مشروعنا السياسي الإسلامي ـ 3 ـ

الرئيسية » بصائر الفكر » مشروعنا السياسي الإسلامي ـ 3 ـ
images_articles2012_5-fekerDawa_shr3-allah-300x238

في مضامين الشعارات الخمسة.. القرآن دستورنا

يضع القرآن الكريم للبشر، كل البشر، القواعد العامة لحياتهم الفردية والجماعية. وتميز القواعد القرآنية في عمومها للناس بين الجميل والقبيح من أمرهم، في عوالمهم النفسية والعقلية وفي طرائق تصرفهم وأنماط سلوكهم على المستويين الفردي والجماعي.

وكانت كرامة الإنسان هي القاعدة الأولى في الدستور الرباني المجيد: فقد اعترف القرآن الكريم بكرامة الإنسان بوصفه المجرد ابنا لآدم (ولقد كرمنا بني آدم) كرامة حازها الآدمي بأصل خلقته واستحقها ذكراً وأنثى بدون أي شرط إضافي.

واعتبر القرآن الكريم الإنسان مخلوقاً أصلاً في أحسن تقويم كريماً على فطرته الأولى بريئاً بلا خطيئة ملازمة أو مصاحبة. فالإنسان الفرد قد ورث عن أبيه آدم كرامته وليس خطيئته. ويوضح القرآن الكريم أن الإنسان قد تُرك على سبيل امتحان الإرادة وتحمل مسئولية الاختيار أن يتوازن ويستقر على قمة خُلق بالأصل عليها قمة ((أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ))، التي هي أعطية ربانية لكل البشر ووهدة ((أَسْفَلَ سَافِلِينَ)) التي يصفها القرآن بأنها اختيار الإنسان لنفسه حين يسيء الاختيار.

وكانت المساواة هي القاعدة الثانية في الدستور القرآني: المساواة المطلقة بين الناس على أساس جبلتهم ومصدر خلقهم، ومادته الأولى، والإمكانات الأولية الممنوحة لكل الناس من قدرة على التفكر والتدبر ولو في حدود مختلف فيها.

ولقد سبق القرآن الكريم إلى إعلان المساواة بين البشر كل البشر، المساواة في الكرامة الآدمية، وفي استحقاق الأهلية، أهلية الخطاب، وأهلية التكليف الرباني، وأهلية امتلاك الإرادة والتعبير عنها، مما يسمى اليوم الأهلية المدنية. كما كان القرآن الكريم سباقاً للاعتراف بكل ما سبق للذكر والأنثى وللأبيض والأسود، وللعربي والأعجمي وللمؤمن والكافر على السواء.

وكان العدل هو القاعدة الثالثة وهو المطلب الأولي الذي وضعه الدستور الرباني لحياة الناس. وما أجمل وأكمل أن يؤكد القرآن الكريم أن سر إرسال الرسل وإنزال الكتب هو في قيام الناس بالقسط ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...)) ولقد جعل القرآن الكريم العدل قاعدة وغاية ومطلباً وحقاً لكل مخلوق.. حتى قرر حديث شريف أن الخالق تعالى يقتص من الشاة القرناء للشاة الجماء..

وكانت الحرية المرتبطة بالمسئولية هي القاعدة الرابعة التي أقرها القرآن الكريم أساساً للحياة الإنسانية على المستويين العام والخاص فقد نفى القرآن الكريم عن حياة الإنسان (الإكراه)، وأبطل كل الآثار المترتبة عليه. وأعلن بوضوح لا لبس فيه أن ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)).

وحتى لا توظف هذه الآية بطريقة انتقائية شاذة كما يفعل البعض اليوم يجب أن نوضح أن القرآن الكريم رتب على خيار الإنسان الأول أنواعاً من الالتزام والإلزام فمن اختار الإيمان وجب عليه الالتزام بقواعده ولزمته استحقاقاته. وانبثق عن اعترافه بالأصل التزاماً بالفرع وخضوعا لأمره. وإلا تحول مفهوم الحرية إلى نوع من الفوضى لا تستقيم معه الحياة الجماعية.

وإلى جانب هذه القواعد الأربع الأساسية نجد في القرآن الكريم الكثير من القواعد الفرعية تضبط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في حياة الناس. كما نجد قواعد أولية للقانون العام، ونجد في حزمة من تشريعات القرآن الكريم نصوصا تتعلق بالأحكام التفصيلية أهمها ما ينظم علاقات الأسرة أو ما يخص عقوبات الجنايات الكبرى.

"شعار القرآن دستورنا لا يلغي أبداً أننا نطالب للدولة التي نسعى إلى بنائها بدستور يعتبر الانتماء إليها كافياً لمنح الكرامة والمساواة والعدل والحرية لكل أبنائها"

وللحق نقول إن الأحكام التفصيلية التي نتحدث عنها لا تشكل 10% من جملة قواعد القرآن الكريم التي تؤسس لعيش إنساني كريم وجميل ورحب بعيداً عن الضنك بصوره وأشكاله. ومع ذلك نجد الكثير من أصحاب الأهواء ومثلهم من الذين لا يعلمون يحاولون اختصار الشريعة الإسلامية بالتفصيلي المحدود على حساب الكلي العام!!

ونجد في القرآن الكريم قواعد العقود وقانون الإجراءات العام وقواعد الإثبات والنفي. فقاعدة العقود التراضي. أي الإرادة الحرة المعبرة عن أطراف العقد. والعقود في الإسلام جميعها مدنية حتى عقد الزواج منها فهو لا يحتاج إلى كاهن أو حامل سر مقدس يعقده. والعقد في شريعة الإسلام هو شريعة المتعاقدين مادام منسجماً في أصله مع القانون العام. والعقود والوفاء بها أمر أولي ومطلق في القرآن الكريم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)). والعقود في النص القرآني فردية كانت أو جماعية تحتاج دائما إلى توثيق وإثبات، منعا للتشاحن والفساد بين الناس.

كما نجد في القرآن الكريم قواعد عامة للعلاقات الإنسانية أو المجتمعية أو الدولية المفتوحة التي تحض في جملتها على البر والقسط والتعاون وتزين التعايش والتواد والجنوح إلى السلم..

ونحن، الإخوان المسلمين، نؤمن بكل هذا ونحن نرفع شعارنا الأولي والأساسي (القرآن دستورنا). ونرى في القرآن الكريم بكل هذا الإعجاز وبكل هذا الغنى مرجعاً أولياً لدستور مدني بالمعنى الاصطلاحي العصري لمعنى (الدستور). فشعار القرآن دستورنا لا يلغي أبداً أننا نطالب للدولة التي نسعى إلى بنائها بدستور يوضح الهوية، ويقر العقد الاجتماعي بين أطراف الدولة، الدولة التي يعتبر الانتماء إليها كافياً لمنح الكرامة والمساواة والعدل والحرية لكل أبنائها.

ولا نقبل بأي حال من الأحوال أن يجعل البعض من ندائنا (القرآن دستورنا) مدخلاً لمصادرة ركيزة مهمة من ركائز الدولة المدنية الحديثة التي نسعى إليها (الدستور المدني) بصياغاته التي ينتظر منها أن تحدد ما ينفي عن حياة الناس كل أشكال البغي والفساد.

"القرآن دستورنا.. نعم وكرامة ولكنه دستور أولي يشتق منه أولو العلم دستوراً عصرياً يلبي حاجات العصر ويحقق مصالح الناس. دستور يفصل ويوضح ويضبط ويحدد وينفي الضنك والعنت عن حياة الناس كل الناس"

يختبئ بعض أرباب الاستبداد الذين مردوا على الفساد وراء هذا الشعار (القرآن دستورنا) أو (دستور المسلمين الأول) وأن يسيئوا تفسير الكلمة، ليصادروا على الأمة حقها في دستور مدني عصري يشكل عقداً اجتماعياً يحدد الصلاحيات والمسئوليات. ويحدد مناطات الأفعال والتصرفات. ويحد من صلاحياتهم ويحدد دوائر تصرفاتهم..

في فقه اللغة العربية تعتبر العلاقة بين كلمة دستور في ندائنا (القرآن دستورنا) وبينها في مطالبتنا بدستور مدني تبنى عليه الدولة من قبيل المشترك اللغوي. والمشترك اللغوي هو ما اتفق لفظه وتباينت دلالته. وحين نعلن نحن -الإخوان المسلمين- القرآن دستورنا فإنما نقصد أن القرآن الكريم بمبادئه وقواعده ومقاصده الكبرى يشكل مرجعاً أولياً نرجع إليه في اشتقاق دستورنا المدني بصياغاته المحددة، وإجاباته على كل ما يتعلق بتوضيح الأساسيات، وتنظيم العلاقات، وتحديد المسئوليات والصلاحيات وتوزيع الحقوق والواجبات..

وفي الوقت نفسه نريد بما نوضحه هنا إسقاط مزاعم البعض حول أن الإخوان المسلمين حين يعلنون شعارهم: القرآن دستورنا فإنهم يرفضون أن يكون في دولهم دساتير مدنية يرجع إليها الناس وعليها يستندون. وبعض أصحاب هذه المزاعم يخلطون جداً بهزل، ويحاولون المكر السيئ في إلزام المسلمين ما لا يلزمهم وإحراجهم بما لا يخطر أصلاً على بالهم..

ولعل الرسالة الأوضح التي نريد أن نوضحها هنا هي افتراق مشروعنا السياسي الإسلامي عن مشروع أهل الغلو، وتباين طريقتنا عن طريقتهم.

فليس من فقهنا الإسلامي، ولا من مشروعنا الإسلامي أن نحبس تطور الحياة الإنسانية في تاريخ لحظة أو حقبة أو قرن مهما كانت تلك اللحظات التاريخية جميلة أو وضيئة. لأننا نؤمن أن سر وضاءتها في جوهرها ومقصدها وليس في هيكلها وشكلها كما يحلو للغلاة الماضويين أن يفسروا أو أن يبشروا بل أن ينفروا...

القرآن دستورنا... نعم وكرامة ولكنه دستور أولي في العقول والقلوب والنفوس يشتق منه أولو العلم دستوراً عصرياً يلبي حاجات العصر ويحقق مصالح الناس. دستور يفصل ويوضح ويضبط ويحدد وينفي الضنك والعنت عن حياة الناس كل الناس..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

نظرية “العجز المُتعلَّم” ودورها في ترويض الشعوب (2-2)

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن أهمية احتفاظ الشعوب بروح التفاؤل لأهميتها في …