الوقاية من نقص المناعة المعرفية.. خطوة نحو التمكين

الرئيسية » بصائر الفكر » الوقاية من نقص المناعة المعرفية.. خطوة نحو التمكين
كما أن للجسم جهاز مناعة يحميه من التأثر بالأمراض المختلفة، فإنه لابد أن يتوفر للعقل البشري حد معين من المناعة التي تحميه من التلون والانقلاب على الذات
كما أن للجسم جهاز مناعة يحميه من التأثر بالأمراض المختلفة، فإنه لابد أن يتوفر للعقل البشري حد معين من المناعة التي تحميه من التلون والانقلاب على الذات
كما أن للجسم جهاز مناعة يحميه من التأثر بالأمراض المختلفة، فإنه لابد أن يتوفر للعقل البشري حد معين من المناعة التي تحميه من التلون والانقلاب على الذات

يشهد عصرنا الحالي ثورة معرفية ومعلوماتية عارمة، تتجاوز كل الحواجز والحدود والمجتمعات، بحيث بات من المستحيل السيطرة عليها، أو حجبها عن الآخرين، خصوصاً في ظل ما نشهده من تقدم في وسائل الاتصال، ونشر المعلومات والوصول إليها.

ومما لا شك فيه أن هذه الثورة المعرفية، تمثل رافداً كبيراً لتجديد الأفكار والرؤى ومراجعتها وتقويمها، والاستفادة من تجارب الآخرين ورؤيتهم للأمور المختلفة، إلا أنها قد تسبب لدى الكثير حالة من الفوضى والتخبط، بسبب نقص المناعة المعرفية الصحيحة.

فكما أن للجسم جهاز مناعة يحميه من التأثر بالأمراض المختلفة، فإنه لابد أن يتوفر للعقل البشري حد معين من المناعة التي تحميه من التلون والانقلاب على الذات، باتباع أي فكرة حتى لو كانت تخالف أصول معتقده وثوابت دينه وقيمه.

وبمعنى آخر، فإن توفير الحد الأدنى من المعرفة الواجبة للفرد، يجعل لديه مناعة من الانقلاب عليها، بحيث يحقق التطور والمرونة في رؤيته للقضايا المختلفة، في ظل المحافظة على العقلية والهوية الواجب توفيرها.

الانطلاقة الواضحة

" لم يكن البنا يريد أن يجعل الجماعة تياراً فكرياً كغيرها من التيارات الفكرية، وإنما كان يقصد أن يوجد داخل إخوانه مناعة معرفية، تحميهم من أي فيروس ينخر في فكرهم، وفي المقابل يتعايشون مع تطور الأفكار والنظريات، بحيث يعود هذا على الدعوة بالتجديد والحيوية"

حينما أسس الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله جماعة الإخوان المسلمين، لم يكن همه أن يجعل أبناء هذه الدعوة فريسة سهلة لأية فكرة توجد العراقيل والعقبات أمام مسيرتها وخطاها. ولذلك وضع أطراً معرفية عامة تتناسب مع روح الدعوة وغاياتها، بحيث ينبغي للأخ المسلم أن يعيها بشكل واضح، فيتربى عليها، ويرسخها في ذهنه ويتعايش معها بشكل واضح.

وفي الوقت نفسه، لم يكن البنا رحمه الله يريد أن يجعل الجماعة تياراً فكرياً كغيرها من التيارات الفكرية التي كانت آنذاك، بحيث يخوض أفرادها في جدليات لا أثر لها، وإنما كان يقصد أن يوجد داخل إخوانه مناعة معرفية، تحميهم من أي فيروس ينخر في فكرهم، وفي المقابل يتعايشون مع تطور الأفكار والنظريات، بحيث يعود هذا على الدعوة بالتجديد والحيوية.

ولم يكن رحمه الله متجاهلاً للواقع الذي يعيشه، وما يطفو على سطحه من أفكار ونظريات وقضايا، فكان دائم المعالجة لها بناء على القواعد التي رسمها، حتى أصبحت مقالاته في شتى الأمور والتي ابتدأ بنشرها عام 1928م، في جريدة الفتح، والتي انتهت قبل استشهاده نهاية عام 1948م، حيث كانت في جريدة الإخوان المسلمين، تشكل ملامح فكر الإمام البنا، وإرشادات لأبناء الجماعة وقياداتهم بعدم ترك القضايا الهامة دون معالجة وإبداء رأي.

أهمية المناعة الفكرية

"لابد من إيجاد الحد الأدنى من الفكر الذي لابد أن يحمله كل من يسعى لتمكين حكم الإسلام وإصلاح المجتمع. أما الاجتهاد والتجديد في الطرح والمعالجة، فهو بلا شك يثري العقلية المعرفية ويوجد أفكاراً ورؤى جديدة تسهم في تجاوز الكثير من الأخطاء، وتحسين الأداء"

يواجه الشباب المسلم اليوم تحديات كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بصحة التصور وبوصلة الفكر والرؤية، وهي لا تتخذ لوناً معيناً، وإنما تندرج تحت مجالات مختلفة، تشابه إلى حد كبير الأمراض السارية والمعدية التي يقع ضحيتها العديد من الشباب ممن افتقدوا لتلك المناعة.

فهناك ما يؤثر على العقلية الإيمانية بإنكار السنة والاحتجاج بها، والتشكيك بما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم. بالإضافة إلى التشكيك بالمنهج الإسلامي، وقدرة الإسلام على حل المشكلات المعاصرة، والرضا بالاستبداد والخنوع، وتشويه الحرية والمطالبة بالحقوق.. إلى غيرها من الأمور.

إن إيجاد المناعة الفكرية اللازمة، يحمي الحركة الإسلامية من وجود مشكلات هي في غنى عنها، بالإضافة إلى أنه يدفع الشباب إلى تجاوز هذه العقبات في سبيل النهوض وتطوير سبل العمل والرقي.

ولا يفهم من كلامي أنني مع إيجاد قوالب فكرية جاهزة، بحيث يكون الأفراد نسخ كربونية عن بعضهم البعض، وإنما أقصد أن نوجد الحد الأدنى من الفكر الذي لابد أن يحمله كل من يسعى لتمكين حكم الإسلام وإصلاح المجتمع وتحقيق العزة لهذه الأمة. أما الاجتهاد والتجديد في الطرح والمعالجة والتأصيل، فهو بلا شك يثري العقلية المعرفية ويوجد أفكاراً ورؤى جديدة تسهم في تجاوز الكثير من الأخطاء، وتحسين الأداء ورفعته.

إن على المسؤولين والتربويين واجبات كبيرة في هذا الصدد، عبر عدم الاكتفاء بالمنهاج التقليدي فحسب، وإنما إضافة مصادر أخرى تعالج واقع الأفراد، وتعطيهم الحد الأدنى المانع من الوقوع في مستنقع الفهم الخاطىء، أو الأفكار المنحرفة، دون استخدام التلقين كأسلوب، وإنما ببيان الأسباب، ومناقشتها، بالإضافة إلى الملتقيات الفكرية والتعبوية التي تسهم في تعميق الأفكار وتكوين رأي عام حولها، وكيفية مواجهة الأفكار الشاذة والمنحرفة، وسبل تصحيحها وتصويبها إن أمكن.

إنني لا أبغي أن تكون الحركة الإسلامية فكرية بحتة تعنى بمعالجة كل كبيرة وصغيرة في مجالات الفكر والفلسفة، وإنما أن تجمع بين أمرين متوازيين، إيجاد التوعية الفكرية التي تحصن الأفراد –كالتي كان يسعى إليها البنا رحمه الله- وفي الوقت نفسه فتح المجال للنخب والمفكرين من أبناء الحركة لإيجاد محتوى علمي يجمع بين أصالة المصدر، ومنهجية البحث، وواقعية الطرح.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

معالم الطريق الصحيح في ظل الصراع والفتنة

حالة من اليأس تلبست الكثيرين ممن يعملون على الساحة العربية والإسلامية تحت راية الدعوة إلى …