التدريب في الإسلام.. نظرة تأصيلية

الرئيسية » خواطر تربوية » التدريب في الإسلام.. نظرة تأصيلية
trainees_in_class

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، لذا حرص القرآن الكريم على أن يحفظ للمسلمين قيم الإعداد والتهيئة وموقعها من بناء هذه الأمة ([1])، والاتباع وليس الابتداع هو المنهج العملي للاقتداء بسنة سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، انظر قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].

وقد يجد الباحث أنه من المناسب أن نشير بإيجاز إلى منهج إعداد وتهيئة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الإعداد وهذه التربية من صنع الله سبحانه وتعالى لنبيه المصطفى، ثم نعرض لمنهج الرسول في إعداده وتدريبه لصحابته الأجلاء رضوان الله عليهم.

1- التهيئة والإعداد لسيدنا رسول الله: صلى الله عليه وسلم

  • أن خط الكمال الوراثي لم ينقطع أبداً بين إبراهيم خليل الله وبين محمد خاتم النبيين إذ لم تسقط منه حلقه ولم تحل منه عروة فسيرة آبائه وأجداده خيار من خيار.
  • الدروس المستفادة من "يتم" رسول الله rفوفاة والده وهو في بطن أمه، ووفاة أمه وهو في الخامسة، ووفاة جده وهو في الثامنة، لإعداده لتحمل أقصى الصدمات وأشدها عند تصديه للبلاغ.
  • زهد المرضعات في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وجده سيد قريش، وهذا يوضح لنا قيم جده الخالية من الإرهاب والجبر.
  • دروس التهيئة للاعتماد على النفس واستقامة اللهجة العربية الفصيحة، والقوة البدنية وذلك عندما أخذته حليمة السعدية إلى مضارب بني سعد وهو طفل.
  • دروس التهيئة والإعداد في مجال القيادة وحل المنازعات بين الناس وكيفية التعامل معهم، وذلك من خلال اصطحاب جده عبدالمطلب للحفيد المبارك في مجلسه رغم تعارض ذلك مع أعراف البيئة وتقاليدها، فلم يكن يسمح للأطفال بمصاحبة الكبار.
  • دروس التهيئة في البر بالارحام، وإمكان التعاون في أمور الدين والدنيا مع الناس حتى ولو اختلفت العقائد، وذلك من خلال كفالة عمه أبو طالب والصلة القوية التي ربطت بينهما واستمرت بعد الدعوة إلى الإسلام.
  • دروس التهيئة في مجال الأسفار والانتقال وهو في الثامنة عشرة من عمره، وفيها اكتسب مهارة الاتصال، ومعرفة الأسواق، والعوامل التي تتحكم في العرض والطلب والصبر على احتمال مشاق السفر، والإلمام بالخبرات الاقتصادية التي تحتاج إليها الشعوب والأمم.
  • الممارسة التي تتسم بسرعة التصرف والحسم في مواجهة المشاكل وإنهاء الخلاف، وتحقيق رضاء الجميع، فقد اختلفت قريش على الحجر الأسود ومن يقوم بوضعه في مكانه وكان احتكامهم لأول داخل عليهم، وكان أو داخل الكعبة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطى درساً عليه الصلاة والسلام في أعمال العقل وحل النزاعات وحسمها من خلال الاحتكام إلى العقل وليس السيف.
  • دروس التهيئة في مجال الاستقلال باتخاذ القرار بعد التأمل المستقل المجرد، والمراجعة الشاملة والدقيقة لمحصلات القيم والخبرات والمعارف بعيداً عن المؤثرات والمعوقات – ووصولاً إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ([2]).

وجاءت لحظة الوحي وتكاملت في الصادق الأمين كل معالم الإعداد والاستعداد التي جعلت منه بفضل الله أكمل وأصلح إنسان لتحمل الدعوة، وكانت أول آية في القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1].

2- التهيئة والإعداد لصحابة رسول الله: صلى الله عليه وسلم

وتتابعت مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية وتعليم وتدريب أصحابه على تحمل مشاق الدعوة، وإبلاغها حتى ارتبطت النتائج بالمسببات وكان حصيلة تهيئة وإعداد "رسول الله" صلى الله عليه وسلم.

"ونحن بصدد الصحوة الإسلامية، فليس أمامنا إلا طريق الإعداد والتهيئة والتدريب بنفس المنهاج الإسلامي الذي طبقه رسول الله"

 قوله "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وكان ذلك تعبيراً عن المستوى العلمي والعملي الذي وصل إليه صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال تربيته وإعداده لهم وفي هذا يقول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 29].

وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعوة إلى دينه ضعيفاً، فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه، فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان([3]).

ومن أبرز برامج التدريب شدة وقسوة على الصحابة في الحديبية من خلال عدة مواقف نشير إلى واحد منها فيما يلي:

وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بدخول مكة والمسجد الحرام إلى درجة أنهم أحرموا وساقوا الهدى أمامهم. وقد حالت قريش بين المسلمين وبين دخول مكة ونزل الرسول على رغبتهم وأمر أصحابه بالتحلل من الإحرام، وكان ذلك موقفاً تدريبياً لاختبار قوة إيمان أصحاب النبي – فلم يسبق أن تخلفت نبوءته، وبشرياته، وأخباره.

وأثمرت نتائج الإعداد والتدريب والثقة في الله ورسوله فاستردوا صحابة الرسول طبيعتهم، وفاءوا لطاعة الله ورسوله، وعادوا أكثر طاعة وإيماناً وثباتاً وتصديقاً.

لذلك ونحن بصدد الصحوة الإسلامية، فليس أمامنا إلا طريق الإعداد والتهيئة والتدريب بنفس المنهاج الإسلامي الذي طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويحث منهج الإسلام على العلم والتعلم، فيقول تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114]، ويقول تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [النحل: 78]، ومنهج الإسلام في ذلك أن يتعلم الإنسان وينمي قدراته ليكون قادراً على أعمار الأرض واكتشاف النعم والطيبات التي خلقها الله على ظهر الأرض وفي باطنها وفي البحار والسموات بما يحقق مصالحه ومنافعه فيقول تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية: 13].

وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واتقان العمل وإحسانه والتفاني واجب فينبغي التدريب لإتقان العمل وإحسانه والاجتهاد في تجويده ([4]).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدرب أصحابه حينما يكلفهم بالأعمال فيقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه – قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى اليمن فقلت يا رسول الله، إني شاب وتبعثني إلى أقوام ذوي أسنان، قال فدعا لي بدعوات، ثم قال إذا أتاك الخصمان فسمعت من أحدهما فلا تقضين حتى تسمع من الآخر فإنه أثبت لك ([5]).

ووظيفة الدعوة والبلاغ والهداية في الإسلام تحتاج إلى مهارات تحددت في هذا الحوار بين الله سبحانه وتعالى وسيدنا موسى، وقد حددها سيدنا موسى فهي فصاحة اللسان، وشد الأزر، واختيار من يصلحون لشد الأزر والمشاركة في الوفاء بالمهمة، قال تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) [طه: 27: 32].

وفي آية أخرى ذكر سيدنا موسى صراحة المهارات التي يتمتع بها هارون فقال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) [القصص: 34].

ونرى سيدنا موسى طلب لنفسه في الآيات الأولى المهارات والعون من الله سبحانه وتعالى للوفاء بالمهمة وفي الثانية اختار أخيه هارون لتفوقه في هذه المهارة واستجاب الله سبحانه وتعالى لسيدنا موسى، قال تعالى: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) [طه: 36]، وقال أيضاً: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) [القصص:35].

وهذا يوضح أن الوفاء بالمهمات على الوجه الأكمل يتطلب توافر المهارات التي تمكن من أدائها والأخذ بالأسباب في توفير هذه المهارات والتدريب عليها ومداومة هذا التدريب باعتباره عملية مستمرة.

وفي خطابات الخلفاء الراشدين إلى عمالهم "يحدد بجلاء أن التدريب والمتابعة، والحث على العلم والتعلم عملية مستمرة لا تتوقف أبداً، كما أنهم كانوا يعلمون فضل العلم ومكانته والمرونة اللازمة في ممارسة تطبيق الشرائع، فقد لاحظ الأثرياء من أهل المحلة أن سيدنا عبدالله بن المبارك ينفق أمواله في مكان خارج المحلة – فسألوه فقال لهم: "أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق أحسنوا طلب العلم والحديث ونشره بين الناس، بحاجة الناس إليهم احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم وإن أعناهم نشروا العلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أعرف بعد النبوة أفضل من بث العلم، وهذا يوضح لنا فضل العلم وأهله ووجوب رعاية الأولويات والمحافظة عليها، ويوضح بصورة أخرى المرونة في تطبيق نصوص الإسلام استلهاماً لروحه ([6]).

------------------------------------------------------------------------------------------------------
([1]) د. حسن صالح العناني، التهيئة والإعداد لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (قبرص: المعهد الدولي للبنوك والاقتصاد الإسلامي، 1983)، ص186.
([2]) المرجع السابق، ص ص 187 – 190.
([3]) المرجع السابق ذكره، ص187.
([4]) الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الجزء الرابع، ص47.
([5]) المرجع السابق، ص49.
([6]) د. حسن صالح العناني، خطبة الجمعة، (طلبة برنامج الفروع الثالث 28/8 – 28/10/1983)، (قبرص: المعهد الدولي للبنوك والاقتصاد الإسلامي، 1983).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

بين إدراك الحاجات والانسياق وراء الشهوات

كثيرا ما يتحدث علماء الأخلاق والتربية عن ضرورة تعهد الإنسان نفسه ومن يعول وضبطهم بالأخلاق …