القرار الأوروبي: فخ كبير أم صحوة ضمير؟

الرئيسية » بأقلامكم » القرار الأوروبي: فخ كبير أم صحوة ضمير؟
PALESTINIAN-GAZA-CONFLICT-HAMAS-MESHAAL

يلفت انتباهك ردود فعل البعض تجاه قرار شطب محكمة العدل الأوروبية اسم حماس من اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، فأولئك الذين تسكنهم نظرية المؤامرة سارعوا إلى التقليل من أهمية القرار وجدواه وتأثيره على مسار القضية الفلسطينية، ومنهم من زاد على ذلك بالقول إنه لم يصدر إلا بعد أن دفعت حماس ثمناً له، أو أن حماس مطالبة الآن بدفع الثمن.

بل إن هناك من بالغ في نظرته السوداوية حيال الخبر لدرجة الإيحاء بأن بقاءها على قائمة الإرهاب أفضل وأشرف لها!! وأن التهليل له واعتباره إنجاز للمقاومة ما هو إلا ضرب من السذاجة غير المقبولة على حسب وصفه.

هذا البعض تعامل مع حركة حماس وكأنها منظمة سياسية تحبو وتخطو خطواتها الأولى في عالم السياسة الشائك، وأنها على وشك الوقوع في فخ محكم ينصبه لها المتربصون بها، ولذلك فهو يبدى قلق المحب أو المتشكك بقدرة الحركة على التعاطي مع الخطوات السياسية الصادرة عن الكيانات الدولية المعتبرة، على غرار الاتحاد الأوروبي سواء كانت تقاربية أو تصادمية، والحق بأن حماس خاضت تجربة لا بأس بها في التعامل سياسياً مع الدول الأوروبية، حرصت فيها على عدم وضعها في سلة واحدة مع أمريكا بسياساتها المنحازة كلياً للكيان الصهيوني، وحرصت على بناء جسور تواصل مع بعض تلك الدول تباينت متانتها من دولة لأخرى، فكان مدخل العلاقة في بعضها مرتبط بالشأن الإنساني، ومنها ما ارتبط بالشأن الإغاثي الخيري، ومنها ما ارتبط بالشأن القانوني، ومنها ما ارتبط بموضوع شاليط.

وقد أوضح الأستاذ أسامة حمدان مسؤول العلاقات الخارجية لحركة حماس (في بحثه ضمن كتاب "حماس.. دراسات في الفكر والتجربة" الصادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات) فلسفة الحركة في تعاملها مع الدول الأوروبية، حيث كتب عنها: "حرصت حماس على علاقة إيجابية مع الدول الأوروبية، وربما من السابق لأوانه الكشف عن هذه العلاقات نتيجة الالتزام المتبادل بين حركة حماس وهذه الدول بعدم الإفصاح عن هذه العلاقات.

ويمكن القول إننا ومنذ سنة 2006م، نشهد نمواً وتطوراً في هذه العلاقات، وهناك دول لا تمانع في الحديث عن هذه العلاقات كسويسرا والنرويج، لكن هناك دول أخرى تتعامل مع الحركة بمستويات سياسية رسمية وبشكل دائم وليس مجرد، وهناك خمس دول من دول الاتحاد الأوروبي بينها وبين الحركة هذا الشكل من العلاقات.

والحركة حريصة على تطوير هذه العلاقات وهناك جهد سياسي من قبل الحركة في الوقت الراهن لرفع الحركة عن لائحة الإرهاب الأوروبية. وعلى الرغم من وجود تجاوب من بعض الدول إلا أن ما يعيق الأمر هو أن القرار الأوروبي لابد أن يكون بالإجماع. وهناك بعض دول الاتحاد الأوروبي الجديدة والتي ربما تلتزم بسياسات الإدارة الأمريكية أكثر منها كونها قريبة من السياسات الأوروبية".

القرار إذن هو نتاج لحراك سياسي متواصل من قبل الحركة وليس وليد اللحظة، والتعاطي معه بسطحية لا يعد أمراً حكيماً، تماماً كالذي يحمّله أكبر مما يحتمل ويصفه بالانتصار العظيم ويبني عليه آمالاً عريضة. إنه في مجمله قرار إيجابي من جميع جوانبه، ذلك أنه يتعلق برد تهمة وإزالة شبهة ألصقها بها العدو الصهيوني والسياسة الأمريكية المنحازة معه.

وفرق كبير بين التعامل مع هكذا قرار والتعامل مع قرار بإعطاء صلاحيات معينة أو مزايا وامتيازات قد تفتح أبواباً من التساؤل حول خلفياتها والثمن المدفوع مقابلها.

إن المنصف يقرأ ردة فعل القرار على قادة العدو ليحكم بتأنٍّ عليه، فعقب صدوره مباشرة أبدى رئيس وزراء العدو نتنياهو غضباً شديداً حيث هاجم بعنف الدول التي تقف وراءه، متهماً إياها بالنفاق وبقوله: "يبدو أن هناك الكثيرين في أوروبا التي تم على أرضها قتل ستة ملايين يهودي، لم يتعلموا شيئا".

وأبدى تمسكه ببقاء حماس ضمن تلك القائمة بقوله: "ننتظر منهم أن يعيدوا حماس فوراً إلى القائمة.. حماس منظمة إرهابية قاتلة تقول في ميثاقها إن هدفها هو تدمير إسرائيل".

أما أمريكا فقد سارعت للتعبير عن "خيبة أملها" من هذا القرار وعلقت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، جنيفر ساكي، قائلة: "سنواصل العمل بشكل وثيق مع الاتحاد الأوروبي على القضايا المتعلقة بحماس، ونحن نؤمن بأنه على الاتحاد الأوروبي أن يبقي عقوبات الإرهاب على حماس". وأكدت على أن موقف الولايات المتحدة من حماس لم يتغير، مضيفة أن "حماس هي منظمة إرهابية أجنبية".

يبدو جلياً بأن القرار قد أتى مضاداً للتوجهات السياسية العامة في المنطقة التي تقودها أمريكا والتي تشيع أجواءً سلبية جداً تجاه الحركات والتجمعات الإسلامية بكل تصنيفاتها، إلى درجة إصدار قوائم للإرهاب تحوي علماء أجلاء بوزن الشيخ العلامة يوسف القرضاوي الذي تم إدراجه مؤخراً ضمن قوائم المطلوبين للبوليس الدولي "الإنتربول" في خطوة تثير الاشمئزاز والغضب. كما أنه يأتي في ظل المحاولات الحثيثة للانقلابيين في مصر شيطنة حماس واتهامها بكل المصائب التي حلت بالشعب المصري.

وهنا تكمن أهمية ذلك القرار الذي لا يحمل في طياته الكثير من الأبواب السياسية المفتحة لحماس في أوروبا، غير أنه يمكن من خلاله توفير بيئة أكثر سلاسة لتعميق التذمر الشعبي، والرسمي –غير المعلن– من الجرائم الصهيونية بحق الإنسانية، وتعميق شعور التأفف من اللغة الصهيونية الفوقية التي ما تزال تستخدم لغة الابتزاز بالهولوكوست ومعاداة السامية.

يَحسُن خلال هذه الفترة تكثيف الحملات الإعلامية والإغاثية لكسر الحصار عن غزة، ورفع الصوت عالياً للبدء في عملية الإعمار وتنفيذ البنود العالقة التي تتعلق ببناء الميناء والمطار، ومن جهة أخرى إقامة فعاليات لنصرة المقدسيين في انتفاضتهم والدفاع عن المسجد الأقصى المبارك.

وبما أن ذلك القرار يأتي متزامناً مع تصريحات حماس بشأن الأسرى وصفقات التبادل المرتقبة فإن الدول الأوروبية معنية أن تلعب دور الوسيط المحايد في تلك الصفقات، خاصة وأن الوسيط المصري الحالي لا يمكن التعويل عليه مطلقاً في إبرام صفقة مشرفة بعد دوره المنحاز للعدو خلال لعبه دور الوسيط في المفاوضات التي تخللت العدوان الأخير على غزة، وفشله كضامن للصفقة الماضية حيث قامت قوات العدو بإعادة اعتقال الأسرى المحررين في صفقة "وفاء الأحرار" دون أن يبدي حتى مجرد انزعاج من ذلك، وعقب ما ذكرته وسائل إعلام عبرية من أن (نتانياهو طلب من السيسي التوسط لإقناع حماس بتسليم جثتي الجنديين أورون شاؤول وهدار جولدن؛ مقابل تخفيف الحصار عن قطاع غزة، لكن السيسي طالبه بالتأني).

سوف تسعى الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الكيان الصهيوني وأطرافاً عربية وغربية لإجهاض هذا القرار وإعادة حماس للائحة الإرهاب الأوروبي، وعلى حماس أن تمضي قدماً ضمن هذه الأجواء من أجل تفعيل الكثير من القضايا القانونية ضد قادة الكيان والجيش الصهيوني.

عليها خلال هذه الفترة أن تنشط بالاتجاه المعاكس من أجل تجريم الكيان الصهيوني المجرم وداعميه، خاصة أن طبيعة الإجرام متأصلة فيه ولا تنفك عنه وتمارس بحق شعبنا جهاراً نهاراً وفي كل أنحاء الوطن السليب وصولاً إلى هدف محدد واضح يتم من خلاله إعادة الأمور إلى نصابها بتسجيل الكيان الصهيوني وقادته على رأس قائمة الإرهاب العالمية بإفسادهم في الأرض وإهلاكهم الحرث والنسل وإشعالها فتناً وحروباً بين الأمم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التوحيد أولا ….. سورة الأنعام

اسم السورة هو "الأنعام" وعلى الرغم من ورود هذه الكلمة "الأنعام" في مواضع قليلة من …