أنموذجٌ عظيم في الصبر على البلاء

الرئيسية » بصائر تربوية » أنموذجٌ عظيم في الصبر على البلاء
image3578

روى الإمام ابن حبان رحمه الله في كتاب الثقات قصة عجيبة لمعوق من أشهر المعوقين في تاريخ المسلمين وهو الإمام الكبير العلم أبو قلابة الجرمي عبد الله بن يزيد وكان من الرواة عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ويروي هذه القصة عبد الله بن محمد.

قال: خرجت مرابطاً في عريش مصر، فبينما أنا أمشي إذ مررت بخيمة وسمعت رجلاً يقول: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19]. قال: فنظرت إلى هذا الرجل الذي يدعو فإذا هو معاق، وقد فقد يديه ورجليه، وفقد بصره، وثقل سمعه، فجئته وقلت له: يا عبد الله! إني سمعتك تقول كذا وكذا، فعلى أي شيء تحمد الله؟! فقال له: يا عبد الله! والله لو أرسل الله الجبال فدمرتني، والبحار فأغرقتني، ما وفيت نعمة ربي على هذا اللسان الذاكر، ثم قال له: لقد فقدت ابني منذ ثلاثة أيام، فهل تلتمسه لي؟ وكان ابنه هذا يوضئه ويطعمه، فقلت له: والله ما سعى أحد في حاجة أحد أفضل من حاجتك.

قال: فتركته وخرجت أبحث عن الغلام، فما مشيت قليلاً إلا وأبصرت عظمه بين كثبان من الرمل، وإذا بسبع قد افترسه، قال: فوقفت وقلت: كيف أرجع إلى صاحبي وماذا أقول له؟! وجعلت أتذكر، قال: فتذكرت أيوب عليه السلام فلما رجعت إليه سلمت عليه، فقال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى. قال: فماذا فعل ولدي؟ قلت: هل تذكر أيوب عليه السلام؟ قال: نعم.

قلت: ماذا فعل الله به؟ قال: ابتلاه الله عز وجل في نفسه وفي ماله، قال: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، قال: ولم يكن ذلك فقط، إنما انفض عنه القريب والبعيد، ورفضه القريب والبعيد، قلت: وكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، يا عبد الله! ماذا تريد؟ فقال له: احتسب ولدك، فإني وجدت سبعاً افترسه بين كثبان الرمل، قال: الحمد لله الذي لم يخلق مني ذرية إلى النار، وشهق شهقة فخرجت روحه فيها، قال عبد الله بن محمد: فقعدت حائراً ماذا أفعل، لو تركته لأكلته السباع، ولو ظللت بجانبه ما استطعت أن أفعل له شيئاً.

قال: فبينما أنا كذلك إذا هجم علي جماعة من قطاع الطرق، فقالوا: ما حكايتك؟ فحكيت لهم الحكاية، قالوا: اكشف لنا عن وجهه، فكشفت عن وجهه فانكبوا عليه يقبلونه وهم يقولون: بأبي عيناً طالما غضت عن محارم الله، وبأبي جسماً كان على البلاء صابراً، قال: فغسلناه وكفناه ودفناه، ثم رجعت إلى رباطي.

قال: فنمت فرأيته في منامي صحيحاً معافى، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى.

قلت: فما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة وقال لي: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24]، فهذا كان معوقاً لكن سلم قلبه.

"ما يعين على الصبر: النظر للنعمة قبلها وبعدها، ونظر ثواب الصبر، وتدبر أنَّها قدر لا يرده الجزع، والأمل بانجلاء الغمَّة"

بصائر..

- كثير من أهل العلم والفضل ابتلاهم الله تبارك وتعالى بنوع من أنواع البلاء، مثلاً:

الإمام الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، وهو من أشهر الرواة عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولا يعرف في كتب الحديث إلا بـ الأعرج، وكذلك عاصم بن سليمان الأحول، لا يعرف في الكتب إلا بـ الأحول، فإذا قيل: الأحول عن أنس فهو عاصم بن سليمان، وكذلك الإمام الترمذي صاحب السنن ولد أعمى.

والإمام حماد بن زيد -أيضاً- ولد أعمى، وكذلك قال العلماء في ترجمة حماد بن سلمة: كان عابداً زاهداً لو قيل له القيامة غداً ما قدر أن يزيد في عمله شيئاً، وكان حماد بن زيد ضريراً ويحفظ حديثه كله، وهو من الأئمة الثقات الذين عقدت عليهم الخناصر في العدالة والضبط.

والشيخ أحمد ياسين.. الذي ابتلي بالكساح ولكنه لم يستسلم لعجزه فارتقى في الجهاد حتى صار أحمد ياسين..

فالبلاء سنة الله تعالى.. وإنما يتعامل المسلم مع البلاء بما يلي :

  1. توقعه وتذكره فلا تنسيه إياه النعمة والسعة والصحة والسلامة.
  2. يستعين بوسعه على ضيقه وبالنعمة على النقمة ((اغتنم خمساً قبل خمس؛ اغتنم صحتك قبل سقمك.. )).
  3. وإنَّما يعين على الصبر: النظر للنعمة قبلها وبعدها، ونظر ثواب الصبر، وتدبر أنَّها قدر لا يرده الجزع، والأمل بانجلاء الغمَّة، وملاحظة أنَّ الله ابتلى بالقليل وعافى في الكثير.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
الأستاذ عدنان أبو هليل، خرّيج الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة، والكاتب والخبير والمستشار التربوي.

شاهد أيضاً

في معنى الرقي والوصول إليه

غالباً إلا أن مضمونها هو المفهوم إياه المصاحب لفطرة النفس الإنسانية منذ بدء الخليقة. لعل …