الدعاة .. وحقوق الإنسان

الرئيسية » بصائر الفكر » الدعاة .. وحقوق الإنسان
fastting

تعاليم الإسلام أعظم داعية لحقوق الإنسان بمفهومها الصحيح، والبعد الإنساني في شريعة الإسلام، واضح وجلي، ولا يوجد قانون، ولا دستور، في هذه الدنيا، حفظ حقوق الإنسان، كما هي في كتاب الله تعالى، وصحيح سُنة نبينا – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) (النساء:58)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً {1})(النساء)، قال تعالى في سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {13})) (الحجرات).

وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب" (رواه مسلم).

ومن كتاب الله تعالى، وسُنة نبيه عليه الصلاة والسلام استنبط العلماء هذه الثروة الفقهية العظيمة، التي نفاخر بحضارتها، عبر السنين، وتطاول القرون، حتى صارت علماً على خير كثير، اعترف به القاصي والداني.. و"الفضل ما شهدت به الأعداء".

ومارس المسلمون هذا الأمر بطرائق تؤشر على معنى هذا المفهوم (حقوق الإنسان) واقعاً على الأرض، وشاهداً على ظهور عادل، منقطع النظير، تنظيراً وتوصيفاً، سلوكاً وعملاً، لتدوي مقولة أمير المؤمنين رضي الله عنه مجلجلة في الآفاق، وواضعة النقاط على الحروف، وراسمة معالم السير، على منهاج النبوة: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام:

- المادة 11:

أ- يولد الإنسان حراً وليس لأحد أن يستعبده أو يذله أو يقهره أو يستغله ولا عبودية لغير الله تعالى.

ب- الاستعمار بشتى أنواعه وباعتباره من أسوأ أنواع الاستعباد محرم تحريماً مؤكداً، وللشعوب التي تعانيه الحق الكامل للتحرر منه وفي تقرير المصير، وعلى جميع الدول والشعوب واجب النصرة لها في كفاحها لتصفية كل أشكال الاستعمار أو الاحتلال، ولجميع الشعوب الحق في الاحتفاظ بشخصيتها المستقلة والسيطرة على ثرواتها ومواردها الطبيعية.

- المادة 18:

أ- لكل إنسان الحق في أن يعيش آمناً على نفسه ودينه وأهله وعرضه وماله.

ب- للإنسان الحق في الاستقلال بشؤون حياته الخاصة في مسكنه وأسرته وماله واتصالاته، ولا يجوز التجسس أو الرقابة عليه أو الإساءة إلى سمعته وتجنب حمايته من كل تدخل تعسفي.

ج- للمسكن حرمته في كل الأحوال ولا يجوز دخوله بغير إذن أهله أو بصورة غير مشروعة، ولا يجوز هدمه أو مصادرته أو تشريد أهله منه.

- المادة 19:

أ- الناس سواسية أمام الشرع، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم.

ب- حق اللجوء إلى القضاء مكفول للجميع.

جـ- المسؤولية في أساسها شخصية.

د- لا جريمة ولا عقوبة إلا بموجب أحكام الشريعة.

ه- المتهم برئ حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة تؤمَّن له فيها كل الضمانات الكفيلة بالدفاع عنه.

- المادة 20:

لا يجوز القبض على إنسان أو تقييد حريته أو نفيه أو عقابه بغير موجب شرعي، ولا يجوز تعريضه للتعذيب البدني أو النفسي أو لأي من أنواع المعاملات المذلة أو القاسية أو المنافية للكرامة الإنسانية، كما لا يجوز إخضاع أي فرد للتجارب الطبية أو العلمية إلا برضاه وبشرط عدم تعرض صحته وحياته للخطر، كما لا يجوز سن القوانين الاستثنائية التي تخول ذلك للسلطات التنفيذية.

- المادة 21:

أخذ الإنسان رهينة محرم بأي شكل من الأشكال ولأي هدف من الأهداف.

- المادة 22:

أ- لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية.

ب- لكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً لضوابط الشريعة الإسلامية.

"التاريخ المشرف للمسلمين في التطبيق العملي لهذه الحقوق، دون تمييز، ولا عدوان، ولا تفاخر، ولا كبر، بل برحمة وعدل، وإنصاف واستقامة، هو الذي جعل للمسلمين ذلك المقام الراقي في نفوس غير المسلمين، مما دفعهم أن يدخلوا في دين الله أفواجاً"

ج- الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع، ويحرم استغلاله وسوء استعماله والتعرض للمقدسات وكرامة الأنبياء فيه، وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم أو إصابة مجتمع بالتفكك أو الانحلال أو الضرر أو زعزعة الاعتقاد.

د- لا يجوز إثارة الكراهية القومية والمذهبية وكل ما يؤدي إلى التحريض على التمييز العنصري بكافة أشكاله.

والتاريخ المشرف للمسلمين في التطبيق العملي لهذه الحقوق، دون تمييز، ولا عدوان، ولا تفاخر، ولا كبر، بل برحمة وعدل، وإنصاف واستقامة، هو الذي جعل للمسلمين ذلك المقام الراقي في نفوس غير المسلمين، مما دفعهم -وقد رأوا هذا ولمسوه واقعاً معلوماً معروفاً – أن يدخلوا في دين الله أفواجاً.

وبالمقابل، واجه المسلمون صنوف الأذى، وانتهاكات حقوق الإنسان، بل إن الذي مورس على المسلمين من فظاعات في هذا الميدان شيء يشيب لهوله الولدان، وتقشر من سماع أخباره الأبدان، من يوم ما كان الصحابة الكرام، من أمثال بلال وآل ياسر –رضي الله عنهم وعن سائر الأصحاب– يصب عليهم العذاب صباً، من جاهليي ذلك العصر، مروراً بمحاكم التفتيش، ووقوفاً على كثير من التفاصيل المزرية في هذا الشأن، في بعض الأعصر، حتى نصل إلى عصرنا الراهن –الذي يوصف زوراً وبهتاناً بعصر حقوق الإنسان- وما مرَ على المسلمين من ابتلاءات وطوام وكوارث ومصائب وويلات، تمثل سبَّة على أولئك الذين مارسوا هذه الانتهاكات بحق هؤلاء المستضعفين هنا وهناك، في فلسطين، حيث ملاحم الشر، وتنانير الظلام، إلى كثير من بقاع الأرض، حيث يباد المسلمون، ويفعل بهم الأعاجيب.

ومنها ما جرى على يد بعض أبناء جلدتنا، من الطغاة والمجرمين، ممن شربوا كأس الفجور، وتربوا على قوانين السادية، وتتلمذوا على أيدي الحاقدين والحاسدين، من الدكتاتوريين والظالمين، حتى صاروا يعلمونهم الإجرام، ويدرسونهم إياه و"رب تلميذ فاق أستاذه"، فكانت "البوابة السوداء"، و"أيام من حياتي"، ومذكرات ما يعرف بـ"أدب السجون"، و"يا لها من صفحات عار"، و"أسفار خزي"، و"سطور بغي".

وما يحصل بمصر اليوم خير شاهد على تكرار هذه الكوارث، وانتهاكات حقوق الإنسان.

أما ما حدث في سورية، في زمن الأب والابن، من قتل وتعذيب، وهدم وتخريب، وجرائم وفظائع، وما زال يحدث، فله قصة أخرى، وعنوان مختلف؛ لأنه لا يشبه غيره، في كثير من التفاصيل والمفاصل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

إخواني الدعاة، ويا أيها العاملون في الحقل الإسلامي، ويا أبناء الحركة الإسلامية في كل مكان، أنتم خير من يتكلم عن حقوق الإنسان، وأولى من يدافع عنها، فاصنعوا برامجكم، في مجال حقوق الإنسان، ودافعوا عن المظلومين والمقهورين، وتلمسوا هموم الناس، في هذا المجال، واجعلوها في سلم أولوياتكم، وبرامج خططكم، وساهموا في المؤسسات الحقوقية النظيفة، وكونوا سباقين في إنشاء مراكز حقوقية، ومجمعات تدافع عن حقوق الإنسان، ولا تتركوا هذه المساحة، لمن هب ودب، بل كونوا شركاء خير، وعناوين دفع بهذا السبيل، أنا أعلم أن هناك اهتماماً بهذا الجانب، لدى كثير من الإسلاميين، وربما في بعض البلدان، كان الإسلاميون سباقين، في هذا الميدان، وفي أقطار أخرى، ربما هم الوحيدون في الميدان، يدافعون عن الحقوق، لكن نريد من كل الدعاة، وفي كل مكان، أن تكون لكم الصدارة، فأنتم أجدر من يقوم بهذه المهمة النبيلة العظيمة.

ما عندنا من تأصيل شرعي في هذا الميدان، يفوق ويفضل، على ما عند كثير من المتشدقين بحقوق الإنسان، وهذه الثروة التأصيلية، هي مفتاح الخير لما نريد.

فنادوا بها على المنابر، وأنتم تخطبون، واشرحوها للناس وأنتم تحاضرون، واكتبوا عنها، وأسسوا المؤسسات التي تجعل الدفاع عن الحقوق منهجاً، رصداً وتوثيقاً، متابعة وتحقيقاً، تبنياً ودفاعاً، وزاحموا أمام الجهات الرسمية، وأنتم تدافعون، علينا في هذه الأيام التي كثرت فيها المظالم أن نكون –يا إخوتي وشيوخي– في مقدمة الركب، وبهذا نحقق خيراً كثيراً، ونجني ثماراً يانعة.

وأقترح أن يكون في كل مكتب تنفيذي، لجماعة إسلامية، أو رابطة من روابط العلماء، وفي المقدمة منهم، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، شعبة لحقوق الإنسان، لمتابعة هذا الأمر، بشكل يومي، وصورة مستمرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

عبقرية النبي في إرساء قواعد عالمية الدعوة

ضاقت مكة بالدعوة، واشتد الحصار على لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مع …