حماس شكرت إيران.. يا للهول؟!

الرئيسية » حصاد الفكر » حماس شكرت إيران.. يا للهول؟!
اواب

عبارة واحدة قالها أبو عبيدة الناطق الإعلامي باسم كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، كانت كافية لإثارة الكثير من الغبار والتساؤلات وعلامات الاستفهام.

فأبو عبيدة في كلمته التي ألقاها في قطاع غزة خلال مهرجان حماس بذكرى انطلاقتها الـ27، خصّ بالشكر "جمهورية إيران الإسلامية" على ما قدمته للمقاومة من مال وسلاح "وأشياء أخرى". عبارة كانت كافية بالنسبة لوسائل الإعلام والمراقبين لإهمال جميع المواقف الأخرى وتسليط الأضواء الكاشفة على الغزل المستجد بين الجانبين.

الشكر الطائر عبر الأثير تزامن مع شكر مباشر قدمه وفد قيادي من حركة حماس كان في زيارة للجمهورية الإسلامية التقى خلالها عدداً من المسؤولين، من بينهم علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني.

لا يحتاج الأمر لكثير نباهة للاستنتاج أن الشكر الحمساوي المزدوج لم يكن عفوياً، وأن حماس بهذه الخطوة أقدمت على ما حرصت على تجنبه طوال السنوات الماضية، بعد الجفاء الذي شاب علاقتها مع إيران منذ انطلاق الثورة السورية، والدعم الذي قدمته إيران للنظام السوري مباشرة وأيضاً من خلال ذراعيْها اللبناني (حزب الله) والعراقي (أبو الفضل العباس)، لشد رُكَب النظام بعدما قارب على الانهيار. أيضاً الأمر لا يحتاج لكثير ذكاء للاستنتاج بأن ما أقدمت عليه حماس هو قرع جرس لمن يهمه الأمر بأن علاقتها مع إيران انتقلت إلى مسار جديد، وأن الحرارة عادت إلى شرايين التواصل بين الجانبين.

الاستهجان الذي لاقاه تقارب حركة حماس مع القيادة الإيرانية كان متوقعاً، خاصة أنه تزامن مع استمرار الدعم الإيراني للنظام السوري في قتل شعبه، وكذلك في دعم الحوثيين الذين يتسللون للهيمنة على اليمن السعيد، إضافة لأدوار أخرى ليست خافية في العراق والبحرين ولبنان وأماكن كثيرة... بعد كل ذلك تعيد حماس علاقتها بالنظام الإيراني؟! أين الكرامة، أين المروءة، أين النخوة، أين..؟ أليسوا إخوانكم الذين يُقتلون، أليست أعراض نسائكم التي تنتهك، ألا يستحق هؤلاء تضامناً بقطع العلاقة مع نظام يساند من يقتل ويعتدي وينتهك الأعراض ويدمر..؟!.

"المصلحة هي البوصلة في العمل السياسي، شريطة عدم التنازل عن الثوابت والمبادئ"

لست مطّلعاً على موقف قيادة حماس حول علاقتها بالنظام الإيراني (بالمناسبة هي لم تنقطع أصلاً)، ولست معنياً بتبرير مواقفها، لكنني معني بتأكيد وجهة نظر تنطبق على حماس كما تنطبق على غيرها من القوى الأخرى. لا يمكن العيش في جزيرة معزولة، لا يوجد في قاموس العمل السياسي مصطلح اسمه "قطع علاقة"، سواء كنت متفقاً مع الآخرين أو في عداء معهم، لابد من إبقاء قناة اتصال مع الجميع. ولو أرادت حماس حصر من تتواصل معهم بأصحاب اليد البيضاء في دعم القضية الفلسطينية لربما لم يتجاوز العدد أصابع اليد الواحدة، في ظل ازدياد وتيرة التكالب على حماس والقوى الحية الأخرى.

الأهم هو أن شُكر حماس لإيران يُقدم لدولة منحت دعماً حقيقياً ونوعياً للمقاومة، بخلاف حالات كثيرة وزعت فيها حماس تشكراتها على آخرين فقط من باب اللياقة. بل إن حماس اضطرت في بعض الأحيان لشكر دول لم تقدم لها أو للشعب الفلسطيني أي دعم، بل على العكس كانت تعمل ليلاً ونهاراً للقضاء على حماس وحصار الشعب الفلسطيني وتجويعه. وليس سراً أن بعض الدول تركت مصائب الدنيا ووضعت نصب عينيها القضاء على عدو اخترعته وأطلقت عليه اسم "الإسلام السياسي"، وهو يشمل حماس، إضافة للقوى التي رفضت أن تكون مجرد رقم في أجندة الأنظمة الفاسدة.

رغم كل ذلك، تحرص حماس على إبداء كل إيجابية في التعاطي مع هذه الأنظمة، وإبقاء جسور التواصل معها ولو بحدها الأدنى.

اللافت أن بعض من استهجن علاقة حماس بإيران لم يستهجن علاقات أخرى هي أشد سوءاً وإيذاء من ناحية الشكل. فعلى سبيل المثال، لا يجد البعض ضيراً في استجداء المعارضة السورية الدعم والتمويل من الولايات المتحدة، رغم أن الترسانة العسكرية التي دكت بها إسرائيل قطاع غزة هي أسلحة أمريكية تحرص واشنطن على تقديمها لتل أبيب. رغم ذلك، هل سُمع احتجاج فلسطيني بسبب استعانة المعارضة السورية بمن يساهم في قتل الشعب الفلسطيني؟! هل باتت العلاقة مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا مقبولة، بينما مع إيران مرفوضة؟!. يدرك الشعب الفلسطيني أن مصلحة الثورة السورية تقتضي الاستعانة بمن يتوفر للصمود في مواجهة بطش النظام. كما يجب أن يدرك الآخرون أن مصلحة الشعب الفلسطيني وحركة حماس تقتضي الترحيب بكل مساعدة تقدم لهم لمواجهة إجرام الاحتلال الإسرائيلي وظلم ذوي القربى الأشد مضاضة.

لا أبرر هذه بتلك، بل أؤكد على هذه وتلك. فالمصلحة هي البوصلة في العمل السياسي، شريطة عدم التنازل عن الثوابت والمبادئ، وهو ما على حركة حماس إثباته في المرحلة القادمة.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صحيفة الشرق القطرية
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الهوية الوطنية ركن من أركان الدولة الحديثة المسلمة

عن معنى الهوية: يمكننا تناول الهوية من مقاربات وقراءات شتى فنخرج بتعريفات شتى لها قد …