عُمَر بن الخطاب.. أمير المؤمنين وصاحب الدولة

الرئيسية » بصائر الفكر » عُمَر بن الخطاب.. أمير المؤمنين وصاحب الدولة
omar

تمر في هذه الآونة، بتاريخ الأمة الهجري، والتاريخ الميلادي، معًا، ذكرى استشهاد أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب "رَضِيَ اللهُ عَنْه"؛ حيث طعنه أبو لؤلؤة المجوسي، في محراب المسجد النبوي وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، في العشر الأواخر من شهر ذي الحجة، ليستشهد بعد طعنه بأيام ثلاثة، يوم غرة المحرَّم من العام الرابع والعشرين للهجرة النبوية الشريفة، الموافق السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 644 الميلادي.

وفي حقيقة الأمر؛ فربما لم يعرف التاريخ شخصية عليها هذه الدرجة من الإجماع بين المسلمين وكذلك غير المسلمين، ويعود ذلك إلى العديد من العوامل، على رأسها السمات الشخصية والمواهب التي حباها الله سبحانه وتعالى الفاروق عمر، وكيف كانت سيرة حياته، وخصوصًا بعد إسلامه، كصحابي، أو كحاكم لدولة الإسلام والمسلمين؛ حيث وضعه الغرب ضمن قائمة تشمل أهم خمسين شخصية سياسية أثرت في تاريخ الإنسانية.

منذ أول يوم لإسلامه، كانت لعمر بن الخطاب دوره وتأثيره؛ حيث جهر المسلمون بصلاتهم، وفي رواية، أن الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، أطلق عليه اسم الفاروق لأنه فرَّق بين الحق والباطل، وأظهر الحق، من خلال مواقفه وشدته التي لا تلين في دين الله عز وجل.

ومن خلال ما ورد في سيرته "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، وكتب عنه المؤرخون، كان من بين أهم أسباب إسلام عمر، ثبات المسلمين الأوائل على ما كانوا يلاقونه من عنت وتعذيب من كفار ومشركي مكة وشبه الجزيرة العربية من خلفهم، بعد جهر النبي "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، بدعوته.

الأهم من ذلك، هو نزاهة سيرة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وأنه لم يكن عليه أي شيء من الشبهات.
وربما في ذلك دروس من أهم الدروس التي يجب على الحركة الإسلامية في هذه المرحلة، أن تعيها وتستوعبها، في إطار حراكها لنشر المشروع الحضاري الإسلامي، واستعادة خيرية هذه الأمة.

وعبر مسيرته الطويلة مع الرسول "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وخليفته الأول أبي بكرٍ الصديق "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، كان عمر أحد أهم مرتكزات الدولة الإسلامية الوليدة، ودعائم الدين الجديد.

ولقد بلغ من حسن استشرافه للأمور، أن وافقه الوحي الإلهي في أكثر من موضع وموقف، كما في الموقف من أسرى المشركين في بدر، كما في القصة المشهورة، والتي نزل فيها قوله تعالى، في سُورة "الأنفال": {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)}.

ثم حفظت شخصية عمر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، الحاسمة والقوية، على الأمة تماسكها في أحرج لحظاتها، بعد وفاة الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، عندما أيد بيعة أبي بكر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، وتصدى للفتن التي عمَّت شبه الجزيرة العربية، بعد وفاة النبي "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، مباشرةً.
إلا أن أهم ما نسعى إلى تبيانه في هذا الموضع، هو كيف وضع عمر قواعد الدولة المؤسسية؟، وكيف أقام دولة الخلافة الإسلامية؟ التي شهد العالم له بعدها، فيها بالعدالة والنزاهة، وبأنه سبق عصره بقرون طويلة فيما وضعه فيها من أنظمة إدارية وسياسية وقانونية.

فمع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، في عهده، أقام لها تنظيماً إدارياً فعالاً جمع ما بين المركزية واللا مركزية، وقسم صناعة القرار فيها ما بين العاصمة في المدينة المنورة، وبين عواصم الولايات والأقاليم التي ضمتها، وأسس لعدد من الأمور التي لم تعرفها شبه الجزيرة العربية من قبل، مثل نظام الدواوين والبريد بصورته التي تقترب من صورته المعاصرة في وقتنا الراهن.

قام عمر بتقسيم الأمصار المفتوحة إلى خمس مناطق كبيرة، تنقسم بدورها إلى ولايات، وهي: العراق، وفارس، والشام، وفلسطين، وأفريقية، التي ضمت مصر وصحراء ليبيا، بالإضافة إلى شبه الجزيرة العربية.

كانت لعمر معايير صارمة في اختيار ولاته، مثل الأمانة والعدل والصلاح، وكان متشددًا معهم، وقصته في عزل سعد بن أبي وقاص "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، من ولاية العراق، أهم نموذج على ذلك، على يقينه بأن الرجل لم يرتكب ما اتهمه به خصومه هناك.

ومن بين أهم ما سُجِّل عنه في هذا المجال: "أيها الناس، إنِي والله ما أرسل إليكم عُمَّالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أعْشاركم؛ ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسُننكم، فمَن فُعل به شيء سوى ذلك، فليرفعه إليَّ، فوالَّذي نفس عمر بيده، لأقتصّنَّ له منه".

أسس عمر دولة المواطنة؛ فكان يقتص لليهودي والمسيحي من ولاته، وكان قاضيًا عادلاً، وبالرغم من أن الدولة ضمت في عهده مئات الأعراق والديانات؛ إلا أنه، وبتطبيقه لشريعة الله عز وجل وسُنَّة الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، بدقة وأمانة؛ لم يعرف عهده أية مظالم للأقليات، وكان كل الناس أمامه سواء.

ولم يقف عند هذا الحد؛ حيث أسس لنظام دقيق للرقابة والمحاسبة، فكان يرسل مفتشين على الأمصار المفتوحة التي تضمها دولة الإسلام التي ترامت أطرافها في عهده، وكان من بين أهم هؤلاء محمد بن مسلمة، وكان حازمًا؛ مشهودًا له بالكفاءة والأمانة.

تميّز عمر بالعدل، وكان تقشفه وزهده، هو أهم عوامل تمتعه بالمصداقية، وكان حريصًا على ذلك، حتى يكون هو ذاته نموذجًا أمام ولاته، ويستطيع أن يحاسب المقصرين منهم، وموقفه مع غنائم كسرى، وقطعة الثوب التي منحها له ابنه عبد الله، من أهم هذه المواقف.

ومن بين أهم ما أسسه في هذا الإطار أيضًا، نظام الشورى، باعتبار أنه أحد الأمور التي أمر بها القرآن الكريم وهَدْي الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فيقول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [سُورة الشُّورى: 38]، ويقول كذلك عز وجل: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [سُورة آل عمران: 159]، أما في الحديث النبوي: "استشر فإن المستشير معان والمستشار مؤتمن" [صحيح/ أخرجه أبو داوود في السُّنَن]، وكان عمر يقول: "لا خير في أمر أُبرم من غير شورى".

وحتى في ظروف وفاته، استمر في تقديم النموذج المطلوب لنزاهة الحاكم في دولة الإسلام الحقَّة؛ فمن مواقفه خلال عملية الشورى لاختيار حاكم آخر لقيادة دولة الخلافة الإسلامية، لم يذكر ابن الخطاب "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، في الستة الذين اختارهم، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، رغم أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وذلك لكونه ابن عمه.

وعندما أمر بحضور ابنه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر "رَضِيَ اللهُ عَنْهما"، مع أهل الشورى؛ كان ذلك لكي يشير بالنصح فقط، ولكن من دون أن يكون له من الأمر شيء.

هذا هو عمر ابن الخطاب "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، الذي قال عنه المؤرخ الأمريكي واشنطن إيرفينجفي، في كتابه "محمد وخلفاؤه": "تاريخ عمر بالكامل يظهر لنا أنه (عمر) كان ذو عقلية فذَّة، ونزاهة ثابتة صلبة، وعدالة صارمة، وكان أكثر من أيِّ أحد آخر هو المؤسس "للإمبراطورية" الإسلامية، مؤكدًا ومنفذًا للوحي "النبوي"، مساعدًا ومشاورًا لأبي بكر خلال فترة خلافته القصيرة، وواضعا ومؤسسا للأنظمة واللوائح التي تنظم إدارة القانون عبر حدود وأنحاء الفتوحات الإسلامية الممتدة بسرعة".

وفي الأخير؛ فإن التفاصيل والمواقف تملأ مجلدات وكتب، ولكن هذه الإشارات والعناوين العامة توضح حقيقة شديدة الأهمية، وهي أن الإسلام أقام دولة العدل، وأن تعاليمه قادرة وصالحه، أكثر من أية شرعة أخرى وضعية، وأنه متى توفرت القيادة الحكيمة القادرة؛ فإن العدل يعم الأرض بتعاليم الإسلام التي أنزلها الحكيم العليم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

قضايا الزواج والطلاق بين العُرفِ و الدِّين.. جدل القوامة و”القايمة”!!

شهدت مساحات التواصل الاجتماعي والإعلام الفضائي في الآونة الأخيرة، الكثير من النقاشات حول قضايا الزواج …