الإعلاميين والمحسوبين على الفئات المثقفة يطالبون بتحييد القضية الفلسطينية ويعتبرونها شؤوناً تخص من هم في تلك الساحة ولتذهب غزة الى الجحيم! مثل هذه العبارات المستهجنة وللأسف تخرج ممن يتكلمون بلغة القرآن ويتسمون بأسماء المسلمين! لكن المذهل في جانب آخر تضامن فريد لأحرار العالم والمسلمين من دول بعيدة يجتمعون على كلمة قلوبنا وأرواحنا مع إخواننا في غزة؛ ويقدمون كل ما بوسعهم في سبيل المساندة والدعم!

بصائر: كيف يُفعّل المسلم القرآن الكريم ليصل للفهم الإسلامي الحق والإعداد السليم كما فهمه المجاهدون في فلسطين؟

د. شكري :يتطلب هذا الأمر من المسلم أن يقرأ القرآن الكريم بفهم، ثم أن يتحرك وفق ما تمليه عليه الآيات التي فهمها فهماً سليماً صحيحاً، فنحن لا نريد مجرد قارئ، واعتقد أن الفهم السليم للقرآن الكريم وتطبيقه كما يريد الله منا يعد مسلما مستعدا متفهما مهتما بشؤون المسلمين في كل مكان، هذا ما يفعله إخواننا المجاهدون في فلسطين ليصلوا للرفعة التي يتطلعون اليها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

دروس وعبر من معركة “العصف المأكول” في ذكراها السادسة

ستة أعوام مرّت على معركة "العصف المأكول" التي بدأت في السابع من تموز/ يوليو من …