إستراتيجيات العمل السياسي للحركة الإسلامية

الرئيسية » حصاد الفكر » إستراتيجيات العمل السياسي للحركة الإسلامية
2015_1_14_13_6_13_244

من الأهمية بمكان وبعد تلك الممارسة السياسية المترامية الأطراف للحركة الإسلامية أن ينشغل الباحثون في وضع تصور لما يمكن أن يسمى بإستراتيجيات العمل السياسي (المعالم الرئيسية) للحركة الإسلامية في المرحلة المقبلة.

إن مثل هذه الدراسة قد تجنب الحركات الإسلامية في البلاد المختلفة ما مرت به زميلاتها عبر السنين من انتكاسات ومشاكل، أفقدتها قوتها الدافعة وشككت في قدرة الإسلام السياسي على القيادة.

وبديهي أن تتم الاستفادة من تجربة الحركة في فلسطين خلال السنوات الماضية، خاصة وأن الممارسة الفعلية على الأرض، وطبيعة المواقف العربية والإقليمية والدولية من العمل السياسي الإسلامي أصبحت أكثر وضوحاً.

ومن أجل الوصول إلى أفضل التصورات فقد تم إشراك عدد كبير من المهتمين في تحليل مشكلة المشاركة السياسية في الحكم وطبيعة تلك المشاركة وحدودها، وتم التركيز على حركة حماس باعتبارها نموذجاً للحركة الإسلامية وواجهة من واجهات حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي وتسعى لإقامة الحكم الإسلامي. وفيما يلي ملخص ذلك:

أولاً: المشاركة السياسية من عدمها

لا شك بأن عملية التغيير مهما كانت لا يمكن أن تحدث وحدها وبدون مقدمات، أو بناء على أمنيات ورغبات دون أعمال مبرمجة وخطوات مدروسة. ويبدو أن هناك إجماعاً على ضرورة المشاركة السياسية التي تبيح العديد من الامتيازات، ومن ذلك:

  1. التعرف على حجم المشاكل التي تعاني منها الدولة والمشاركة في تحمل المسئولية والأعباء في حلها.
  2. توسعة المساحة المتاحة للعمل الإسلامي، بما في ذلك حرية الحركة والوصول إلى الجماهير وإقامة المؤسسات المساندة.
  3. ضمان الخروج من قوقعة الملاحقة الأمنية واعتبار الحركة خارجة عن القانون.
  4. طمأنة الجهات الحاكمة والإقليمية والدولية على أن الحركة لا تخطط بليل للانقضاض على الحكم، وأنها بالفعل ترغب بالمنافسة السياسية الشريفة، وصولاً إلى دولة الحكم الصالح التي تحترم المواطن وتحقق رفاهيته.
  5. خدمة الجماهير وحل مشاكلها عبر تبني مطالبها العادلة.
  6. إشاعة جو من الإنسجام والأمن الداخلي وتقليل التوتر الذي يسود المجتمعات التي تنتشر فيها المنظمات السرية.
  7. اكتساب الخبرات اللازمة لإدارة المؤسسات بكافة أشكالها حتى لا تتفاجأ الحركة ذات يوم بالفوز في الانتخابات بينما تعجز عن القيام بأعباء ذلك.
  8. ممارسة النقد البناء خدمة لمصالح الدولة ومواطنيها.

ومن الممكن إضافة عدد آخر من الفوائد التي تجنيها الحركة الإسلامية من المشاركة. كما أنه من الضروري أن تهتم الحركة بنجاح تجربتها في المشاركة، وذلك عبر الدفع بالأذكياء الأكفاء والمبدعين الذين يتقنون فن الإدارة ويتمتعون بالقدرات القيادية التي تؤهلهم للقيام بواجباتهم.

ومن الخطورة بمكان أن تدفع الحركة بمن لا يجيد سوى لغة الخطابات أو اعتبار الكوتة التي حصلت عليها إنما هي من حقها ولخدمة مصالحها الخاصة، والأدهى والأمر أن تعتبر من تدفع بهم للمشاركة السياسية أنهم أحجار على رقعة شطرنج تحركهم كيف تشاء، ولا ينطقون إلا بما تشاء، وبهذا تمسخ شخصياتهم وتزدري عقولهم، فهذه ليست مشاركة سياسية ولكنها كارثة تهدد العمل السياسي والمصلحة العامة.

ثانياً: المشاركة في الحكم

إذا اعتبرنا بأن الحكم ينقسم إلى أداة تشريعية (البرلمان) وأداة تنفيذية (الحكومة) إضافة إلى القضاء، وبالنظر إلى طبيعة ودور كل منهم وتأثيره على الحياة العامة، يمكن أن نشير إلى أنه يوجد إجماع حول العمل في السلك القضائي وأية وظيفة عامة، وذلك خدمة لمصالح الجماهير، ودعماً لأركان الحكم الرشيد وأداءً للأمانة.

كما أن هناك إجماعاً أيضاً على ضرورة المشاركة في الانتخابات التشريعية، لما للمجالس التشريعية من دور هام في صياغة القوانين، والرقابة على أعمال الحكومات والمؤسسات التابعة لها.

ونجد أن الحركات الإسلامية تشارك في الانتخابات التشريعية في معظم البلاد التي تسمح بذلك، مع وجود بعض الاختلافات فيما يتعلق بالمناطق المحتلة أو تلك التي يختلف أحزابها على مدى شرعيتها أو اعتبارها حكومات صورية مدعومة بالقوة العسكرية الغربية، ولا يمكن فيها أن تكون الانتخابات نزيهة ولا شفافة، وهذا النوع من الدول ما لا يدخل ضمن إطار الدراسة.

ونجد أيضاً أن بعض الحركات الإسلامية التي امتنعت عن المشاركة في الانتخابات في دورة ما لأسباب ارتأتها، قد أدركت أنها –إن لم تكن قد أخطأت- لم تحقق مكاسب تذكر، فعادت وشاركت مرة أخرى في الانتخابات التي تلتها.

أما المشاركة في الحكومة نفسها فيرى معظم المهتمين بأن على الحركة الإسلامية المشاركة في الحكومة إن كان ذلك متاحاً، لكن على ألا يكون ذلك عبر قادتها بل من خلال الأكفاء ذوو القدرات القيادية الذين يمثلون كافة أطياف المجتمع، إذ لا يعني فوز الحركة الإسلامية في الانتخابات أن عليها أن تلغي بقية الشعب الذي لا ينتمي إليها، ولا حتى أولئك الذين منحوها أصواتهم طمعاً في تنفيذ البرنامج الانتخابي الذي اعتمدته الحركة ورأى البعض أنه يلبي مصالحهم.

إن استئثار الحركة بتولي قيادة الحكومة وتوجيهها عبر لجان خاصة ومن خارج الأطر الرسمية المتمثلة بالمجلس النيابي الذي تتحكم به أصلاً إنما يجعل الدولة جزءاً من مؤسسات الحركة، مما يقضي على الحياة السياسية والتعددية الحزبية، ويُحمل الحركة جريرة الفشل وما تخبئه الأيام.

ولعل ذلك بديهي واحتمالاته عالية إذا كانت المصادر الذاتية للدولة محدودة، وفي وجود قوى إقليمية ودولية لا تريد للنموذج الإسلامي أن ينجح.

أضف إلى ذلك أن حال الحركة الإسلامية إن وصلت إلى الحكم فهو حال طارئ، مثله مثل غيره ممن وصل إلى الحكم وتركه، وهذا يعيدنا إلى دور الحركة الإسلامية التي يجب أن تواصل اهتمامها بتحقيق الخيرية للشعب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاولة الإصلاح في كافة الميادين والمداومة على تذكير الناس بتقوى الله وضرورة تحقيق العدل والمساواة والتراحم وما يدعو له الإسلام من الأخلاق الفاضلة ومبادئ الحكم الرشيد.

إن دور الحركة الإسلامية لا يجب أن ينحصر مطلقاً في السعي للوصول إلى الحكم وإنما إذا تم الوصول إلى الحكم فهو أداة لتحقيق مقاصد الشريعة وأهداف الإسلام.

إن ما يجب أن تهتم له الحركة الإسلامية فيما يتعلق بالحكومة ليس أسماء الرؤساء والوزراء والمديرين وغيرهم من القادة وانتماءاتهم وأعدادهم بقدر اهتمامها بسياساتهم ومدى تحقيقها لمقاصد الشريعة بما فيها احترام حقوق الإنسان وتحقيق العدل والنزاهة والشفافية، والبعد عن الظلم واستغلال المناصب والاستئثار بخيرات البلاد.

من ذلك نستطيع القول بأن الأصل هو المشاركة بالدرجة الممكنة، بما يخدم أهداف الحركة الإسلامية المتمثلة بتحقيق مقاصد الإسلام، التي هي خير للعالمين، والتي تضمن حقوق المواطنين ورفاهيتهم، وفي ذات الوقت تحقق طموحات الشعب في العيش تحت حكم رشيد وصالح، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

أما ما يُثار في بعض الأحيان حول مشاركة الحركة الإسلامية في حكومة قد تعقد معاهدات أو تقرر ما يمكن أن يكون مخالف للشريعة فإن هناك اختلافاً حول استمرار المشاركة في الحكم أم الإنسحاب منه.

ومن خلال الواقع الذي نعيشه نتذكر عدم مشاركة بعض الحركات الإسلامية في الانتخابات والحكم بناءً على هذه الشبهة ومنها عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية في الأردن في حينه بحجة أن المجلس النيابي سيصادق على معاهدة وادي عربة مع إسرائيل.

وأتساءل: ماذا كانت النتيجة؟ لقد تمت المصادقة على المعاهدة وبدون معارضة تُذكر، وفقدت الحركة الإسلامية مواقعها في المجلس النيابي، وعادت لاحقاً ضعيفة لا يُسمع لها صوت.

والسؤال هنا: ألم يكن يكفي ممثلي الحركة الإسلامية أن يقفوا ليعلنوا رفضهم للمعاهدة المذكورة ويسجلوا ذلك. وهل كان بإمكان أحد أن يتهمهم بأنهم فرطوا أو قصروا إن هم اعترضوا وحافظوا على وجودهم؟.

ونفس الشبهة تتكرر بأشكال وتحت ظروف مختلفة وفي أماكن متعددة، ولا زالت الحركة الإسلامية ترغب في لعبة سياسية على مقاسها وبمواصفاتها، وإذا لم يعجبها شيء تلجأ إلى أسهل الحلول وأضعف الحلقات فتعلن رفضها للمشاركة أو الإنسحاب منها، وبذلك تترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للرأي الآخر.

ولعل المشكلة الأكبر من ذلك هي شعور النظام والمجتمع بوجود تمايز وتوتر حقيقي قد يؤدي إلى تصادم علني أو خفي بينه وبين الحركة، حيث أن النظام الحاكم دائماً يحاول جاهداً أن يحصن نفسه، كما أن وجود الشك والتوتر يحد من قدرة الحركة على العمل، ويحجم نشاطاتها، ويقلص دورها.

ثالثاً: تقييم البعد الإقليمي والدولي

من الحكمة أن نعلم بأن هذا العالم ما هو إلا شبكة واسعة من العلاقات والمصالح المترابطة. وإن كل طرف من الأطراف إنما يتحرك أولاً بالشكل الذي يحافظ على مصالحه الذاتية، وثانياً بالشكل الذي يزيد من شبكة الأمان لديه.

وللأسف فلا زالت البيئة التي تنمو وتعمل فيها الحركات الإسلامية هي بيئة لا تؤمن بالتعايش والتعاون وتداول السلطة. والسبب الرئيس في ذلك إنما يرجع لطبيعة الأنظمة الحاكمة التي أقامت دولاً بوليسية، ترى في كل من عارضها أو تبنى رأياً غير رأيها أنه عدو من أعدائها، فشككت في وطنيته وحاولت أن تجد رابطاً بينه وبين قوى خارجية معادية.

ولا يجب أن نقرأ ذلك على أنه حرص زائد من تلك الأنظمة على الوطن، وحساسية مفرطة ممن تعتقد أنهم يعملون ضد مصلحته، بل على العكس تماماً فهؤلاء –شاءوا أم أبوا– إنما يحافظون على مكاسبهم وامتيازاتهم ومصالحهم التي لا تقبل القسمة، والتي لا يريدون فيها أي منازع.

ولأن الحركة الإسلامية هي أكبر الحركات المعارضة والمنظمة والمنتشرة في المدن والقرى والأحياء، وهي الحركة المؤهلة والساعية للحكم، والتي لا تخفي معارضتها للغرب وسياساته، فكان من البديهي أن لا يرحب بها النظام الحاكم ولا النظم الإقليمية المشابهة له في كل شيء، وكذلك الحال بالنسبة للنظام الدولي الذي يرى في الحركة الإسلامية مصدر إزعاج وتحدي ومفرخة للتشدد والعمل الإرهابي.

ولعل ما حدث في فلسطين خير دليل وأكبر شارح لأهمية تقييم البعد الإقليمي والدولي عند تحديد شكل وطبيعة مشاركة الحركة الإسلامية في الحكم.

ومن ذلك أيضاً ما يجمع عليه المهتمون بشئون الحركة الإسلامية والإسلام السياسي من تأييد واعتراف الدول الإقليمية والمجتمع الدولي لنتائج الإنتخابات التي قد تجريها السلطة في موعدها أو لاحقاً، بالرغم من معارضة حماس لها وبالرغم من اقتصار الانتخابات على الضفة دون غزة.

ولأن السلطة الفلسطينية تعلم مواقف الأطراف بشكل جيد لا لبس فيه فقد أعلنت عن احتمالية عقد انتخابات على أساس نسبي كامل في موعدها الدستوري إذا فشل الحوار.

وفي هذه الانتخابات سيتم الترشيح عبر قوائم تضم ممثلين عن الضفة وغزة بما يتيح تشكيل مجلس تشريعي يضم الضفة وغزة، حتى لو منعت حماس إجراء الانتخابات في غزة.

وفي هذه الحال نجد أن هناك إجماعاً على أن المجتمع الدولي سيعترف بتلك النتائج وسيؤيدها بقوة وكذلك الحال بالنسبة للدول الإقليمية، مما يجعل الوضع القانوني لحماس وحكومتها في غزة في وضع صعب وفاقد للشرعية الانتخابية، وقد يبرر أعمالاً عسكرية وعقوبات غير مسبوقة على قطاع غزة، أو على الأقل يطيل من أمد الحصار ومعاناة سكان القطاع، وبالذات إذا تم إتخاذ إجراءات تزيد الأعباء المالية على حماس وتجفف مصادر تمويل الحركة، مما سينعكس سلباً على حماس ومستقبلها.

ولا زال الوضع غامضاً إذا ما كان من الأفضل أن تشارك حماس في تلك الانتخابات أم لا، في الوقت الذي استبعدت فيه حماس إجراء انتخابات قبل التوافق عليها.

من المؤكد أنه ليس من المقبول أن تجري انتخابات دون توافق، لكن في ظل المصلحة الإقليمية والدولية ورغبتها في استئثار مؤيديها بالسلطة فإنه من المرجح أن يساعد ذلك في إجرائها وتقبل نتائجها.

لكن في نفس الوقت ليس مقبولاً أن يبقى الحال على ما هو عليه لسنوات طويلة قادمة حيث اعتقال أبناء الحركة الإسلامية، وفصلهم من أعمالهم، وإغلاق المؤسسات الخدمية التابعة للحركة، واستمرار ملاحقتها والتضييق عليها.

فإذا كانت حماس غزة تستطيع التعايش مع هكذا وضع فهل تستطيع حماس الضفة ذلك أيضاً وحتى متى؟ أم أن على كل فريق أن يفكر في مصلحته على رقعة الأرض التي يعيش عليها، وبما يخدم أهداف الحركة الكلية؟.

كذلك هل وصلت الحركة الإسلامية إلى هذا المستوى من الفكر الذي يفهم ما يمكن أن يشار إليه على أنه تناقض واختلاف –وربما انشقاق– على أنه تكامل ولعب أدوار؟.

وحتى لو لم تفز الحركة الإسلامية في الضفة –إن قررت المشاركة في الانتخابات– فهل يمكن في ضوء ما تقدم أن يكون ذلك داعماً لمقاصد وأهداف الحركة أم مكرساً أكثر للوضع القائم والقاتم هناك في الضفة من ملاحقة وتشديد على الحركة؟.

هذه الأسئلة لم يتم التوافق عليها بعد، ونرجو أن تتم دراستها أكثر من قبل المهتمين، حتى لا تفاجئنا الأحداث والتواريخ، وحتى نتمكن من العمل الجاد لتحقيق أكبر المكاسب وتجنب الخسائر.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • مركز الشرق للدراسات 
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …