النقد التنظيمي .. بين الخاص والعام

الرئيسية » بصائر الفكر » النقد التنظيمي .. بين الخاص والعام
حالة الحرية التي انتقلنا إليها في بعض أقطارنا، والثورة المعلوماتية التي اقتحمت حياتنا اليومية، أضعفت الخصوصيات الحزبية والسرّية التنظيمية
حالة الحرية التي انتقلنا إليها في بعض أقطارنا، والثورة المعلوماتية التي اقتحمت حياتنا اليومية، أضعفت الخصوصيات الحزبية والسرّية التنظيمية
حالة الحرية التي انتقلنا إليها في بعض أقطارنا، والثورة المعلوماتية التي اقتحمت حياتنا اليومية، أضعفت الخصوصيات الحزبية والسرّية التنظيمية

"هذا الكلام ليس هنا مكانه.. كان الأولى بك أن ترسل رأيك إلى القيادة، لا أن تنشره.. أنت تكشف ظهر التنظيم".. هذه العبارات ومثلها توجّه إلى كل من يتجرأ على مناقشة إشكالية أو موقف صدر عن المؤسسة الدعوية التي ينتمي إليها، أو بالعمل الإسلامي بشكل عام، فيطرحها عبر مقال في الإعلام أو على صفحته الشخصية.

ولو قدّر لبعض القيادات أن يحجر على رأي الآخرين ويمنعهم من طرح ملاحظاتهم وآرائهم الخاصة، لفعَـل.. لكن حالة الحرية التي انتقلنا إليها في بعض أقطارنا، والثورة المعلوماتية التي اقتحمت حياتنا اليومية، أضعفت الخصوصيات الحزبية والسرّية التنظيمية، وخدشت مفاهيم مثل الثقة والطاعة التي يتربى عليها أبناء الحركة الإسلامية.

وهنا علينا أن نعترف بأن انخراط أبناء الحركات الإسلامية – شأن عموم الناس - في ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي تحديداً، فتح المجال واسعاً لكل فرد أن يقول ما شاء في ما يشاء، وبات يشعر البعض أنه معنيّ بأن يكون له موقف معلن في كل ما يدور حوله، دون أيّ اعتبار لأهليّته في الرأي أو الفتوى، ودون مراعاة لبعض الخصوصيات الداخلية، بل وحتى دون احترام للمستويات التنظيمية داخل المؤسسة الدعوية.. هذا الواقع أدى إلى نشوء ظواهر سلبية داخل صفّ الحركة، على الصعيدين التنظيمي والتربوي.

حقائـق تجب مراعاتها

"إذا لم يتصدّ لتلك المفاصل الهامة أصحاب الفكر والرأي في الساحة الإسلامية، فإن هذا الفراغ يفتح باب المناكفات الداخلية والاجتهادات الهجينة من غير أولي الاختصاص، والتي قد تؤذي الجسم الدعوي"

لا بدّ لنا عند تناول هذه الظاهرة من أن نلحظ عدة حقائق باتت تقترب إلى المسلّمات، أولها: أن العمل الإسلامي شهد في الفترة الأخيرة، لاسيما مرحلة الربيع العربي، محطات غير اعتيادية، وكان لها تداعيات خطيرة على مسار العمل الإسلامي في بعض الأقطار، ما استدعى نقاشات حادّة وتباينات في الآراء، في الأروقة الداخلية فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي.. وإذا لم يتصدّ لتلك المفاصل أصحاب الفكر والرأي في الساحة الإسلامية، فيبيّنون المنطلقات والتأصيل الشرعي أو الحركي، فإن هذا الفراغ يفتح باب المناكفات الداخلية والاجتهادات الهجينة من غير أولي الاختصاص، والتي قد تؤذي الجسم الدعوي.

الحقيقة الثانية، أن تطور الخطاب هو سنّة طبيعية، سرى على جميع الأحزاب والحركات الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين "التي انتقلت من رفض العمل الحزبي في البدايات إلى المطالبة به، ومن التردد حيال الانخراط في العملية الديمقراطية إلى القبول بأكثر شروطها" كما يقول الأستاذ ياسر الزعاترة. ومثل هذه التحولات لا يحدث بقرار يصدر في اجتماع قياديّ، بل يكون نتاج حوارات داخلية وجدل طويل وأخذ وردّ. لذلك، فإن الإفساح بهذا الهامش من النقاشات، وفتح القنوات الداخلية السليمة لتبادل الآراء.. يساهم في إنضاج الأفكار وتطويرها.

ثالثاً، "ليس من المعقول المناداة بالحرية خارج التنظيم، والقبول بعكس ذلك داخله"، والكلام للدكتور عبد الله النفيسي. ويضيف: "إن انتقادنا للحركة الإسلامية لا ينبغي أن يفهم منه أننا نعاديها، بل بما يعني أننا أكثر حرصاً عليها وقلقاً على مصيرها.. ولنكن أوضح ونقول إن الدين أمر ربانيّ لا نقبل نقده، والحركة الإسلامية جهد بشريّ محض معرّض للخطأ والصواب". والمطلوب هنا من قيادات العمل الإسلامي أن لا تفرض هذا الجدار (التابو) بين النظم وبين أبناء الصفّ، فتبالغ بإضفاء صفة القداسة على قراراتها ونظمها الداخلية.. بالنهاية، هي اجتهادات بشرية.

" إن هذا الواقع أدعى للحركات الإسلامية أن تتلمّس خطواتها بالاستماع لنقد أصحاب الرأي، لاسيما الغيورين على المشروع الإسلامي"

الحقيقة الرابعة: الأحزاب الكبرى تقوم بتمويل مراكز أبحاث لإجراء استطلاعات رأي لاستمزاج ميول قواعدها الشعبية ومعرفة مزاج الرأي العام في القضايا التي تطرحها.. ومن واجبات هذه المراكز أن ترصد ما يكتب عن هذه الأحزاب، فتستأنس بها، وتكون من المصادر التي تعتمد عليها في دراسة واقع بيئتها الحاضنة. إذا كان هذا واقع الأحزاب السياسية، فكيف بالحركات الإسلامية التي تمرّ بمفاصل مهمة وتحولات خطيرة في مسارها. إن هذا الواقع أدعى للحركات الإسلامية أن تتلمّس خطواتها بالاستماع لنقد أصحاب الرأي، لاسيما الغيورين على المشروع الإسلامي.

حاجة المشروع للحراك الفكري

معلوم أن المشروع الإسلامي يحتاج جهود جميع أبنائه بمختلف تخصصاتهم وكفاءاتهم، فالناس طبائع متنوعة وتختلف ميولهم وإبداعاتهم، منهم من يفيد المشروع الإسلامي في عمله الميداني، ومنهم من يفيد في ماله، ومنهم في رأيه أو حتى نقده. وقد لفتني تقديم لمقالة كتبها أحد الباحثين من أبناء الحركة الإسلامية فقال: "في ذكرى انطلاقتها، أقدّم للحركة الإسلامية هذه الهدية، جعلتها في هذه القراءة النقدية لواقعها الحالي". ولعل هذه الهدية ستفيد قيادة الحركة أكثر بكثير من كلمات الإطراء والمديح.

إن التنظيم الذي يعطل عقول أبنائه ويربيهم على منطق الطاعة العمياء، مصيره الموات. والتنظيم الذي يتعاطى مع أفكاره وآليات عمله على أنها ثوابت لا يمكن المساس بها، ذاهب إلى الانزواء والتقوقع.

مطلوب من أبناء التنظيم أصحاب الرأي أن يؤدوا واجب النصح، ومن حقهم أن تسمع لهم قيادتهم.. كما على قيادة التنظيم أن تتفاعل مع الباحثين الذين يدورون في فلك التنظيم وتسمع لهم، فهم الذين يراقبون الأداء من الخارج، وهذا يعطيهم ميزة القراءة المتجردة، بعيداً عن أيّ مؤثرات أو ضغوطات.

لكن في المقابل نقول: يكفي الحركة الإسلامية ما تتعرض له من سهام وضربات، وهي تنتظر من أبنائها الصمود والتعاضد وليس التخذيل وتشتيت الصف.
فكيف نوازن في تحقيق هاتين المصلحتين؟

ضوابط تجعله مقبولاً

سأعرض بعض الضوابط التي إذا روعيت، فأحسب أن النقد المعلن حينها يصنّف في خانة التسديد المطلوب:
1- أن تكون النية صادقة لله، وليس كشف العيوب أو الكيدية.
2- التزام أدب الخلاف وتجنّب حظ النفس، فالجميع أبناء دعوة، جمعهم العمل لله وليس لمصالح دنيوية.
3- تجنّب ذكر أسماء الأشخاص أو الجهات. ونتأسى بهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام...".
4- أن يكون الناقد خارج دائرة القرار في الملف المطروح، فالأصل أن لديه الفرصة لعرض رأيه أمام الجهة المعنية، ولا ضرورة لنشر ملاحظاته حتى لو لم يؤخذ برأيه.
5- حسن اختيار التوقيت، كي لا يحسب كلامه أنه يصبّ في خانة تثبيط الهمم أو التخذيل عند استحقاق معين.
6- مكان النشر فيه رسالة ضمنية تدلّل على نوايا الكاتب. فإذا نشر مقالاً ناقداً للحركة الإسلامية في صحيفة جهة حزبية أخرى، فهذا يدلل على الكيدية. أما إذا كان الطرح في منبر محترم محبّ للحركة أو تابع لها، فهذا يعطي انطباعاً عن صدق الهدف.
7- التزام السياق الجدّي في الطرح، بعيداً عن الغمز والاستهزاء.

"المكان السليم للنقاش والمحاججة هو القنوات الداخلية، هذا هو الأصل، لا أن يلجأ للتشكيك وإطلاق الأحكام في العلن قبل أن يسمع من قيادته وجهة نظرها"

8- الحرص على عدم كشف الثغرات التي تؤتى منها الحركة، فإذا كان من فسحة في النقد الذاتي، فهذا لا يلغي الخصوصية للمؤسسات الدعوية.
9- إذا تعارضت مصلحة وحدة الصف مع الإشكالية المطروحة، أياً يكن صوابها.. فالأولوية تكون لوحدة الصف.
10- أحياناً يكون الهدف من طرح إشكاليات معينة في العمل الإسلامي ليس النقد ولا النصح، بل فتح نقاش وتداول، وصولاً لتشكيل رأي عام، أو لإثراء التجربة بأفكار وآراء عامة.
11- المكان السليم للنقاش والمحاججة هو القنوات الداخلية، هذا هو الأصل، لا أن يلجأ للتشكيك وإطلاق الأحكام في العلن قبل أن يسمع من قيادته وجهة نظرها.

وتبقى نقاط ثلاث ينبغي التأكيد عليها:
1- تحكم التنظيم نظم داخلية، ويستند إلى "أركان" ومفاهيم تربى عليها أبناؤه، ومنها "البيعة والسمع والطاعة في المنشط والمكره". فأبناء الصف المنتظمون ملزمون بالسمع والطاعة حتى لو خالف هواهم. وهنا أستحضر كلمة للمربي الراحل الشيخ فيصل مولوي رحمه الله قال: الفرق بين ديمقراطيتنا وديمقراطية الآخرين، أنهم إذا اختلفوا في إطار المؤسسة الواحدة وتباينت الآراء عند التصويت، يتحول المخالفون للقرار إلى معارضة ويسعون إلى إفشال مشروع الآخر.. أما نحن في تربيتنا الإسلامية، فإذا اختلفنا في الرأي وتوزعت الأصوات عند اتخاذ القرار.. يلتزم الجميع بقرار الأغلبية، وأولهم المخالفون.

2- المسؤولية الشرعية والدعوية تنتهي عند طرح الرأي ونقاشه. والقيادة ليست ملزمة في اعتماد كل ما يطرح الآخرون. وبالتالي، لا يجب اتخاذ مواقف سلبية من التنظيم في حال عدم العمل بالنصيحة.

3- من حق الفرد أن يعبّر عن رأيه ويناقش موقفاً ما أو أداءً للقيادة في أحد الملفات، أما أن تكون نظرته سلبية في جميع مواقف التنظيم، ويعبّر عن عدم قناعته بالأداء العام لجماعته التي ينتمي إليها، فهنا يمكن القول أن "الثقة" لم تعد موجودة، ما يستدعي وقفة مهمة ليطرح على نفسه سؤالاً جريئاً: ما الذي يجعلني أستمرّ في مؤسسة دعوية لا أقتنع بأدائها.

نسأل الله أن يسخّرنا لما فيه خير الدعوة، وأن يرزقنا الإخلاص في العمل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
إعلامي لبناني - مدير عام إذاعة الفجر في لبنان

شاهد أيضاً

ماذا نقرأ لأطفالنا.. ماذا نقرأ لأنفسنا!

تبدأ هذه الأيام دورة معرض القاهرة الدولي للكتاب الحادية والخمسين، ومع كل موسم من مواسم …