ثقافة الاستعراض تغزو حياتنا اليومية

الرئيسية » خواطر تربوية » ثقافة الاستعراض تغزو حياتنا اليومية
الهوس بالتصوير5

رغم فوائدها الكثيرة، حيث ساهمت في توفير مساحة حرة للتعبير عن الرأي وتلاقح الأفكار والتعارف... لكن وسائل التواصل الاجتماعي أوجدت سلبيات سلوكية بدأنا نلمس آثارها. وأتحدث هنا عن آفة محددة اقتحمت حياتنا اليومية -ولا أعمم– وهي ثقافة الاستعراض:

رحلاتنا استعراضية.. مشاركتنا في الفعاليات نهتم بالدرجة الأولى بالصورة لنشرها على صفحاتنا.. برّنا لأبوينا للاستعراض.. دعاؤنا استعراضيّ.. "ستايتس" استعراضية.. تأدية العبادات لاسيما في الديار المقدسة لم تسلم من ظاهرة الاستعراض.. مناسباتنا الخاصة (الأفراح والأحزان...) دخلت فيها عقدة الصورة.

قديماً كانت الصورة للتوثيق، الموقف أو المناسبة.. ومع الثورة التقنية ومنها سهولة التصوير عبر الهواتف.. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما "الفايسبوك والتويتر والإنستغرام"، انتقل هدف الصورة من التوثيق إلى العرض. بتنا نتصور لنعرض، وليس لنحتفظ.

استحكمت في بعضنا عقدة حب الظهور، حتى صرنا نشعر أن كل حركة نقوم بها يجب أن تصور وتعرض أمام خلق الله على مواقع التواصل، حتى لو كانت صورة خاصة مع الزوجة، أو زيارة لقبر، أو عيادة مريض في مستشفى، أو جلسة خاصة، أو فطور صباحي... الخ.

"ليس كل عمل نقوم به أو موقف يمرّ بنا يجب تصويره، وليست كل مناسبة شاركنا فيها يجب أن يراها الناس"

اختلطت علينا النوايا، فبات بعضنا يشارك في نشاط ما، وتركيزه منصبّ على التقاط صورة له في هذا النشاط.. إذا التقى شخصاً استثنائياً (داعية أو شخصية علمية...) جلّ همّه أن يتصور معه، لا أن يستفيد من علمه بتوجيه أو نصيحة أو دعاء.

لقد تحولنا من صفة "المواطن الصحفي" إلى "المواطن الناشر والمستعرض".

ليس كل عمل نقوم به أو موقف يمرّ بنا يجب تصويره، وليست كل مناسبة شاركنا فيها يجب أن يراها الناس. وإن جرى تصويرها، فلا يشترط نشرها. لسنا ضدّ الصورة أبداً، لكننا أيضاً لسنا مع نشر كل صورة.

"إن ثقافة الاستعراض تساهم في إنتاج جيل يهتم بالمظاهر على حساب المضمون، لأن همه الأساسي الصورة والخبر"

حلاوة بعض الأعمال أن تكون خاصة، وميزة بعض التضحيات أن تظل بين جنبينا، لا يعلم بها إلا الله.
من الجميل أن يكون لنا عالم خاص، وذكريات خاصة، لا يشاركنا بها إلا المشارك في المناسبة.
بدأنا اليوم نستشعر غياب قيم ومعانٍ تربينا عليها، كالخصوصية والتضحية والكتمان.

إن ثقافة الاستعراض تساهم في إنتاج جيل يهتم بالمظاهر على حساب المضمون، لأن همه الأساسي الصورة والخبر.
وثقافة الاستعراض تساهم في صياغة شخصية مادية، لا تروق لها التضحية لغياب المكسب معها.
مع أهمية الصورة، لكننا نخشى أن ننشغل بالاستعراض، وغيرنا منهمك بالبناء والعطاء.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الداعية
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    إعلامي لبناني - مدير عام إذاعة الفجر في لبنان

    شاهد أيضاً

    بين إدراك الحاجات والانسياق وراء الشهوات

    كثيرا ما يتحدث علماء الأخلاق والتربية عن ضرورة تعهد الإنسان نفسه ومن يعول وضبطهم بالأخلاق …