اذكروا صاحب الرّغيف!

الرئيسية » بصائر تربوية » اذكروا صاحب الرّغيف!
bread34-saidaonline

عن أبي بردة قال: لما حضر أبا موسى الوفاة؛ قال: يا بني اذكروا صاحب الرغيف. قال: كان رجل يتعبد في صومعة -أراه قال: سبعين سنة- لا ينزل إلا في يوم أحد. قال: فنزل في يوم أحد، قال: فشبَّه الشيطان في عينه امرأة، فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال، قال: ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد، فآواه الليل إلى دكان عليه إثنا عشر مسكينًا، فأدركه الإعياء، فرمى بنفسه بين رجلين منهم. وكان ثمَّ راهب يبعث إليهم كل ليلة أرغفة، فيعطي كل إنسان رغيفًا، فجاء صاحب الرغيف؛ فأعطى كل إنسان رغيفًا، ومرَّ على ذلك الذي خرج تائبًا، فظن أنه مسكين، فأعطاه رغيفًا، فقال المتروك لصاحب الرغيف: مالك لم تعطني رغيفًا، ما كان إليّ عنه غنى؟ فقال: أتراني أمسكته عنك؟ سل هل أعطيت أحدا ًمنكم رغيفين؟ قالوا: لا. قال: تراني أمسكته عنك؟ والله لا أعطيك الليلة شيئًا، فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه، فدفعه إلى الرجل الذي ترك. فأصبح التائب ميتًا، فوزنت السبعون سنة بالسبع ليالي فلم تزن، فوزن الرغيف بالسبع ليالي فرجح الرغيف. فقال أبو موسى يا بَنِيَّ اذكروا صاحب الرغيف.

[أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (35353) بإسناد رجاله ثقات. وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه؛ أخرجه ابن أبي شيبة (9906و35352)، والبيهقي في «الشعب» (3488) بإسناد رجاله ثقات].

في هذا الأثر يقصّ أبو موسى الأشعري على أولاده قصة عابدٍ من أهل الكتاب، تفرّغ لعبادة الله سبعين سنة معتزلًا الناس، فنـزل في يوم أحد -وهو عيد النصارى- فرأى امرأة جميلةً؛ فوقع حبّها في قلبه، وشغله عن حبّ مولاه؛ فوقع في المعصية.

ثمَّ ندم على فعله، وعزم على التوبة، فكان يكثر من الصلاة؛ لأن الصلاة من مكفرات الذنوب؛ كما قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، (هود: 114).

"لا ينبغي للعبد أن يغتر بعمله، ولا يأمن مكر الله، فالحي لا تؤمن عليه الفتنة"

وبينما هو يسير آواه المبيت إلى دكان على بابه إثنا عشر فقيرًا؛ يأتون كل يوم يأخذون مخصصاتهم من الطعام، فدخل بين إثنين منهم، فأعطاه الرجل حصة غيره، فلما انتهى توزيع الطعام طلب الفقير الأخير حقه؛ فاستغرب صاحب الرغيف، وظن أنه أعطى رجلًا منهم رغيفين، فلما تيقن أن ذلك لم يحدث، وألح عليه الفقير أعرض عنه، ولم يعطه شيئًا، هنا أخذ العابد التائب الرغيف الذي أخذه، وأعطاه للفقير؛ فأصبح ميتًا؛ فعرضت أعماله على الله -عز وجل-؛ فوزنت عبادة السبعين سنة بالسبع ليال التي قضاها في معصية الله، فرجحت السبع ليالي؛ لأنه استهان بالمعصية، وتجرَّأ على مقام ربه، ولذلك قال السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظم من عصيت. ثم وزنت السبع ليال بالرغيف؛ فرجح الرغيف؛ لأنه رحم عباد الله؛ فرحمه الله، قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)).

بصائرُ من الحديث:

1- أهمية القصص الحق في التربية الربانية، والثبات على الحق، وأنها من جند الله: أنزلها في كتابه الكريم، واستعملها الرسول العظيم في تثبيت المؤمنين على الطاعات، وعدم القنوط من رحمة رب العالمين، ولذلك ذكَّرَ بها أبو موسى الأشعري بنيه وهو في سياق الموت.

2- لا ينبغي للعبد أن يغتر بعمله، ولا يأمن مكر الله، فهذا الرجل عبد الله سبعين سنة، ومع ذلك تعرض لفتنة الشهوات؛ فالحي لا تؤمن عليه الفتنة.

3- شدة خطورة فتنة النساء على الرجال، فأعظم فتنة على الرجال هي النساء: «فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة في بني إسرائيل كانت في النساء». وهذا واضح في سقوط هذا العابد في فتنة النساء بعد ما زين الشيطان في عينيه تلك المرأة وحلاّها.

4- المعصية لها حجاب يحول بين القلب ونور الله، ولها غطاء يغطي على العقل، ولذلك وصفت الليالي التي قضاها الرجل في المعصية بالغطاء.

5- المتقون إذا وقعوا في معصية، واقترفوا ذنبًا: تداركتهم رحمة الله؛ فكشف عنهم الغطاء: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)، [الأعراف: 201].

6- من تصدَّق بصدقة يبتغي بها وجه الله قبلت منه، وإن وقعت في يد غير محتاج لها، فصاحب الرغيف أعطى الرجل التائب وهو يظنه مسكينًا، وهو ليس كذلك. ويدل على ذلك جملة أحاديث، منها قصة الرجل الذي تصدق على الزانية والغني والسارق.

"لا تحقرن من المعروف شيئًا؛ فإنك لا تعلم أي خير ينفعك ويقيك عذاب يوم عظيم"

7- لا تحقرن من المعروف شيئًا؛ فإنك لا تعلم أي خير ينفعك ويقيك عذاب يوم عظيم، وتأمل كيف وزن الرغيف الذي تصدق به التائب بالسبع الليالي التي عصى الله فيها؛ فرجح الرغيف مع أن السبع الليالي رجحت سبعين سنة طاعة.

8- لا ينبغي أن يقنط العبد من رحمة الله، فهذا العبد التائب وقع في المعصية، ثم خرج تائبًا، ثم أطاع؛ فصلى وسجد، ثم تصدق؛ فختم له على طاعة، لأنه لم يقنط من رحمة الله.

9- تَصَدَّق قليلًا وأُجِرَ كثيرًا؛ ففي ذلك تحقيق قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، [يونس: 26].

10- هذا العبد الذي عبد الله سبعين سنة، ثمَّ عصى الله سبع ليالي، ثم خرج تائبًا صدق الله في توبته؛ فصدقه الله، فمات تائبًا وغفر له.

11- وهذه الأحاديث التي تضَّمنت هذه القصص فيها حضٌّ على الخير، وترغيب في الصدقة، ومحاربة شحّ النفس، وليس طريقًا للذين يحبّون الشهوات يقدمون بسببها على الكبائر والموبقات، مغترين برحمة الله، فمن الذي يضمن حسن الخاتمة، ويأمن سوء العاقبة.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • التوبة
  • الصلاة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    الأستاذ عدنان أبو هليل، خرّيج الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة، والكاتب والخبير والمستشار التربوي.

    شاهد أيضاً

    تسع نصائح تربوية تساعدك في تحسين شخصية الابن العنيد

    كي لا ييأس الوالدان من الوصول إلى نتيجة مرضية مع أطفالهما، أؤكد على أن حيرة …