المقاومة ردٌّ للعدوان ودفعٌ للظلم.. تجارب من التاريخ الإنساني المعاصِر

الرئيسية » بصائر الفكر » المقاومة ردٌّ للعدوان ودفعٌ للظلم.. تجارب من التاريخ الإنساني المعاصِر
jerusalem9

يسير المرجفون في المدينة، في هذه الأيام، بالكثير من القصص والحكايا التي تحاول أن تفُتَّ من عضد المقاومة، وفصمها عن حاضنتها الشعبية، وذلك من خلال الكثير من المحتوى المغلوط وغير المنطقي، وتكذبه حقائق التاريخ.

يتحدثون عن "الدمار" الذي قادت إليه المقاومةُ الأمةَ، سواء المقاومة ضد العدو الظاهر، المستعمِر البغيض، من قوى الاستكبار الإقليمية والعالمية، وعلى رأسها التحالف الصهيوني الغربي، الذي تتزعمه الولايات المتحدة، أو الحاكم المستبِد وأنظمة الظلم والفساد.

يكلموننا -دائمًا- عن الخراب الذي حل بطرابلس وصنعاء ودمشق وحلب وحمص وبغداد وغزة، بسبب المقاومة، التي تحولت إلى "إرهاب" في أدبياتهم، ويكلموننا عن ناطح الصخرة التي أوهنت قرن الشاة، في إشارة إلى قوى الاستكبار والظلم، التي تعيث في أمتنا فسادًا وخرابًا، من الداخل والخارج، ويتساءلون مستنكرين: كيف تواجهونهم، وهم معهم القوة والسلطان والنيران؟!

وتزداد هذه الإرهاصات كلما حققت المقاومة أي انتصار على الأعداء، في أي مكان من هذه الأمة، وخصوصًا في فلسطين، التي تعرف الصراع القيمي الأساسي الذي تخوضه هذه الأمة، وتدور على أرضها رحى الحرب الحقيقية، التي كل ما دونها من حروب وأزمات في المشرق العربي والإسلامي؛ إنما هو للتغطية عليها، ولتمرير المشروع الصهيوني وصيروراته في أمتنا.

"الدمار الحقيقي، إنما هو من سُرَّاق الأوطان الفعليين؛ الأنظمة التي تستبيح لنفسها ثروات الأوطان، وتضع نفسها فوق إرادة شعوبها، ومن الاستعمار الذي يدخل بأقدامه الثقيلة ودباباته وشركاته"

وهم بذلك يحاولون أن ينتزعوا من الأمة ثقتها بنفسها، وأن يلغوا أية احتمالية لأن يخرج من بين ظهرانيها، من يتصدى لهم، ويهدد مصالحهم.

إن تجارب الأمم والتاريخ لتثبت، بالدليل القاطع، والحَدَث الأكيد، أن ما يقوله هؤلاء إنما هو محض هراء وافتراء، وأن الدمار الحقيقي، إنما هو من سُرَّاق الأوطان الفعليين؛ الأنظمة التي تستبيح لنفسها ثروات الأوطان، وتضع نفسها فوق إرادة شعوبها، ومن الاستعمار الذي يدخل بأقدامه الثقيلة ودباباته وشركاته؛ لكي يسرق قوت الأطفال، وخبز الناس، وما فوق الأرض، وما تحتها من ثروات.

إن هذا المدرَك، كان هو أهم جوانب المحتوى القيمي الذي انطلقت منه حركات المقاومة الشعبية الناجحة عبر التاريخ؛ حيث حددت الشعوب الحرة الواعية، لنفسها هدفًا لا تحيد عنه، وهو تحرير نفسها من ربقة العبودية لمستعمر أو لحاكم ظالم، مهما كانت التضحيات، لأن التحرر والإصلاح هو أول خطوات البناء الحضاري السليم والمتين الذي يدوم طويلاً.

قادت هذه القناعة أو المُدرَك لدى الشعوب المقاوِمة عبر التاريخ، إلى عدد من الجوانب الحركية، على رأسها تعبئة الأمة ومواردها ماديًّا ومعنويًّا خلف الهدف الأسمى، وهو نيل حريتها، مع عدم السماح لأي شيء بأن يعطل مسيرتها.

الجانب الآخر المهم الذي ربَّت طليعة هذه الشعوب أبناءها عليها، هو تحمُّل التضحيات مهما كانت، وتجاوز النظرة القاصرة للحاضر المرير، إلى النظر إلى الآفاق المستقبلية التي تحمل كل وعود الرخاء والبناء والتنمية والعمران الحضاري، والتي لأجلها تهون كل معاناة الحاضر وكآبته.

والمتأمِّل لتجارب التاريخ القديم والحديث؛ سوف يجد أن هذا الحديث ليس من نافلة القول، أو خطبًا حماسية؛ بل هو قانون شديد الأهمية ونافذ، من قوانين العمران البشري.

"المقاومة، هي سُنَّة من سُنَن التدافُع التي وضعها الله عز وجل في خلقه، من أجل حماية الإنسانية من طغيان الطغاة، وفساد المفسدين"

فالمقاومة، هي سُنَّة من سُنَن التدافُع التي وضعها الله عز وجل في خلقه، من أجل حماية الإنسانية من طغيان الطغاة، وفساد المفسدين.

يقول الله عز وجل: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سُورة "البقرة"- من الآية 251].
وفي سُورة "الحَج"، يقول: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)}.

والآيات الأخيرة واضحة؛ فهي تتكلم عن أحقية الشعوب المستضعفة في مقاومة جلاَّديها وسارقيها ومن يحاولون استعبادها، وأن الله عز وجل، فرض على نفسه نصر هؤلاء المظلومين المستضعفين.

كما تؤكد هذه الآيات على أن المقاومة ليست دمارًا ولا تقود للخراب، كما يحاول المرجفون في المدينة أن يقنعوا ضعاف العقول والنفوس، ومن هم ليسوا على درجة الفهم الكافي لإدراك هذه الحقائق.

فالمقاومة هنا، وقتال المستعمرين، وحرب الظالمين الذين يخرجون أصحاب الحق من ديارهم، ويسعون في الأرض فسادًا، وهي في الآيات صنو التدافُع، إنما هي ضمانة أساسية للحفاظ على العمران البشري والحضارة.. {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ".. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}.

وحقائق التاريخ تؤكد هذا المنهج القرآني، لأن سُنن الله تعالى نافذة، وهو كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
كان الأمريكيون خلال حرب فيتنام، يقصفون القرى الفيتنامية بالنابالم، وبالعامل البرتقالي السام، وبمختلف أشكال أسلحة الدمار التقليدية وغير التقليدية، واستعملت الولايات المتحدة في هذه الحرب الوحشية التي دامت أكثر من عقد ونصف من الزمان، قوة نيران تفوق ما تم استخدامه على جبهات أوروبا في الحرب العالمية الثانية.

مات من الفيتناميين ثلاثة ملايين، ودمرت بلادهم، ورغم ذلك لم يتوقفوا حتى انتصروا على خصومهم، وفرضوا على الولايات المتحدة، أكبر قوة في عالم اليوم، التفاوض من أجل استرجاع رفات جنودهم القتلى، وخروج الباقين الذين كانوا في حكم المحاصَرين من قوات الـ"فيت كونج" التي مثلت الطليعة المقاتلة للشعب الفيتنامي الذي وقف خلف المقاومة بحياته بالمعنى الحرفي للكلمة.

هُزِمَت الولايات المتحدة في فيتنام، ولم تزل مرارة هذه الهزيمة في حلق القوة الأعظم في عالم اليوم.

"لو تحررت فلسطين؛ واستكمل الفلسطينيون مسيرتهم الحضارية مستقلين؛ سيبنون ما تم تدميره في وقت وجيز للغاية"

خصوم غاندي اتهموه بأنه يدمِّر رزق البسطاء بمقاطعته الغزول البريطانية والملح الإنجليزي، مصدر رزق الغالبية الكاسحة من فقراء الهند.. والآن؟!.. أين هي الهند؟!.. وأين هم دُعاة الاستسلام والانهزامية؟!.

إن الهند التي رآها غاندي، هي واحدة من أكبر قوى العالم الآن، اقتصاديًّا وعلميًّا، وصاحبة ترسانة عسكرية تقليدية ونووية، من الأكبر والأقوى في العالم، وترنو إليها أنظار مختلف شعوب العالم، كنموذج للتنمية والتطور والتعايُش.

وترد هذه النماذج، وغيرها، على أصحاب النظرة القصيرة -على سبيل المثال- الذين يزعمون أن نشاط المقاومة في غزة يستتبع ردًّا إسرائيليًّا مدمرًا، وهو خطأ.. لو تحررت فلسطين؛ واستكمل الفلسطينيون مسيرتهم الحضارية مستقلين؛ سيبنون ما تم تدميره في وقت وجيز للغاية، كما فعل الفيتناميون والهنود وغيرهم.

إن الاستعمار في المقابل، هو الذي خرَّب العراق، وضيع أوطانًا أخرى جميلة في عالمنا العربي والإسلامي، ويسرق الموارد الآن من الخليج العربي، وهو الذي يعبث في مقدساتنا في فلسطين، وأبدًا ما كانت المقاومة إلا ردًّا للعدوان، ودفعًا للظلم، وحمايةً للعمران.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …