هل انتصرت المقاومة حقاً؟

الرئيسية » حصاد الفكر » هل انتصرت المقاومة حقاً؟
crop,488x320,mixmedia-09011407Vp7L3

منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها وقف إطلاق النار في غزة، والسؤال الذي يطرح نفسه ويطرحه المحللون والمراقبون إضافة إلى أبناء الشعب الفلسطيني – على اختلاف الدوافع والنيات – هو هل انتصرت المقاومة الفلسطينية فعلاً في معركة "العصف المأكول" كما ادعت، وما هي أبرز معالم هذا النصر؟

والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال الكبير من الصعوبة بمكان، لكننا قد ندعي إمكانية تلمس خيوط الإجابة بين طيات الأحداث وتفاصيلها. ذلك أن نتائج أي معركة تتمظهر في التطورات الميدانية (عسكرياً) والاتفاقات الموقعة (سياسياً) وانعكاسات تلك المعركة على المستقبل (استيراتيجياً)، وهذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه سريعاً. بيد أنه من الواجب استباق هذا التقييم بملحوظتين في غاية الأهمية:

الأولى، أن ندرك حدود مصطلحات النصر والهزيمة والصمود في ظل ميزان القوى وحقائق الميدان، والتأكيد على بديهية تفوق العدو على المقاومة في العدد والعدة والسلاح والتكنولوجيا والدعم الإقليمي والدولي، بينما تحاول المقاومة تكثيف خسائره والصمود بوجهه وإفشال مخططاته وتفويت الفرصة عليه من خلال حرب العصابات وبأسلحة شبه بدائية.

الثانية، أن النتائج الحقيقية لأي حرب لا تتضح قبل مرور فترة كافية من الزمن لرؤية تأثير تلك الحرب على طرفي المعادلة وعلى صيرورة الصراع ككل، ولذلك فما زال من المبكر جداً الحديث عن نتائج ملموسة وواضحة للحرب الأخيرة، ولا يجب القطع بالنتائج وفق الاتفاق الموقع فقط.

عسكرياً:

لا يختلف اثنان على أن المقاومة الفلسطينية أظهرت أداءً مختلفاً في هذه الحرب، فاجأ الأصدقاء قبل الأعداء، بل قد لا نبالغ إن قلنا أن المستوى الذي بلغته – إعداداً وتخطيطاً وتنفيذاً – قد فاجأ قسماً لا بأس به من قيادتها السياسية.

فقد قدمت لنا المقاومة – خصوصاً كتائب القسام – خلال هذه الحرب صورة شبه نموذجية من الجاهزية والتخطيط المحكم القائم على المعطيات والأرقام وخطط الإعداد المتنوعة، تبلورت في عمليات ميدانية متميزة، وتعدتها إلى أداء إعلامي تفوق على العدو.

ولئن كان المقام لا يتسع لذكر كل إنجازات المقاومة العسكرية، التي ستبقى محفورة في ذاكرة الشعب والزمان، إلا أنه يمكننا إيجاز أهم هذه الإنجازات بالتالي:

1- الصواريخ التي وصلت تقريباً لكل مناطق فلسطين المحتلة.

2- الصواريخ الجديدة التي دخلت الميدان، واتضح أنها صناعة محلية.

3- طائرة الاستطلاع التي دخلت أجواء "تل أبيب" وحلقت فوق المؤسسات العسكرية الصهيونية.

4- بندقية القنص "غول" محلية الصنع.

5- عملية زيكيم البحرية المتميزة.

6- عملية ناحل عوز المتميزة، والتي شكل تصويرها ونشرها على وسائل الإعلام صدمة كبيرة للمؤسسة العسكرية الصهيونية.

7- أسر الجنود، ولا نقول أسر الجندي شاؤول، إذ ما زلنا نجهل ما لدى المقاومة من جنود وأشلاء.

8- نقل المعركة إلى ساحة العدو، بعد أن كانت المعارك فقط في قطاع غزة.

9- الانضباطية العالية في الميدان، ووحدة الموقف والتوقيت، وتبادل الأدوار حين لزم.

10- قصف "تل أبيب" في سياق التحدي، مع ما رافق ذلك من إثبات فشل القبة الحديدية، وإذلال القيادة الصهيونية، وكسر حاجز التعتيم الإعلامي.

سياسياً:

على عكس الأداء الميداني - العسكري، يتأثر الأداء السياسي - التفاوضي بعوامل خارجية غير ذاتية، على رأسها الجار المصري والموقف الإقليمي والهمجية الصهيونية والغطاء الدولي، ويصار فيه إلى حلول وسط لا ترضي طموح السقف العالي للأداء الميداني للمقاومة والصمود الشامخ للشعب.

" أثبتت المقاومة أنها تستحق الاستثمار وأنها تعمل ليل نهار لإنجاز مشروعها رغم العوائق الداخلية والخارجية، وبالتالي يجدر بمن لم يعجبه سقف الاتفاق السياسي الذي تم أن يقدموا للمقاومة كل أشكال الدعم، المادية والمعنوية والإعلامية"

ولعله من المفيد هنا مقارنة ما تم في حرب حجارة السجيل (2012 - 2013) سياسياً رغم أداء المقاومة الميداني الذي لم يرق حينها لما قدمته اليوم. فقد رأينا رئيس وزراء مصر في عهد مرسي في القطاع منذ أيام العدوان الأولى الأمر الذي أحرج الكثيرين ودفع بعدد من السياسيين البارزين للقيام بنفس الأمر، وقدم النظام المصري حينها دعماً سياسياً للمقاومة أوصلها لاتفاق إطلاق نار تضمن معظم شروطها، ثم شاهدنا مؤتمر المقاومة الصحافي (مشعل-شلح) من قلب القاهرة، كما استطاعت كل من تركيا وقطر الاتكاء على الموقف المصري الإيجابي فقدمتا ما لم تستطيعا تقديمه اليوم في ظل حقائق الجغرافيا السياسية.

أما اليوم، فلم نعد نتكلم عن الصمت والخذلان فضلاً عن الدعم والإسناد، فقد زخرت الصحافة العبرية بأخبار تشكيل حلف إقليمي (صهيوني - عربي) في مواجهة المقاومة الفلسطينية لحرمانها من أي إنجاز سياسي يرفع من أسهمها، فكان إعلان المبادرة المصرية دون التشاور معها، والإصرار عليها، وإغلاق معبر رفح، وتقريع المقاومة وتحميلها مسؤولية الدماء المسالة ضمناً، إلى غيرها من الإجراءات العدائية.

ولذلك فلم تكن معركة المقاومة على طاولة المفاوضات في القاهرة أيسر من معركتها الميدانية ضد جيش الاحتلال، وكان عليها المزاوجة والتشبيك بين أداء المقاومة ودعم الشعب من جهة، وبين تخطي الاحتلال حدود الهمجية في العدوان وهذه المنظومة الإقليمية المعادية من جهة أخرى.

وعليه، فلم يكن متوقعاً أن تحصل المقاومة على كل ما طالبت به ولا جميع ما استحقته المقاومة الميدانية وحاضنتها الشعبية الصامدة، لكنها أيضاً لم تفرط في مطالب الشعب تماماً، فكانت هناك إشارات إيجابية وأخرى سلبية فيما تم التوقيع عليه، يمكن تلخيصها بما يلي:

1- تم تثبيت النظام المصري وسيطاً وحيداً والاكتفاء بما قدمه من مبادرة، وإعطاء السلطة/عباس إمكانية الحديث باسم المقاومة أحياناً، في إطار ضرورات الجيوبوليتيك.

2- تم تأجيل الحديث عن الميناء والمطار والأسرى، وهي المطالب الرئيسة الحقيقية للمقاومة والشعب، لما بعد تثبيت التهدئة.

3- لكن، من ناحية أخرى، فقد طرأت تغييرات كبيرة وجوهرية على المبادرة المصرية، ابتداءً من التفاوض دون وقف إطلاق النار، ومروراً بتفاصيل وقف العدوان ومدى الصيد البحري، وانتهاءً بسحب فكرة وضع سلاح المقاومة على طاولة المفاوضات من الأساس.

4- اضطرت قيادة المقاومة للتعامل مع الوسيط المصري غير النزيه بل وامتداح دوره أحياناً، والصمت عن كثير من كواليس المفاوضات في القاهرة، وتجنب إغضاب قوى عربية واضحة العداء للمقاومة في موقفها الحالي.

5- انتزعت المقاومة موافقة مبدئية على موضوعي الميناء والمطار، باعتبار أنهما ستناقشان بعد شهر من توقيع الاتفاق (يبدو الميناء أكثر واقعية من مشروع المطار الحالم في المرحلة الحالية)، وهذا إنجاز غير مسبوق قد يتيح للمقاومة مستقبلاً كسر الحصار بطريقة تخلص الفلسطينيين نهائياً من لعنة الجغرافيا وتسلط معبر رفح. وهنا، لا يجب إغفال ما تملكه المقاومة من أوراق قوة تعتبر هي الضامن الحقيقي للاتفاق وعلى رأسها الجندي (أو أكثر) الأسير، لكن أيضاً لا يجب توقع تحقيق هذا المطلب الكبير بسرعة وسهولة عبر مفاوضات عادية.

6- لا يجب نسيان أن الاتفاق يعبر عن الكل الفلسطيني كفصائل وليس عن حماس وحدها أو حماس والجهاد فقط، وأنه كانت هناك محاولات فلسطينية داخلية للالتفاف على موقف حماس وتحميلها مسؤولية استمرار العدوان، في تساوق وتزامن مع قصف جيش الاحتلال للأبراج السكنية العالية، وبالتالي فمن البديهي أن يخرج الاتفاق، والحال كذلك، أوطأ من سقف المقاومة.

استراتيجيا:

بيد أن أهم نتائج الحرب هي انعكاساتها الاستيراتيجية على مستقبل الصراع، وتأثيراتها المحتملة على كل الأطراف، ومدى تحقيق كل طرف لما وضعه لنفسه من أهداف قريبة وبعيدة المدى من هذه الحرب. كما يجدر بنا التذكير أن هذه النتائج لا يمكن التنبؤ بها بشكل دقيق في الفترة الحالية حيث سيحكمها الوقت والأداء الميداني إضافة إلى عوامل أخرى عديدة.

غير أن هناك متغيرات استيراتيجية تبلورت في هذه الحرب لا يمكن تجاوزها، و منها:

1- تدمير هيبة جيش الاحتلال، ومحو أسطورة الجيش الذي لا يقهر.

2- الالتفاف الشعبي العارم حول خيار المقاومة، الذي اضطر بعض السياسيين المختلفين معها لركوب نفس الموجة، وإن ظاهرياً ومؤقتاً.

3- إثبات نجاعة خيار المقاومة وانصياع العدو للغة القوة، نقيضاً لمسار التفاوض السياسي الذي لم يأت للشعب الفلسطيني بأي نتائج ملموسة بعد عشرات السنين.

4- تثبيت المقاومة كلاعب رئيسي له وزنه وحسابه في المعادلة الإقليمية، وفشل خيار اجتثاثه في هذا العدوان.

5- نقل المقاومة أداءها من الدفاع إلى الهجوم.

6- المحاولات الواضحة للاكتفاء الذاتي قدر الإمكان في موضوع التسلح، وما له من تأثيرات استيراتيجية على مسار المقاومة، في ظل حصارها والتربص بها.

7- إفلاس بنك الأهداف الصهيوني، الأمر الذي دفع الاحتلال لخوض "حرب عمياء"، لم تستطع الإثخان في المقاومة رغم إجرامها بالمدنيين.

8- فشل خيار الحرب البرية واتضاح فاتورتها الباهظة على جيش الاحتلال، الأمر الذي يضيق خيارات الأخير في أي حرب قادمة.

9- اتجاه جيش الاحتلال للتدمير الكبير والقتل الجماعي لتضخيم فاتورة الحرب البشرية، لإرهاب المقاومة وتخويفها من أي حرب قادمة، في سيناريو مشابه لحرب 2006 في لبنان.

وباختصار، فليس من الموضوعية تقييم هذه الحرب بمعزل عن سياقها وتوقيتها ودلالاتها في إطار الصراع ككل، بل الأدق اعتبارها مرحلة من مراحله ومحطة تبني على ما سبق ويبنى عليها ما سيلحق.

ولذلك، فليس من المجدي كثيراً جلد الذات أو التشكيك بأداء قيادة المقاومة السياسية رغم ما شاب أداءها من بعض القصور، ورغم ما اضطرت إليه من كتم لما جرى في ماراثون القاهرة. ففي النهاية أثبتت هذه المقاومة أنها تستحق الاستثمار وأنها تعمل ليل نهار لإنجاز مشروعها رغم العوائق الداخلية والخارجية، وبالتالي يجدر بمن لم يعجبه سقف الاتفاق السياسي الذي تم (وهم كثر، بل الأغلبية) أن يقدموا للمقاومة كل أشكال الدعم، المادية والمعنوية والإعلامية (مع عدم إهمال النقد والمتابعة)، بل والعمل على تغيير المعادلات المحلية والإقليمية المكبلة لها والتي حالت – إلى جانب العدو – دون تحقيقها سقفاً أعلى مما تم.

لقد سكتت المدافع ربما، لكن الحرب مستمرة بأشكال أخرى، منها التشويه الإعلامي، ومنها محاولة البعض العودة لمعزوفة المصالح الضيقة والبعد عن مصالح الشعب، وربما يكون منها العودة للميدان قريباًَ، لكن بالتأكيد منها وعلى رأسها دراسة الحرب الأخيرة والاستمرار في مراكمة عناصر القوة – من الطرفين – استعداداً للجولة المقبلة، التي يجب أن يكون للجميع فيها دور، ودور بارز أيضاً. ذلك أن المقاومة ليست عدة أشخاص أو إنجاز مجموعة، ولكنها منظومة متكاملة ومشروع أمة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الهوية الوطنية ركن من أركان الدولة الحديثة المسلمة

عن معنى الهوية: يمكننا تناول الهوية من مقاربات وقراءات شتى فنخرج بتعريفات شتى لها قد …