الفن والإعلام في الأزمات .. صور مغايرة

الرئيسية » خواطر تربوية » الفن والإعلام في الأزمات .. صور مغايرة
aqsa_child

قبل أيام قليلة اطّلعتُ على صور فوتوغرافية قادمة من واقع المعارك الدائرة حالياً بعين العرب "كوباني" ـ سوريا، وقبلها رأيت ولأول مرة صوراً مماثلة إبان العدوان الأخير على غزة.. تحوّلت في هذه الصور مناظر التفجيرات المرعبة إلى لوحات جميلة، بفعل تدخل فنان كردي من خلال برنامج تصميم وتعديلات إلكترونية، وذلك عبر إضافته لأشكال وألوان زاهية عليها، كالورود والكتب وقرطاسية التعليم وفراشات عليها، وهي متاحة في النت.. مختصراً عمله بجملة كتبها على صفحته هي: "في كوباني، ازرعوا الموت، وسوف نزرع الحياة".

وشاهدت الأسبوع الماضي فيلماً وثائقياً عن غزة، عُرض أثناء انعقاد الملتقى الإنساني الأول لدعم الشعب الفلسطيني بالدوحة، ورأيت فيه حجم العدوان الذي تعرضت له، والدمار الذي لحق بها، وخسائرها التي نتجت عن ذلك، ورغم أن مخرج الفيلم أدمع عيون الحضور وأدمى قلوبهم، نظراً لحجم الفظائع الصهيونية وجرائم الاحتلال التي طالت البشر والحجر، إلاّ أنه استطاع أن يزرع فينا وفيهم الأمل، حينما أرانا كيف عاد نبض الحياة من جديد، من خلال عودة الطلاب لمدارسهم، رغم ما فيها من أضرار بيّنة.

للفن في الرؤية الإنسانية السليمة رسالة بناءة، وأهداف قيمية ينبغي أن يسعى إليها خصوصاً في خضم الظروف، ظروف الحروب والأزمات التي تحياها أمتنا، لذا فإنه رغم قسوة الظروف المحيطة، وكثرة الأوجاع وزحمة المآسي، فإنه ينبغي أن ينظر بعين التفاؤل، وأن يوصل رسائل إيجابية توعوية، تسهم في بث روح الأمل والمبادرة، للتغلب على الصعاب، وتحدي الإشكالات، والتفكير بحلول لها، وعدم الاستسلام للواقع المحيط، المثقل بالمصاعب والتحديات.

ولعل هذا يدعونا للتذكير بالدور المهم للأدب والفن والتطبيقات الإعلامية الملازمة لهما في هذه الظروف، وإيلائهم مزيداً من الاهتمام، سواء كان قصة أو رواية أو شعراً، أو فيلماً أو مسرحية أو أغنية أو أنشودة، أو برنامجاً إعلامياً، فمن خلال الفن وأدواته الفنية والإعلام وقوالبه المتنوعة، يمكن دعم التعليم من خلال الترفيه، والإسهام في الدعم النفسي ورفع المعنويات، والحث على السلوكيات والممارسات الإيجابية، وإطلاق المبادرات، وأخذ زمامها، والاشتراك في مواجهة الصعوبات.

"للفن رسالة بناءة، ينبغي أن يسعى إليها خصوصاً في ظروف الحروب والأزمات، فإنه رغم قسوة الظروف المحيطة، وزحمة المآسي، فإنه ينبغي أن ينظر بعين التفاؤل، وأن يوصل رسائل إيجابية توعوية، تسهم في بث روح الأمل والمبادرة، للتغلب على الصعاب، وعدم الاستسلام للواقع المحيط، المثقل بالمصاعب"

شيء آخر يستحسن الإشارة إليه، وهو أن يكون الأطفال والناشئة والشباب باعتبارهم أكبر شريحة متضررة من الحروب، وأكثر من يعول عليهم في بناء مستقبل البلاد وإعادة إعمارها وتخطي واقع الأزمات التي تعاني منه، أن يكونوا شركاء في الأعمال الفنية، خاصة أصحاب المواهب والقدرات، يشتركون في الكتابة والتمثيل والتقديم والإنتاج، فقد يكونون أقدر من غيرهم في التعبير عن ذواتهم، أو قد يسهمون في جعل الأعمال أكثر تأثيراً وجاذبية وقرباً من عالم الشرائح المستهدفة.

كم يستدعي الموضوع الإشارة إلى الاهتمام بتنمية الملكات الإعلامية والفنية للموهوبين، والأخذ بيدهم للتعبير عما يجول في خواطرهم، وطرح مشاكلهم والتعريف بمعاناتهم بأسلوب مغاير وروح مختلفة، وتعهدهم بالرعاية والعناية من خلال التدريب ونقل المهارات والخبرات، والنظر للمستقبل بهذه العيون وليس بعيون الكبار.

ورغم كآبة المنظر وسوداوية المآسي المصاحبة للأزمات والحروب فقد آن الأوان ألا يكتفي الفن والأدب والإعلام في عالمنا العربي والإسلامي بصفة خاصة والعالم بصفة عامة، بنقل التراجيديا المحزنة والمناظر المؤلمة والمآسي المروعة في منتجاته وإصداراته فقط، بل عليه أن يسهم في التخفيف من بؤسها وآلامها على الشريحة المتضررة أولاً، وعلى الرأي العربي والإسلامي ثانيا، وأن يغادر المتضررون والأمة مربع التأثر والحزن والعويل، إلى مربع الفعل الديناميكي المواجه، والمبادرات التي تسهم في التخفيف من معاناة المتأثرين، مهما كان حجم حركتها وتأثيرها، وأن يقبلوا على التعاطي مع الحياة من حولهم بإيجابية، والتعايش والتواؤم مع أوضاعهم الجديدة بواقعية، فإيقاد شمعة مهما بصيص نورها، خير من لعن الظلام بألف مرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

صلاة الجمعة ومقاطعة البضائع الفرنسية.. هل نعي الدرس؟!

حينما رجحت الحكومة الأردنية مؤخراً أنها بحاجة إلى يوم في الأسبوع يُفرض فيه حظر تجول …