طرد الأطفال من المساجد بداية النفور من دين الله

الرئيسية » بصائر تربوية » طرد الأطفال من المساجد بداية النفور من دين الله
الاطفال والمسجد

اعتاد خالد وأمجد (10 أعوام) وهما صديقان وأولاد جيران في الوقت ذاته على الذهاب إلى المسجد القريب من منزلهما كل يوم، بعد أن حثهما أستاذ التربية الدينية في المدرسة على ذلك، وأخبرهما بفضل الصلاة في المسجد، لكن "خالد" كان يتصف بالشقاوة الزائدة عن حدها وذلك على العكس من أمجد "الطفل الرزين"، حيث كان خالد وهو في المسجد كثير اللعب في المصاحف والكتب الدينية، بالإضافة إلى أنه لا يحسن الإنصات إلى الخطبة التي يلقيها شيخه، وأثناء أداء الصلوات لا يلتزم بالصف الذي ينتظم فيه الأطفال بل يحاول تجاوز صفوف المصلين ليصل إلى الصف الأول اعتقاداً منه أنه سيحصل على الأجر الأكبر، الأمر الذي دفع الحاج "حسين" (80 عاماً) والذي يقطن في "حارته" إلى طرده من المسجد بكل عنف، قائلاً له: "المسجد لا يحتاج لأطفال مثلك يملؤونه ضجيجاً"، وخرج "خالد" قاطعا عهداً على نفسه بأن لا يعود للمسجد طوال حياته.

طرد الأطفال والنفور من المساجد

د. صلاح الدين فرج: يجب على كبار السن أن يعلموا هؤلاء الأطفال آداب دخول المسجد والجلوس فيه بدلاً من طردهم، وذلك لأن الأصل في الطفل أن يتعلم ويتأهل إلى أن يكبر.
د. صلاح الدين فرج: يجب على كبار السن أن يعلموا هؤلاء الأطفال آداب دخول المسجد والجلوس فيه بدلاً من طردهم، وذلك لأن الأصل في الطفل أن يتعلم ويتأهل إلى أن يكبر.

الدكتور صلاح الدين فرج الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بغزة قال لــ"بصائر" :" إن طرد الأطفال من المساجد بحجة التشويش على المصلين عمل غير جائز، مضيفاً أنه يجب على كبار السن أن يعلموا هؤلاء الأطفال آداب دخول المسجد والجلوس فيه بدلاً من طردهم، وذلك لأن الأصل في الطفل أن يتعلم ويتأهل إلى أن يكبر"، على حد تعبيره.

وأوضح أن الطفل إذا طرد من المسجد ربما لا يعود إليه مرة أخرى، بسبب العنف الذي تعرض له، مستدلاً بأسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ورد عنه أنه كانت صفوف المصلين في المسجد الرجال ثم الأطفال ثم النساء.

وقال فرج: "إن مبدأ ذهاب الأطفال إلى المسجد هو مبدأ محمود في ديننا، وليس مذموماً، والأصل في كبار السن والآباء والأمهات في البيوت أن يقوموا على تعليم الأولاد، وتدريبهم على آداب المساجد، ووعظهم بما يتناسب مع أعمارهم وعقولهم، لأن هذه البيوت لله سبحانه وتعالى ويجب احترامها".

وأشار إلى أن الطفل يمر بمراحل، يتأثر خلالها بالأخلاق الايجابية والسلبية، وفي الخير والشر، "وإذا تعوّد هذا الطفل على الذهاب إلى المسجد، فإنه ينشأ على طاعة الله سبحانه وتعالى، ويكون قلبه معلقاً في المساجد، وبالتالي يكون من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله وله الأجر ولمن علمه ذلك".

واستدرك فرج قائلاً: "أما إن عُنّف هذا الطفل الصغير، أو ضرب، أو استخدم معه أسلوب قاسٍ في توجيهه، فربما يكون هذا سبب في نفور الطفل من المسجد، وعدم رجوعه إليه مرة أخرى، ويتحمل وزر هذا الأمر من عنفه".

وأكد فرج على أن الأطفال لديهم عناية فائقة في موضوع الصلاة، حيث ورد في الحديث الشريف "مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ".

وفيما يخص الحديث الذي يقول "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ..."، أوضح فرج أن هذا الحديث سنده ضعيف، منوهاً إلى أنه لو كان صحيحاً فإنه يحمل على الصبي غير مميز والذي لا يعرف قيمة الأمور، فمثلاً ربما جلس طفل مع أبيه في المسجد وبال فيه أو نجسه، فهذا الصنف من الأطفال الأصل أن لا يذهب إلى المسجد، وأن يعلم الصلاة في البيت".

"من كان دون التمييز فلا ينبغي إحضاره، إلا عند الاضطرار أو الحاجة، كأن تتغيب أمه عن البيت ولا يمكن للأب تركه في البيت بمفرده"

ولفت فرج إلى أن الأصل في المسجد أن تكون الصلاة فيه تغشاها الطمأنينة والخشوع، موضحاً أن الأطفال، والصبيان خصوصاً لو كانوا صغار، دون سن التمييز فإنهم يمنعون وجود الخشوع في الصلوات، واستدل على ذلك بموقف الإمام مالك -رحمه الله– عندما سئل عن الصبيان يؤتى بهم إلى المساجد؟ فقال: "إن كان لا يعبث لصغره، ويُكَفُ إذا نُهي فلا أرى بهذا بأسا، وإن كان يعبث لصغره فلا أرى أن يؤتى به إلى المسجد".

وأكد فرج على أنه من كان دون التمييز فلا ينبغي إحضاره، إلا عند الاضطرار أو الحاجة، كأن تتغيب أمه عن البيت ولا يمكن للأب تركه في البيت بمفرده، ونحو ذلك، على حد وصفه.

الأحكام الشرعية تراعي نفسيات المكلفين

وقال فرج: إن الأحكام الشرعية ليس بمعزلٍ أبداً عن نفسيات المكلفين، والله -سبحانه وتعالى- لما شرع الكثير من الأحكام راعى نفسيات المكلفين، فالطفل يتأثر بالأخلاق والمعاملات، ولذلك قال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، وقال أيضاً: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.

وأردف قائلاً: النصوص القرآنية تدعوا المسلمين إلى أن يكونوا رحماء بينهم، ولطفاء في التعامل مع غيرهم، ومتواضعين لبعضهم البعض، في كل مجالات الحياة بما في ذلك الصلاة، مبيناً أن الطفل يفعل الأفعال ظناً منه أنه يقوم بشيء صحيح، والأصل أن يوجه هذا الطفل ويُعلّم مرة تلو الأخرى، وإن أصر على فعل شيء خاطئ أو محرم تتم معاقبته أو يعامل بأسلوب يتناسب مع سنه وعقله ومستوى تفكيره.

دوافع طرد الأطفال من المساجد

د. مروان حمد: طرد الأطفال يؤدي إلى البعد عن المسجد بدرجة كبيرة وكرههم له، لأنه لم يتم التعامل معهم بحكمة وبصيرة وبأسلوب طيب وهو لا ينطبق على كل الأطفال
د. مروان حمد: طرد الأطفال يؤدي إلى البعد عن المسجد بدرجة كبيرة وكرههم له، لأنه لم يتم التعامل معهم بحكمة وبصيرة وبأسلوب طيب، لكنه لا ينطبق على كل الأطفال

ومن جهته، قال الدكتور مروان حمد المحاضر في قسم أصول التربية في الجامعة الإسلامية بغزة لــ"بصائر": "إن بعض كبار السن يقومون بطرد الأطفال من المساجد نتيجة عدة دوافع، أولها أن كبار السن من أهم احتياجاتهم ومتطلباتهم هو الهدوء والراحة، وكل مرحلة نمو عند الإنسان لها متطلبات مختلفة".

وأضاف أن بعض كبار السن لا يتحملون مشاغبة الأطفال، وكثرة حركتهم داخل المسجد وبالتالي يسعون إلى الهدوء وجعل المسجد أكثر سكينة وأكثر هدوءًا.

وأكد حمد أن هذا السلوك ينفر الأطفال فيما بعد من دخول المساجد، ويعطيهم فكرة غير صحيحة عن بيوت الله سبحانه و تعالى، مشدداً في الوقت ذاته على أن كلاً من كبار السن والأطفال يحتاجون إلى توجيه وتوعية، "فالصغار والكبار في السن يعتبرون مرحلة خاصة من النمو، وكبار السن يصبحون صغاراً بعد مرحلة معينة في تفكيرهم".

وأوضح حمد أن الأطفال يختلفون عن بعضهم البعض في مدى التأثر، مستدركاً بالقول: "لكن في المجمل طرد الأطفال يؤدي إلى البعد عن المسجد بدرجة كبيرة وكرههم له، لأنه لم يتم التعامل معهم بحكمة وبصيرة وبأسلوب طيب وهذا الأمر لا ينطبق على كل الأطفال".

واسترسل قائلاً: "بعض الأطفال يعلمون جيداً أنهم ما طردوا إلا نتيجة أفعالهم وسلوكهم السيء، وقد يكون رد فعل ذلك من ناحية الطفل هو تصحيح وتعديل السلوك، خاصةً إذا وجد الطفل من يوجهه ويرشده، ويعمل على توعيته في هذا الجانب فسيتصرف حينها تصرف أفضل بإذن الله".

كيفية معالجة أخطاء الأطفال في المساجد؟

وشدد حمد على أن معالجة أخطاء الأطفال تتركز بالدرجة الأولى على الأسرة، لأن المسجد له آداب، وكما نسمع بالمثل، "فاقد الشيء لا يعطيه"، فبالتالي الوالدين عليهم دور وعبء ومسؤولية في توعية الأبناء، حيث قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع"، والأصل أن لا نرسل الأطفال دون سن السابعة إلى المسجد، متسائلاً: "ماذا نتوقع من طفل عمره عامين أو ثلاثة يدخل المسجد؟؟ هل نتوقع أن يلتزم بالضوابط والنظام والمعايير وآداب المسجد؟!!

وأوضح أن الأسرة هي المحضن التربوي الأول في تعليم أبنائنا آداب المسجد، منوهاً إلى أنه يجب أيضاً على الوعاظ وأئمة المساجد أن يقوموا بعقد ندوات حول آداب المسجد، وكيفية تربية الأطفال على ذلك، وأن بيوت الله لها آداب واحترام.

وذكر حمد أن للمسؤول عن حلقات تحفيظ الأطفال في المسجد دور فعال في تعليمهم تلك الآداب، مشدداً على أنه يجب على المسؤول أخذ دورة تدريبية في إدارة حلقات القرآن، وأساليب تربية الأطفال وتعليمهم.

وأكد حمد أنه يجب على المسؤول أن يعلمهم آداب المسجد وكيفية المحافظة على نظافته، ويعلمهم كذلك كيفية تلاوة القرآن والعقيدة الصحيحة وأحكام الطهارة والصلاة، وباقي آداب الإسلام كآداب الطعام والشراب وأذكار النوم واليقظة، ويشجعهم على ذلك ببعض الهدايا البسيطة أو الحلوى، فإن قلوب الأطفال تميل إلى حب من أحسن إليهم، وهذه الهدايا من أفضل وسائل تربية الأطفال.

"اصطحاب الأطفال في سن معين إلى المسجد من ضروريات هذا الدين، وذلك حتى يتعود الطفل على الصلاة في المسجد، وعلى صلاة الجماعة"

وأضاف "لو حصل أن بعض الأطفال شوشوا على المصلين في المسجد بالبكاء والصياح مثلاً فلا ينبغي أن يثير ذلك المصلين فيحتجون على الطفل وعلى أبيه أو أمه، وقد يشوشون بذلك الاحتجاج أكثر من تشويش الطفل!! وإنما يتركون الأمر لإمام المسجد ليعالج الموضوع بالحكمة، واقتداء بمنهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك".

اصطحاب الأطفال من ضروريات الدين

ولفت حمد إلى أن اصطحاب الأطفال في سن معين إلى المسجد من ضروريات هذا الدين، وذلك حتى يتعود الطفل على الصلاة في المسجد، وعلى صلاة الجماعة، لما فيها من تراحم وتكافل وتعارف بين الناس، وبالتالي سينشأ جيل -بإذن الله- قائم على خشية الله ومحبة أوامر الله والتعاون بين الناس وتفقد الآخرين وزيارة المرضى.

وختم حمد حديثه بالقول: "رسالتي للآباء.. يجب عليكم أن تخصصوا كل ليلة قبل نومكم حلقة لتعليم أولادكم وتفقد أحوالهم حتى لو كانت مدتها عشر دقائق، وهناك كتب كثيرة تبين آداب الصغار مع الكبار، وآداب المسلم مع الوالدين، وآداب المسلم في المساجد، حتى يتم ترغيبهم في حلقات العلم والتحفيظ".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …