بعد ستة قرون.. هل نشهد الطرد الثاني للمسلمين من أوروبا؟!

الرئيسية » بصائر من واقعنا » بعد ستة قرون.. هل نشهد الطرد الثاني للمسلمين من أوروبا؟!
كما شملت موجة العنف العنصرية تلك المساجد ومصالح أخرى تخص المسلمين في كل من هولندا والسويد وألمانيا، بما في ذلك الاعتداء بالضرب على أي شخص "يشبه" العرب المغاربة في باريس
كما شملت موجة العنف العنصرية تلك المساجد ومصالح أخرى تخص المسلمين في كل من هولندا والسويد وألمانيا، بما في ذلك الاعتداء بالضرب على أي شخص "يشبه" العرب المغاربة في باريس
شملت موجة العنف العنصرية المساجد ومصالح أخرى تخص المسلمين في كل من هولندا والسويد وألمانيا، بما في ذلك الاعتداء بالضرب على أي شخص "يشبه" العرب المغاربة في باريس

"المسلمون هم أول ضحية لحادثة "شارلي إيبدو".. بهذه العبارة التي لا تجافي كثيرًا حقائق الواقع، عبَّرت أوساط مسلمي فرنسا عن نتيجة ما جرى ويجري في بلادهم هذه الأيام، مع تصاعد أعمال العنف العنصرية الموجهة ضدهم وضد مساجدهم، منذ وقوع حادثة إطلاق النار على صحيفة "تشارلي إيبدو"، وصحفييها، قبل عدة أيام.

كما شملت موجة العنف العنصرية تلك المساجد ومصالح أخرى تخص المسلمين في كل من هولندا والسويد وألمانيا، بما في ذلك الاعتداء بالضرب على أي شخص "يشبه" العرب من أصول مغاربية، في شوارع العاصمة الفرنسية، باريس، عاصمة حقوق الإنسان والنور والحريات في العالم، كما يقولون عنها!

الإطار الراهن للتعامل الإعلامي مع الحدث يشير إلى أن الأخوَيْن كواشي ومن كان معهما خلال تنفيذ هذه العملية، قد قاموا بذلك "انتقامًا" من الصحيفة بسبب قيامها، في العام 2012م، بإعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، التي نشرتها عدد من الصحف الدانماركية، مثل "يولاندز بوستن"، في الفترة ما بين عام 2006م و2012م.

"ما يجري في أوروبا الآن، جزء من مخطط أوسع نطاقًا يستهدف الوجود العربي والإسلامي في الغرب، بشكل ربما لم يُعرف له مثيلاً من قبل منذ سقوط الأندلس وبدء محاكم التفتيش المسيحية الكاثوليكية"

إلا أن هناك عددًا من الحقائق التي لا تقبل الجدل، لارتباطها بأحداث ووقائع على الأرض، تشير إلى أن الأمر لا يسير على هذا النحو، خصوصًا مع التباعد الزمني بين مبرر الحدث والحدث نفسه، وأن ما يجري في أوروبا الآن، إن هو إلا جزء من مخطط أوسع نطاقًا يستهدف الوجود العربي والإسلامي في الغرب، بشكل ربما لم يُعرف له مثيلاً من قبل، منذ سقوط الأندلس وبدء محاكم التفتيش المسيحية الكاثوليكية في تصفية كل الوجود العربي والإسلامي في شبه جزيرة أيبيريا وجنوب فرنسا، بالحديد والنار، بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، عام 1492م.

وهناك العديد من المؤشرات التي ترقى لمستوى الأدلة على هذا الذي نقول، والتي تقول إن التنامي الحاصل حاليًا، وبشكل غير مسبوق، للوجود الديموجرافي -بما لذلك من تأثير سياسي وثقافي وقيمي- للمسلمين في أوروبا، قد أقلق دوائر التحالف الصهيوني المسيحي الغربي، وبات يفكر في كيفية وضع حد لهذا المد الذي يهدد -بعد بضعة عقود- بتحول أوروبا بأكملها إلى الإسلام.

وزاد من هذا القلق وضوح دخول عشرات الآلاف من الأوروبيين أنفسهم، إلى الإسلام؛ فلم يعد هو دين المهاجرين من المغرب العربي وآسيا الوسطى والعراق وغيرها من بقاع العالم العربي والإسلامي؛ بل صار هو دين أصحاب الأرض أنفسهم.

ومن بين أهم المظاهر التي تبرز انتقال الوجود البشري الإسلامي في أوروبا، إلى مستويات تأثير سياسية ومجتمعية عميقة، نتائج الحراك السياسي والإعلامي والاجتماعي، الذي بدأته دوائر العرب والمسلمين في أوروبا، منذ العام 2007م و2008م، فيما يتعلق بالحصار الصهيوني على قطاع غزة، والاعتداءات المتواصلة على القطاع.

فلقد أدت أنشطة الأطر المؤسسية والجهود الفردية العادية لمسلمي أوروبا، وخصوصًا أبناء الجاليات الفلسطينية هناك إلى نتائج سياسية ضخمة، وصلت إلى مستوى اعتراف برلمانات عدد كبير من الدول الأوروبية، ومن بينها حلفاء تقليديين لدولة الاحتلال، مثل فرنسا وإسبانيا بالدولة الفلسطينية، وانطلاق حملة مقاطعة اقتصادية وأكاديمية لدولة الاحتلال بشركاتها وجامعاتها، واستصدار قرار من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، برفع اسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، من قائمة الإرهاب الأوروبية.

ولكي نتصور حجم هذه "المشكلة"- "مشكلة" تنامي الوجود السياسي والديموجرافي للمسلمين في أوروبا -بالنسبة لدوائر الصهيونية المسيحية العالمية، فإننا فقط نشير هنا إلى نسبة وجود المسلمين "كمواطنين" في عدد من دول أوروبا الرئيسية، والتي بعضها يُعتبر موطنًا للكنائس الغربية الرئيسية، وحامي حمى الصليب على مستوى الغرب والعالم بأكمله، من دون أدنى مبالغة.

فبحسب إحصائيات المفوضية الأوروبية؛ فإن المسلمين يشكلون ما نسبته 2 إلى أربعة بالمائة، من تعداد سكان إيطاليا، لوكسمبورج، النرويج، صربيا، سلوفينيا، وإسبانيا، وما بين خمسة إلى عشرة بالمائة، من تعداد سكان كل من النمسا، بلجيكا، بلغاريا، فرنسا، ألمانيا، هولندا، السويد، وسويسرا.

أما بشكل عام، فإن تعداد المسلمين في أوروبا، وصل إلى حوالي 53 مليون نسمة، بنسبة 5.2 بالمائة، ويشمل هذا التعداد، مسلمي روسيا والقسم الأوروبي من تركيا، أما على مستوى دول الاتحاد الأوروبي، فإن تعداد المسلمين، يبلغ نحو 16 مليون نسمة، بنسبة 3.2 بالمائة من تعداد سكان هذه الدول.

هذا التنامي العددي والنوعي في تأثيره، قاد إلى قلق غير خفي، ويعبرون عنه صراحة، في الدوائر الصهيونية والمسيحية العالمية، ولدينا هنا شهادة شديدة الأهمية توقعت حادثة "تشارلي إيبدو"، وقالت إن هذا القلق قائم، وإنه يجب التعامل معه بشكل أكثر تقدمية من تفكير البعض من أنصار خيار العنف للتعامل مع التحديات التي تفرضها عنصرية بعض الأطراف في الغرب، على النحو الذي تبلور في قضية الرسوم المسيئة.

الشهادة التي نشير إليها، هي تصريح أدلى به رئيس المجلس الإسلامي في الدنمارك، الشيخ عبد الحميد الحمدي، قبيل حادثة فرنسا، على خلفية حوادث الحريق المتكررة التي شهدتها مساجد السويد.

فيقول في تصريحات نشرتها وكالة "قدس برس" في حينه، إن مسلمي السويد يجب عليهم أن يتعاملوا بالحكمة الواجبة في مواجهة المتطرفين الذين استهدفوا مساجد السويد، وترك أمور متابعتها إلى الحكومة السويدية ولقوانينها لتقول فيها كلمتها.

"ظاهرة (الاسلاموفوبيا) باتت أداة تستخدمها بعض الأطراف لاستفزاز الشباب المسلم، وهو بالضبط ما تم في حادثة تشارلي إيبدو"

وأكد الحمدي على الحقيقة المهمة التي دفعت إلى الموجة الحالية من التصعيد ضد الإسلام والمسلمين في أوروبا، وهي أن الإسلام "أصبح مكونًا أساسيًّا من مكونات الدول الأوروبية، وبالتالي فإن ظاهرة "الاسلاموفوبيا" باتت أداة تستخدمها بعض الأطراف لاستفزاز الشباب المسلم، وهو بالضبط ما تم في حادثة "تشارلي إيبدو".

وبالفعل؛ فإن ظاهرة حرق المساجد في السويد في هذه الفترة، تلفت الانتباه في عمديتها، بسبب أنها تأتي في فترة تشهد فيها السويد في بعض الخطوات الإيجابية، تجاه قضايا العرب والمسلمين، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بعد اعتراف البرلمان السويدي بالدولة الفلسطينية بدوره.

كما أنها تتزامن بشكل لافت مع حوادث مماثلة في دول أوروبية أخرى، بشكل يخرِج الأمر من حدِّ الاسترابة، إلى حد التأكُّد من وجود هذا المخطط الرامي إلى تعطيل تقدم الإسلام في أوروبا والغرب.

ويقود القوميون المسيحيون المتعصبون في أكثر من بلد أوروبي هذه الأنشطة المناهضة للإسلام والمسلمين.
فحركة "بيجيدا" الألمانية نشطة جدًّا في مناطق أكثر صبغة بالطابع القومي، مثل المناطق البافارية وولايات جنوب البلاد؛ حيث تنشط أحزاب مسيحية أكثر ميلاً للتيارات الأصولية المسيحية البروتوستانتية، مثل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بخلاف الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم، الكاثوليكي، الذي لا يعمل عادةً في هذه المناطق، ويتركها لنشاط حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الأكثر أصولية.

واللافت كذلك، أن "بيجيدا" لا ترفع شعارات مناهضة للإسلام والمسلمين في ألمانيا فحسب؛ ولكنها ترفع شعارات ترفض "أسلمة الغرب" بأكمله، وهو ما لا يمكن أن يفوت على الباحث المدقق، حول حجم المخطط الراهن لإخراج الإسلام والمسلمين من أوروبا مجددًا، بعد قرون طويلة من الحرب "المقدسة" التي شنتها ممالك قتشالة وليون، وغيرها من الممالك المسيحية، في جنوب غرب أوروبا، لاستئصال الوجود العربي والإسلامي من أوروبا.

كما لا يمكن فصل ما يجري عما يجري في الشرق الأوسط، وخصوصًا في سوريا والعراق، مع توسع الجماعات المنتمية إلى تيار السلفية الجهادية، ولاسيما تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، لأنشطتها في أكثر من بلد عربي، حتى خارج نطاق سوريا والعراق، وضبط أكثر من خلية في دول أوروبية عديدة، لتجنيد الشباب المسلم في أوروبا، سواء من المهاجرين أو من أبناء هذه البلدان، ممن اعتنقوا الإسلام، للقتال في صفوف هذه الجماعات في مناطق الأزمات الساخنة في المنطقة.

"هذه المخططات تجد بين ظهرانيي المسلمين، من يدعمها، سواء بباعث الجهل أو حتى بباعث الخيانة وبيع الآخرة بعرض الحياة الدنيا"

فتشير بعض التقديرات بأصابع الاتهام، إلى الصهيونية العالمية، ومن يدعمها في واشنطن وتل أبيب، من أجهزة وحكومات وشخصيات نافذة، في خلق كل هذه الأزمات والمشكلات استغلالاً لجهل بعض الشباب المسلم بدينه، وغير المؤهل فكريًّا أو سياسيًّا، من أجل تحريك كل هذه الظواهر، لمواجهة المد الإسلامي المتنامي في أوروبا والغرب.

وفي الأخير، فإن الحديث بحاجة إلى مجال أكثر سعة للحديث وتحليل الظواهر المرتبطة بهذا الملف، ولكن تبقى خلاصة مهمة، وهي أن جهود الحركة الإسلامية طيلة عقود طويلة مضت لنشر الإسلام وتوطيد دعائمه في الغرب، مؤسسيًّا وديموجرافيًّا، معرضة للخطر.

وللأسف، فإن هذه المخططات تجد بين ظهرانيي المسلمين، من يدعمها، سواء بباعث الجهل أو حتى بباعث الخيانة وبيع الآخرة بعرض الحياة الدنيا، من أجل تنفيذ مخطط تاريخي -ربما- لضرب الوجود الإسلامي الديموجرافي والسياسي في أوروبا، وإخراج الإسلام من الغرب مجددًا، بعد قرون من الخروج الأول على أيدي محاكم التفتيش!

معلومات الموضوع

الوسوم

  • أوروبا
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    "باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

    شاهد أيضاً

    200 ألف رافض لتطبيع الإمارات والبحرين يوقعون “ميثاق فلسطين”

    أعلنت رابطة إماراتية، اليوم الثلاثاء، أن عدد الموقعين على وثيقة بعنوان "ميثاق فلسطين" تجاوز 200 …