توحيد الصف الإسلامي .. واجب وضرورة وقتية

الرئيسية » بصائر الفكر » توحيد الصف الإسلامي .. واجب وضرورة وقتية
وحدة المسلمين.jpg19

يقول رب العزة سبحانه، في سورة "الأنفال"، مخاطبًا جماعة المسلمين: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)}. ويقول كذلك في سُورة "آلِ عمران": {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)}.

وفي ذات الهَدْي، قال الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، في حَجَّةِ الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يَضْرِبُ بعضُكم رِقابَ بعض" [متفقٌ عليه]، ويقول "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" كذلك في نفس التوجيه الكريم: "ليس منَّا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية" [صحيح/ أخرجه أبو داوود].

وفي هذه النصوص، وفي غيرها، رسالة شديدة الأهمية، تحولت إلى قضية العصر في وقتنا الراهن، وهي قضية توحيد الصف المسلم.

"المرض الرئيسي الذي ينخر في جسد الأمة، هو مرض التفرق وضياع الصف، ونفي الآخر والتكفير، بل والاقتتال الذي يصل إلى حد الإبادة"

فالمطلع على الأوضاع الراهنة للأمة؛ سيجد أن المرض الرئيسي لها، والذي ينخر في جسدها كالسرطان أو الطاعون القاتل، هو مرض التفرُّق وضياع الصف، والذي وصل إلى أسوأ الصور الممكنة، وهي نفي الآخر والتكفير، بل والاقتتال، الذي يصل إلى حد الإبادة، على النحو الذي نجده الآن في بلاد الرافدين وبلاد الشام، وفي مناطق شتى من عالمنا العربي والإسلامي.

ولقد وصل الحال من فرقة المسلمين، إلى حدِّ استعانة بعضهم بالخارج الأجنبي، من قوى الاستكبار والظلم العالمي، ضد بعضهم الآخر، وباتت طائرات وصواريخ ومدافع الغرب، وسيلة بعض المسلمين لقتال وقتل بعضهم الآخر!

هذا المشهد هو أحد قوانين العمران التي وضعها الله عز وجل في خلقه؛ حيث تكرر في مراحل معينة من تاريخ الأمة، تلك المراحل التي بلغت فيها مراحل بعينها من الضعف والتراجع الحضاري، بسبب ابتعاد الأمة عن أسباب خيريتها وعظمتها، وعلى رأسها الدين بمعناه الحقيقي بجوانبه الحركية، وجوهره الأخلاقي والقيمي العميق.

حدث ذلك خلال فترة الحروب الصليبية، وفترات الغزو المغولي للمشرق العربي الإسلامي، وكذلك في الأندلس؛ حيث تحالف ملوك الطوائف في كل مكان من هذه الأماكن، من طلاب السلطة والمُلك العضوض، وأتباع العصبيات، وأصحاب الدعوات والنبوات الزائفة، مع أعداء الأمة، وسلموا لها المقدسات، كما حدث في القدس مرتَيْن، في وقت الحروب الصليبية، وفي مساجد ومصليات الأندلس، خلال الحرب مع فرنسا وممالك أوروبا المختلفة، حتى سقطت.

ومن بين أهم الملاحظات التي يمكن الخروج بها من هذه الحالات، أنه لابد من عاملٍ داخلي لحدوث هذه الحالة من الافتراق الإسلامي، والذي يصل إلى مستوى الاقتتال.

فعلى الرغم من أن تفرقة الصف الإسلامي، وشرذمة الأمة، أحد أهم مستهدفات أعدائها؛ إلا أن القوى العالمية التي تكالبت على الأمة أكثر من مرة عبر تاريخها، لم تستطع إزالة دولة الإسلام، إلا من خلال عاملَيْن؛ الأول هو افتراق الأمة عن دينها، وبالتالي، وصولها إلى مرحلة من الضعف والتراجع الحضاري، التي تُغري بها أعداءها.

"من عوامل ضعف الأمة، وإزالة الدولة الإسلامية، ظهور ملوك الطوائف ومن نحا نحوهم بين ظهرانيي الأمة، ممن قدموا مصالحهم الخاصة على مصالح الأمة وتماسك بنيانها"

أما العامل الثاني، وهو نابع أيضًا من عوامل التراجع الحضاري، فهو ظهور ملوك الطوائف ومن نحا نحوهم بين ظهرانيي الأمة، ممن قدموا مصالحهم الخاصة على مصالح الأمة وتماسك بنيانها.

ولم يكن ملوك الطوائف وأصحاب المصالح والعصبيات هؤلاء ليظهروا، لولا عدد من الأمور، أولها إغراءات قوى الاستعمار وأعداء الأمة لهم، بالمزيد من الجاه والسلطان والمكتسبات، لهم ولذرياتهم من بعدهم، فغالبيتهم من صنيعة الاستعمار الذي يعلم تمامًا أنه لن يستطيع كسر إرادة الأمة من دون عون داخلي.

كذلك لم يكن لهؤلاء أن يظهروا أو يكونوا بين ظهرانيي أمتنا، سواء المستعمرين أو عملائهم، لولا غياب الشرعية عن الحاكم، وفقدان أولي الأمر لمصداقيتهم أمام الشعوب، بسبب غياب العدل وشيوع المظالم، مما دفع البعض إلى فقدان ثقته في انتمائه، وبالتالي التعاون مع أعداء الأمة في الداخل والخارج.

والطريف أن مصير ملوك الطوائف كان دائمًا، وعبر التاريخ، التخلي عنهم و إلقاؤهم في مزابل التاريخ من قبل القوى التي صنعتهم كمخلب قط لاختراق صف الأمة، ولكن يبدو أن الغباء صنو الخيانة؛ حيث إنه، وبالرغم من وضوح هذا الدرس في مختلف الحالات المماثلة عبر التاريخ؛ إلا أنه لم يزل هناك من يبيع نفسه ليكون أداةً للاستعمار؛ فيكون جزاؤه خيانة مماثلة، وأن يسجله التاريخ في صفحاته الأكثر سوادًا.

الحرص على الوحدة .. نقاط مضيئة

لم يكن هذا الأمر غائبًا عن حُكَّام دولة الإسلام الأولى، فكان الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، يحرص عليه في صدد التأكيد على وحدة الصف المسلم، وأنه -في المقابل- فإن أي خروج عن الصَّف يضعه في خانة الجاهلية أو ترك الدين والكفر، وجعل المفارق للجماعة في حكم المرتد، وأحل دمه، في حالة شديدة الندرة في التشريع الإسلامي.

ففي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم، عن ابن مسعود "رَضِيَ اللهُ عَنْه" قال: قال رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ": "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة".

أما عمر بن الخطاب "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، فقد كان حريصًا على بقاء كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، في المدينة المنورة؛ لا يخرجون منها؛ لكي لا يفتنوا الناس في دينهم ودنياهم.

وما حدث في الفتنة الكبرى، والحوادث التي تلتها، أثبت بُعد نظر عمر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، فاختلاف مواقف كبار الصحابة في الكثير من الأمور- وكلهم أمام الناس عدول ثقات- فرق على الصف المسلم موقفه من ذات القضية التي كان لهذا الصحابي أو ذاك موقفًا ما منها متباينًا عن موقف الآخر، بحسب رؤيته واجتهاده.

وحُكَّام المسلمين في فترات الأزمة، وهي كثيرة في تاريخ الأمة، كانوا أحرص ما يكون الحرص، عند الاستعداد لمعارك المصير الكبرى، على توحيد الصف المسلم، والقضاء على الفتن، وتمتين جبهة المسلمين الداخلية، قبل التصدي للعدو القادم من الخارج.

وكان ذلك هو سلوك صلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قُظُر، وقت التصدي للصليبيين والخطر المغولي، وكلاهما استهدف وجود الأمة؛ حيث كان القضاء على ملوك الإقطاع وعملاء الاستعمار والخارجين عن أهل السُّنة والجماعة،  أول المهام التي قاموا بها، ولذلك- على سبيل المثال- ظل صلاح الدين يعد الجبهة الداخلية للحرب على الصليبيين، لمدة 19 عامًا، بينما لم تستغرق هزيمة الصليبيين منه سوى بضعة سنوات.

"لا بد من البحث عن صيغة ما للتواصل بين المسلمين، كل المسلمين، لا تفرقة بين أيٍّ منهم، والعمل على مناقشة كافة القضايا المطروحة، بما في ذلك الوباء الأكبر الذي تعاني منه الأمة، وهو التكفير"

وهنا ثَمَّة ملاحظة تاريخية مهمة في هذا الصدد، وهي أن جهد توحيد الجبهة الداخلية من جانب صلاح الدين الأيوبي، شملت القضاء على الوجود الفاطمي الشيعي في مصر وشمال أفريقيا، باعتبار خروجهم عن دولة الخلافة العباسية، استغلالاً لضعف دولة الخلافة في ذلك الحين، وكانت دولته، الدولة الأيوبية، تعمل في إطار إعلانها الولاء لدولة الخلافة العباسية.

وفي الأخير؛ فإن ما يجري في العراق وسوريا وليبيا، والعديد من أنحاء أمتنا الأخرى، من فتن، وما يجري فيها من دماء المسلمين، يجعل من واجب الوقت حاليًا البحث عن صيغة ما للتواصل بين المسلمين، كل المسلمين، لا تفرقة بين أيٍّ منهم، والعمل على مناقشة كافة القضايا المطروحة، بما في ذلك الوباء الأكبر الذي تعاني منه الأمة، وهو التكفير.

إن التأسيس لهيئة جامعة تضمن كافة ألوان الطيف المسلم، بمذاهبهم وانتماءاتهم السياسية والقومية، ويكون فيها ممثلين عن الجميع، دونما استثناء، سياسيين وعلماء ومفكرين، هي أهم ما يجب على قيادات المسلمين الاتجاه إلى التفكير فيه في هذه المرحلة، مع التأسيس لإطار إعلامي لمصارحة المسلمين في كل أنحاء العالم بحقيقة ما يجري، ومن يرفض- أيًّا كان- أن يكون ضمن جماعة المسلمين!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

أين الحركة الإسلامية من الاستيعاب وسرعة اتخاذ القرار؟

تعاني الحركة الإسلامية -منذ عقود ليست قليلة- من حالة تراخ شديد في اتخاذ القرارات اللازمة …