التوسع في مفهوم العدواة للآخرين.. جهل لروح الإسلام

الرئيسية » بصائر الفكر » التوسع في مفهوم العدواة للآخرين.. جهل لروح الإسلام
اختلاف مع الآخرين

عندما تغيب البوصلة، ويظهر الجهل ويقل العلم، نعيش في حالة ضياع وتيه، فلا نفرق فيها بين عدونا وصديقنا، فنخبط خبط عشواء، بحيث تختلط دماء القتلة الظلمة بدماء الأبرياء.

لا شك أن التهاون في أمر الدماء من أعظم المصائب التي تعيشها أمتنا في عصرنا الحاضر، فلقد ظهر مجموعةٌ من المسلمين يكثرون من القتل وسفك الدماء، بل وتفنَّنوا في صناعة الأعداء والإكثار منهم، حتى كاد الناس كلهم أن يكونوا عدواً لهم!! فمن هو العدو الواجب قتاله؟ وهل الأصل في الناس العداء أم غير ذلك؟

يعتقد مجموعة من المسلمين أن العدو هو "الآخر"، فإما أن تكون معهم أو ضدهم، فلا حلول وسط عندهم، فيعتبرون خصومهم ومنافسيهم أعداء، ومعارضيهم في المنهج والرأي أعداء، ومخالفيهم في المذهب العقدي أو الفقهي أعداء، فقوائم العدو عندهم طويلة، ومفهوم العدو عندهم واسع، يشمل كل مخالف لهم، فيَحِلُ قتالهم وسفك دمائهم.

"يعتقد مجموعة من المسلمين أن العدو هو "الآخر"، فإما أن تكون معهم أو ضدهم، فلا حلول وسط عندهم، فهم يعتبرون خصومهم ومنافسيهم أعداء، ومعارضيهم في المنهج والرأي أعداء، ومخالفيهم في المذهب العقدي أو الفقهي أعداء، فقوائم العدو عندهم طويلة"

والحقيقة أنّ الإسلام حصر العداوة وضيقها فيمن انتهك حرمات المسلمين، أو سلب أرضهم، أو منع دعوة الإسلام من الوصول للناس، فليس كل مخالف في الرأي أو المنهج أو الفكر عدواً، بل احترم الإسلام التنوع الفكري في المجتمع؛ ولا أدل على ذلك المذاهب الفقهية المتعددة.

ولقد فرق القرآن بين معاملة الكفار بالحسنى والولاء لهم الذي معناه:المحبة والنصرة، قال تعالى:{عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ 7 ﴾ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ 8 ﴾ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿ 9 ﴾} [الممتحنة].

يقول سيد قطب – رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآيات: "إن الإسلام دين سلام، وعقيدة حب، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابين، وليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله، فأما إذا سالموهم فليس الإسلام براغب في الخصومة ولا متطوع بها كذلك.. وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية... التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعا هي الحالة الثابتة، لا يغيرها إلا وقوع الاعتداء الحربي وضرورة رده، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة، أو الوقوف بالقوة في وجه حرية الدعوة، وفيما عدا هذا فهي السلم والمودة والبر والعدل للناس أجمعين" ا.هـ.

استعداء المسلمين واستحلال دمائهم

لقد ظهر في عصرنا الحاضر من يقدم عداوة المسلمين على غيرهم من الكفار المعتدين، بسبب مخالفته في الرأي أو المذهب فقط، أو ارتكابه بعض المعاصي والذنوب، أو لشبهة طرأت عليه، فأصبح كثيرٌ من المسلمين في رأي البعض أعداء تحل دماؤهم، وقد يسقطون انتسابهم للإسلام، ثم يقتلونهم.

"الأصل في العلاقة مع الآخر هو السلم، والعداوة حالة طارئة محصورة في انتهاك حرمات المسلمين أو منع نشر دعوة الإسلام"

إنّ التهاون في دماء المسلمين من أعظم الذنوب التي توعد عليها الله في كتابه، وحذر منها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" [رواه النسائي والترمذي].

بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم- حذر من ايذاء المسلمين ولو بخدشٍ بسيط، فكيف بمن استحل الدماء وأزهق الأرواح، فعَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بِأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا لَا يَخْدِشُ مُسْلِمًا"[متفق عليه].

فلا يؤخذ المسلم بشبهة ولا يستحل دمه بسوء ظن أو ريب أو شك في نيته، فعن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أقال لا إله إلا الله وقتلته؟!" قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: "أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ" [رواه البخاري].

وختاماً... إنّ توسيع مفهوم العدو مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بجهل مقاصد الإسلام من القتال، فالقتال ليس غاية بل هو وسيلة لرد العدوان عن المسلمين، فإذا توفرت وسيلة أخرى فهي أولى ومقدمة على القتال. والأصل في العلاقة مع الآخر هو السلم، والعداوة حالة طارئة محصورة في انتهاك حرمات المسلمين أو منع نشر دعوة الإسلام.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

أين الحركة الإسلامية من الاستيعاب وسرعة اتخاذ القرار؟

تعاني الحركة الإسلامية -منذ عقود ليست قليلة- من حالة تراخ شديد في اتخاذ القرارات اللازمة …