نحو تربية ربانية .. في ظلال آية (4)

الرئيسية » خواطر تربوية » نحو تربية ربانية .. في ظلال آية (4)
images (1)

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)}، سورة هود.

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ(50)}، سورة هود.

وليس هذا إلا مثلاً واحداً للعبودية المذلة حين لا يدين الناس لله وحده، وحين يدينون لغيره من العبيد..

وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر، ولعبودية البشر للبشر!

وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد، في صورة من صور الدينونة.. سواء في صورة حاكمية التشريع، أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد، أو في صورة حاكمية الاعتقاد والتصور..

إن الدينونة لغير الله في الاعتقاد والتصور معناها الوقوع في براثن الأوهام والأساطير والخرافات التي لا تنتهي؛ والتي تمثل الجاهليات الوثنية المختلفة صوراً منها؛ وتمثل أوهام العوام المختلفة صورا منها؛ وتقدم فيها النذور والأضاحي من الأموال -وأحياناً من الأولاد!- تحت وطأة العقيدة الفاسدة والتصور المنحرف، ويعيش الناس معها في رعب من الأرباب الوهمية المختلفة، ومن السدنة والكهنة المتصلين بهذه الأرباب! ومن السحرة المتصلين بالجن والعفاريت! ومن المشايخ والقديسين أصحاب الأسرار! ومن.. ومن.. من الأوهام التي ما يزال الناس منها في الرعب وفي تقرب وفي رجاء، حتى تنقطع أعناقهم وتتوزع جهودهم، وتتبدد طاقاتهم في مثل هذا الهراء!

وقد مثلنا لتكاليف الدينونة لغير الله في الأعراف والتقاليد بأرباب الأزياء والموضات! فينبغي أن نعلم كم من الأموال والجهود تضيع -إلى جانب الأعراض والأخلاق- في سبيل هذه الأرباب!

إن البيت ذا الدخل ينفق على الدهون والعطور والأصباغ؛ وعلى تصفيف الشعر وكيه؛ وعلى الأقمشة التي تصنع منها الأزياء المتقلبة عاماً بعد عام، وما يتبعها من الأحذية المناسبة والحلى المتناسقة مع الزي والشعر والحذاء! إلى آخر ما تقضي به تلك الأرباب النكدة.. إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق نص دخله ونصف جهده لملاحقة أهواء تلك الأرباب المتقلبة التي لا تثبت على حال، ومن ورائها اليهود أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في الصناعات الخاصة بدنيا تلك الأرباب! ولا يملك الرجل ولا المرأة وهما في هذا الكد الناصب أن يتوقفا عن تلبية ما تقتضيه تلك الدينونة النكدة من تضحيات في الجهد والمال والعرض والخلق على السواء!

وأخيراً تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية.. وما من أضحية يقدمها عابد الله لله، إلا ويقدم الذين يدينون لغير الله أضعافها للأرباب الحاكمة! من الأموال والأنفس والأعراض..

وتقام أصنام من ((الوطن)) ومن ((القوم)) ومن ((الجنس)) ومن ((الطبقة)) ومن ((الإنتاج)).. ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب..

وتدق عليها الطبول، وتنصب لها الرايات، ويدعى عباد الأنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد، وإلا فالتردد هو الخيانة، وهو العار.. وحتى حين يتعارض العِرض مع متطلبات هذه الأصنام، فإن العرض هو الذي يضحى، ويكون هذا هو الشرف الذي يراق على جوانبه الدم! كما تقول الأبواق المنصوبة حول الأصنام، ومن ورائها الأرباب من الحكام!

"إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله، وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار!"

إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله؛ ليعبد الله وحده في الأرض؛ وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام، ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان.. إن كل هذه التضحيات الني يقتضيها الجهاد في سبيل الله، ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله! والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله، عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد، وفوقها الأخلاق والأعراض.. إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله، وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار!

وأخيراَ فإن توحيد العبادة والدينونة لله وحده، ورفض العبادة والدينونة لغير الله من خلقه، ذو قيمة كبيرة في صيانة الجهد البشري في تأليه الأرباب الزائفة، طي يوجه بجملته إلى عمارة الأرض وترقيتها، وترقية الحياة فيها.

وهناك ظاهرة واضحة متكررة، وأشرنا إليها فيما سبق في هذا الجزء.. وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله، ليقيم من نفسه طاغوتاً يعبّد الناس لشخصه من دون الله.. احتاج هذا الطاغوت كي يعبد (أي يطاع ويتبع) إلى أن يسخر كل القوى والطاقات؛ أولا لحماية شخصه، وثانيا لتأليه ذاته، واحتاج إلى حواشٍ وذيول وأجهزة وأبواق تسبح بحمده، وترتل ذكره، وتنفخ في صورته ((العبدية)) الهزيلة! وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها، وحشد الجموع -بشتى الوسائل- للتسبيح باسمها، وإقامة طقوس العبادة لها..!

وهو جهد ناصب لا يفرغ أبداً، لأن الصورة العبدية الهزيلة ما تلبث أن تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل.

وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال -وأرواح أحياناً وأعراض!- لو أنفق بعضها في عمارة الأرض، والإنتاج المثمر، لترقية الحياة البشرية وإغنائها، لعاد على البشرية بالخير الوفير.. ولكن هذه الطاقات والأموال -والأرواح أحياناً والأعراض- لا تنفق في سبيل الخير المثمر ما دام الناس لا يدينون لله وحده؛ وإنما يدينون للطواغيت من دونه.

ومن هذه اللمحة يتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونة لله وحده؛ وعبادة غيره من دونه.. وذلك فوق خسارتها في الأرواح والأعراض، والقيم والأخلاق، وفوق الذل والقهر والدنس والعار!

وليس هذا في نظام أرضي دون نظام، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات.

= ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة لله وحده، فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته، قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره. العبودية التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم، مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم، والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الأنسانية أو الحرية والكرامة.

= لقد هربت أوربا من الله -في أثناء هروبها من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف- وثارت على الله سبحانه في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة! ثم ظن الناس أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم -ومصالحهم كذلك- في ظل الأنظمة الفردية (الديمقراطية) وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات القضائية والتشريعية، وحكم الأغلبية المنتخبة.. إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة.. ثم ماذا كانت العاقبة؟ كانت العاقبة هي طغيان ((الرأسمالية)) ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات، وكل تلك التشكيلات. إلى مجرد لافتات أو إلى مجرد خبالات ووقعت الأكثرية الساحقة في عبودية ذليلة للأقلية الطاغية التي تملك رأس المال، فتملك معه الأغلبية البرلمانية! والدساتير الوضعية! والحريات الصحفية! وسائر الضمانات التي ظنها الناس هناك كفيلة بضمان إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم، في معزل عن الله سبحانه!!

"قضية العبادة ليست قضية شعائر؛ إنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة.. وأنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني"

= ثم هرب فريق من الناس هناك من الأنظمة الفردية التي يطغى فيها ((رأس المال)) و((الطبقية)) إلى الأنظمة الجماعية! فماذا فعلوا؟ لقد استبدلوا بالدينونة لطبقة ((الرأسماليين)) الدينونة لطبقة ((الصعاليك)) أو استبدلوا بالدينونة لأصحاب رؤوس الأموال والشركات، إلى الدينونة للدولة التي تملك المال إلى جانب السلطان! فتصبح أخطر من طبقة الرأسماليين!

= وفي كل حالة وفي كل وضع، وفي كل نظام، دان البشر فيه للبشر، دفعوا من أموالهم ومن أرواحهم الضريبة الفادحة. دفعوها للأرباب المتنوعة في كل حال.

= إنه لابد من عبودية! فإن لا تكن لله وحده تكن لغير الله.. والعبودية لله وحده تطلق الناس أحراراً كراماً شرفاء أعلياء.. والعبودية لغير الله تأكل إنسانية الناس وكرامتهم وحرياتهم وفضائلهم. ثم تأكل أموالهم ومصالحهم المادية في النهاية.

= ومن أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية العبودية كل تلك العناية في رسالات الله سبحانه، وفي كتبه..

وهذه السورة نموذج من تلك العناية.. فهي قضية لا تتعلق بعبادة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة.. ولكنها تتعلق بالإنسان كله، في كل زمان وفي كل مكان، وتتعلق بالجاهليات كلها.. جاهليات ما قبل التاريخ، وجاهليات التاريخ، وجاهلية القرن العشرين، وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد.

والخلاصة التي لا تنتهي إليها القول في هذه القضية: أنه يتجلى بوضوح من التقريرات القرآنية بجملتها -وفي هذه السورة نموذجا منها- أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية -التي يعبر عنها في هذه السورة بالعبادة- هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام؛ وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام!

إنها قضية عقيدة أولا تقوم. وقضية إيمان يوجد أو لا يوجد. وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق..

ثم هي بعد -بعد ذلك لا قبله- قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة ونظام وأحكام. وفي أوضاع وتجمعات تتحقق فيها الشريعة والنظام. وتنفذ فيها الأحكام.

وكذلك فإن قضية ((العبادة)) ليست قضية شعائر؛ إنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة.. وأنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني المتمثل في هذا الدين.. واستحقت كل هذه الرسل والرسالات، واستحقت كل هذه العذابات والآلام والتضحيات.

-------------------------------------------------------------------------

(في ظلال القرآن).. سيد قطب.. الصفحة: من 1940 إلى 1943.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

في ذكرى مولده…بعض خصائصه العجيبة صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، الذي قال الله عنه: {هو الذي بعث في …