الهجرة ومنهج الواقعية والمرونة

الرئيسية » خواطر تربوية » الهجرة ومنهج الواقعية والمرونة
الهجرة من مكة

قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} [سورة التوبة].

وَقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" (رواه أحمد).

لقد شكلت الهجرة النبوية منعطفاً تاريخياً حاداً؛ إذ خرج المسلمون مهاجرين من ديارهم لاجئين إلى أرض جديدة وتركيبة اجتماعية غريبة، لكن ذلك لم يكن أمراً غريباً على سنة الله في التغيير، وسنته في الابتلاء والاستبدال، فهذه حال الدعاة والمصلحين عبر التاريخ.

قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)} [سورة إبراهيم].

إن الهجرة النبوية بمعطياتها التاريخية وتفاصيلها الميدانية، تصب في قضيتين أساسيتين:

أولاً: واقعية الدين الإسلامي:

"من الأمثلة على واقعية الدين، إمكانية التخلي عن الأرض التي وقف أهلها في وجه الفكرة، بالرغم أن مكة المكرمة هي أحب البلاد إلى الله ورسوله"

وقد ظهر ذلك جلياً في بقاء إمكانية التخلي عن الأرض التي وقف أهلها في وجه الفكرة، وبالرغم من أن مكة المكرمة هي أحبُّ البلاد إلى الله ورسوله، إلا أنه وفي لحظة تاريخية حاسمة تم التخلي عن هذه الأرض كخيار استراتيجي يقام فيه المجتمع الحضاري الحر.

كما أن الإسلام بوصفه دعوة عامة وفكرة شاملة، فإنه لم يقيد نفسه بأرض أو إقليم، إنما سعى دائماً في تحرير الإنسان كل الإنسان في الأرض كل الأرض من عبودية البشر والحجر إلى عبادة الله رب العالمين. فلا حاجة لأرض تقف في وجه الدعوة، ولا حاجة لإنسان يحارب الفكرة.

ثانياً: المرونة والحركية في الدين الإسلامي:

فلا بد لأية فكرة تريد أن تنجح وتسود من الاستمرار في طرح الحلول وإيجاد البدائل، وبالعودة إلى المثال السابق، يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُخرج العودة إلى مكة المكرمة وتحريرَها من حساباته، بل إنه كما خرج منها عندما اقتضت الضرورة، فإنه عاد إليها فاتحاً ومحرراً بمجرد تغيّر موازين القُوى لصالح المسلمين.

"الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُخرج العودة إلى مكة المكرمة وتحريرَها من حساباته، بل إنه كما خرج منها عندما اقتضت الضرورة، فإنه عاد إليها فاتحاً ومحرراً بمجرد تغيّر موازين القُوى لصالح المسلمين"

من خلال إدراك الواقعية والمرونة في الدين الإسلامي، يتبين لنا مدى حاجتنا اليوم إلى العودة إلى قراءة القرآن الكريم، ومحاولة فهمه فهماً واعياً من خلال متابعة أحداث السيرة النبوية والخلافة الراشدة، وهذه مهمة ضرورية إذا أردنا التعامل مع الواقع المتغير بمرونة.

ومن خلال مثال واحد سنجد أن الواقعية والمرونة ليست نظرية مجردة، إنما هي منهجية محددة في التعامل مع الأحداث، وبالمثال يتضح المقال:
روى البخاري ومسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ –رضي الله عنه- "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ".
ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قسم الأرض المفتوحة بين المجاهدين، فتحسنت أوضاعهم وتغيرت أحوالهم.

ومع التأسيس الفعلي للدولة في عهد عمر بن الخطاب، والانتصار التاريخي في معركة القادسية، دخلت الجزيرة الفراتية في حوزة المسلمين، وهي أرض السواد الخصبة التي تقع بين نهري دجلة والفرات في العراق.
وكان المتوقع أن يتم تقسيم هذه الأرض العظيمة بين المجاهدين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر.

لكن عمر بن الخطاب نظر في الأمر من ناحية أخرى؛ فقد واجهته ثلاث مشاكل محددة، تمثلت في حرمان غير المجاهدين من الانتفاع بخير هذه الأرض، وحرمان أجيال المسلمين القادمة من غير أبناء المجاهدين، كما أن مصير العاملين في هذه الأرض أصبح مهدداً.

وبنظرته الاستراتيجية، توقع عمر بن الخطاب قعودَ المجاهدين عن القتال بسبب انشغالهم بأراضيهم وأملاكهم الجديدة، وتوقع ظهور طبقة برجوازية جديدة ستثقل كاهل المجتمع، كما توقع ثورة جياع عارمة في حال طرد المزارعين العاملين في هذه الأرض من أعمالهم.

فقرر بكل حزم وجرأة أن تبقى هذه الأرض في حوزة الدولة الإسلامية، وأن يُعوَّض المجاهدون، وأن يقسم خراجها بين الناس بالعدل، كما اتفق مع المزارعين العاملين في الأرض على تقاسم خراجها مع بقائهم فيها، فرضي المسلمون بذلك، ودخل المزارعون المجوسُ في دين الله أفواجاً.

كما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عبد الله بن أبيّ زعيمِ المنافقين في سبيل تحقيق المصلحة العامة، وكذلك لم يهدم الكعبة ليعيدها على قواعد إبراهيم عليه السلام في سبيل تحقيق المصلحة العامة، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وهذا كله يؤصل لأمر مهم، وهو أهمية النظر إلى المآل والنتيجة للعمل، قال الشاطبي في الموافقات: (النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة).

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الهجرة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتب من الأردن

    شاهد أيضاً

    الضعف البشري بين التقبل والرفض

    الإنسان مخلوق أودع الله به ما من الطبائع والغرائز ما يشده إلى طينيته التي هي …