ثورات الربيع العربي .. ومحاولات الوأد والإجهاض

الرئيسية » بصائر الفكر » ثورات الربيع العربي .. ومحاولات الوأد والإجهاض
متى ما أراد الشعب التغيير ثم اصطدم بحاجز الدكتاتورية، أزاله وكسره بالقوة
متى ما أراد الشعب التغيير ثم اصطدم بحاجز الدكتاتورية، أزاله وكسره بالقوة
متى ما أراد الشعب التغيير ثم اصطدم بحاجز الدكتاتورية، أزاله وكسره بالقوة

تَنَشَقَ المجتمع العربي حريته أخيراً، واستطاع أن يتنفس إرادته ويعيشها، أن يغير سنة (أو بدعة) آبائهم من الخوف والإذعان وتسليم الرقاب وخشية الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولأن الذين سبقوهم تجرعوا الذل كأساً فإنهم اليوم قد فطموا عن الخنوع إلى الحرية، إلى الإرادة، إلى الشجاعة، إلى نبذ العبودية والذل والانكسار، إلى نبذ الخوف الذي زرعه آباؤهم، لكنه واجه قلوباً قاحلة لم ينبت فيها هذا الزرع الفاسد.

وابتدأت الحكاية أول ما ابتدأت في حاضرة الحضارة المغربية، لؤلوة الغرب العربي، جاءت شرارتها بل جذوتها لباقي العرب لعلهم يصطلون.

أسقط الصنم الأكبر، والذي تربع عقوداً على قلوبهم وأجسادهم، والذي تأله هو ومن قبله على الناس، صحيح أنهم لم يقولوا للناس (أنا ربكم الأعلى)، لكن أحدهم يمنع الصيام وآخر يخلع الحجاب ثم كان منع الناس من حج بيت الله الحرام، وانتقلت نسمات الحرية تباعاً من المغرب إلى الشرق شيئا فشيئاً، فتنسمت منه مصر وليبيا وسوريا واليمن وبعض الخليج وغيرها؛ إلا أن قوى الشيطان سرعان ما تنبهت لهذا الخطر المحدق، وخلال أيام كانت قد رسمت ما رسمت من مخططات وما كنت لديهم إذ يجمعون أمرهم وما كنت لديهم إذ يمكرون.

في تونس ولدت الثورة وانتهى الأمر، وجاءت على حين غفلة من أهلها، فلم يروا أنفسهم إلا وطاغوتهم يغادر البلاد بعد ثورة عارمة دامت أياماً ليس أكثر، ولأن الثورة قد ولدت لم يعد ينفع أن يتم القضاء عليها؛ باختصار لأنها ولدت، ولدت كبيرة، ولكن يعود الشيطان ليزين لهم ما كان يزينه للناس منذ قرون، بأن هذه مولودة ستجلب لنا العار فوجب (وأدها)، فاحتملها المتآمرون وأخذوها شوطاً بعيداً، فلما هموا بذبحها ودفنها استطاعت بذكاء أن تهرب منهم وتعود لتلقي نفسها في حضن الشعب التونسي، ولا زالوا يطاردونها، فإما لها أن تكبر وتعظم وتسود، وإما لها أن تقتل، وهيهات أن يولد بعدها من كان مثلها.

أما في باقي ما تبقى من البلدان التي مرت بها ريح الثورة وريح الحرية وعبق التحرر من الطغيان والأصنام فقد تآمر المتآمرن عليها، وضاع الساذجون وضيعوا، وتطرف منهم من تطرف؛ كل ذلك في سبيل أن لا تولد ثورة أخرى من جديد.

ففي مصر أم العروبة وصاحبة الحضارة، كبرى بلداننا العربية، تم إجهاض الثورة، و لم يكتب للثورة أن تولد، بل تم إجهاضها إجهاضاً وقبل المخاض حتى، لكن في مصر لا تستطيع أن تحمل الخطأ لأي جهة من الجهات فالكل شريك في هذه الجريمة العظيمة، وفيها لعب الجيش لعبته منذ البداية، أي منذ تنحي الصنم البالي، وهنا كانت بداية إسقاط الثورة، مع شيء من التخدير، شيء من المماطلة والوعود الكاذبة البراقة، وأبواقهم كانت تعمل ليل نهار، وشعب يصدق إعلامه الرسمي، وثوار لم يمارسوا ثورة من قبل ولم يمارسوا السياسة باحتراف، بل أرادوا ممارستها مع الفجار بكامل الأخلاق وزيادة، وافترضوا بمن تجرد من سلطته بالأمس حسن النية اليوم، وقالوا بل نمد أيدينا للجميع، لن نستطيع أن نرجع اليوم إلى الوراء لنقول ما كان ينبغي فعله وما لا ينبغي، بالتأكيد هناك أخطاء، وأهل مكة أدرى بشعابها، لذا فعلى الثوار الجدد أن لا يكرروا أخطاءهم مرة أخرى، والظن أحيانا من الحزم، وحسن النية قد يورد المهالك، إلا أن حسن النوايا لا يبرر سوء الأفعال.

"لا بد للثورة أن تولد كبيرة.. بعد أن تتكون في رحم الشعب، ولا يصح أن تولد صغيرة ثم تنمو .. لأنها ستكون أكثر عرضة للوأد"

وينبغي هنا أن ندرك أمراً مهما، خاصة في تلك الدول التي مرت منها نسمات الربيع سراعاً ثم غادرت دون أي تغيير جوهري فيها، إن الثورة لا تتدرج، الثورة لا يخطط لها، الثورة هي ثوران شعب، فهي لحظة جنون كانفجار بركان؛ لا كتدحرج كرة الثلج تكبر شيئاً فشيئاً، إن الشعب إذا احتقن ثار، لأنه أدرك لحظتها أن لا رجوع إلى الوراء مرة أخرى، لذا.. لا بد للثورة أن تولد كبيرة.. بعد أن تتكون في رحم الشعب، ولا يصح أن تولد صغيرة ثم تنمو .. لأنها ستكون أكثر عرضة للوأد.

وفي جميع الأحوال الثورة نزف، الثورة خوف، الثورة دماء وقتل وتشريد، الثورة ثائرة لا يؤمن فيها عواقبها، لا يعني هذا أننا نعادي الثورات، بل إننا نؤيد الإصلاح، نؤيد التغيير، نؤيد الوعي، طالما أن الشعب بدأ يعي فهذه بداية التغيير، فمتى ما أراد الشعب التغيير ثم اصطدم بحاجز الدكتاتورية، أزاله وكسره بالقوة، يقول الإمام البنا رحمه الله: "وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل، وعلاج سريع لهذا المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال".

وكي تضمن أن لا تجهض ثورتك ولا توأد عليك أن تربي شعبك جيداً على الحرية وعلى الاختيار وأن يعرف حقه، أن يعيش الحرية عيشاً، لا أن يتخيلها، فإنه إن لم يعشها فعند أول اختبار سيرجع ليركع تحت أقدام الدكتاتورية.

وأهم من ذلك بكثير أن تنظر إلى من يقتل التغيير في الناس والشعوب، إنها مؤسسة العسكر، وهنا يجب على المصلحين التوقف والتأمل لحظات ولحظات ومن ثم توجيه جزء كبير من رسالتهم إلى هؤلاء العسكر، والسعي لتوعيتهم وإصلاحهم، ومعرفة قنوات اتصالهم وإعلامهم ممن يتلقون؟؟ وماذا يتلقون؟؟ فإن أنت أمنت العسكر، أمنت للتغيير أن يكبر أكثر؛ يقول الإمام البنا رحمه الله: "القوة أضمن طريق لإحقاق الحق، وما أجمل أن تسير القوة والحق جنبا إلى جنب".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …