حياتنا.. بين المادية والغيب

الرئيسية » خواطر تربوية » حياتنا.. بين المادية والغيب
الحياة

محمد طالب نابغة، تفوق على أقرانه طوال سني دراسته في المدارس، وكان دائما الأول على ترتيب صفه الدراسي. بلغ محمد المرحلة الثانوية في التعليم مقبلا على الثانوية العامة، و كل المؤشرات كانت تدل على أن محمداً قد يحرز ترتيب الأول على قطره بأجمعه، هذا ما كان يتوقعه أساتذته وأهله حتى هو نفسه، كان مجداً ومجتهداً في دراسته، كان لا يغيب عن كتابه إلا النزر اليسير من الوقت، لقد استطاع أن يحل آلاف المسائل والمعادلات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء دون أدنى صعوبة واجهته، وها هي السنة الدراسية تقف على الدرجة الأخيرة من السلم معلنة قرب امتحاناتها النهائية، لم يبق للامتحانات سوى أسبوعين اثنين لا ثالث لهما، ومحمد على أهبة الاستعداد لذلك.

عصرَ ذلك اليوم أخذ محمد إحدى أدواته الرياضية كي يتمرن عليها، وكانت عبارة عن نابض تشده من الطرفين بيديك لتقوية عضلات اليد والعضدين، ثم حول طريقتها بأن وضع طرفاً منها تحت قدمه من أمامه وبدأ يشد الطرف الآخر بيده إلى الأعلى، وفجأة تفلت النابض من مكانه ليضرب محمداً في وجهه، و في عينه تحديداً ليترك فيها نزفاً حاداً استدعى دخوله للمشفى أياماً عديدة، وتوجب على الأطباء أن يجروا لعينه تلك عدة عمليات لتصويب وضعها، كل ذلك كان قبيل الامتحانات النهائية، ودخلت الامتحانات ولا يزال محمد يرقد على سرير الشفاء، وبالتالي تغيب عن عدة امتحانات مجبراً مع أنه كان قد استعد جيداً لهذه الامتحانات، وينتهي العام ومحمد قد أخفق في سنته الدراسية بعدة مواد دراسية قد فشل في النجاح فيها والبعض الآخر لم يتجاوز علامات النجاح إلا بعلامة أو اثنتين فقط.

" إن استعدادنا دائما للشيء هو أخذ بالأسباب وليس تحقيق الإنجاز، وهو أقصى ما نفعله"

إن استعدادنا دائما للشيء هو أخذ بالأسباب وليس تحقيق الإنجاز، مثل محمد قصص كثيرة كلنا عايشها ويعرف مثلها الكثير الكثير.

إن الاستعداد المادي هو أقصى ما نفعله، ولكن ربك إذا أراد للشيء أن لا يكون فإنه لن يكون مهما فعلنا واستعددنا، صحيح أننا نؤجر لاجتهادنا، لكن هناك عامل آخر جد مهم ألا وهو توفيق رب العالمين.

إن الأرزاق قد وزعت بين كل الناس، لكن البركة لم توزع على كل الناس، وهذا كله من الله، وأسبابه عديدة، فإن الله إذا شاء أن يبارك؛ بارك وبدهشة.

يوم بدر، خرج المؤمنون بعدة المسافر لا بسلاح المحارب ليهاجموا قافلة قريش التي كانت تحمل أموال المسلمين المنهوبة، ولم يكونوا يتوقعون أن تكون هناك معركة، ويشاء الله أن تكون المعركة وهم كارهون خشية ضعفهم وعدم استعدادهم، ولكن الله نصرهم، نصرهم ليس بعدتهم أو بعددهم، نصرهم بقوته وجنوده، وهذا ضمن المعادلات المادية أمر خارج عن العادة وغير ممكن وغير منطقي، ولكنه بمنطق الإيمان والغيب هو أمر وارد وممكن، لأن الله أراد ذلك، لأن الله قد نصر المظلوم على الظالم، نصرهم حين تعلقت قلوبهم به واتجهت أبصارهم لنصره: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}.

كثير من الموظفين يشكون اليوم قلة الراتب وأنه لا يكفي حتى لنصف الشهر وغير ذلك مما نسمعه هنا وهناك، بينما ترى من هم أقل منهم راتباً إلا أنهم يتعنمون أكثر منهم وأقل منهم دَيْناً، مع أن التزاماتهم المادية متقاربة، وعندما تسأل هذا الطرف أو ذاك، يقول لك: لا توجد بركة في الراتب، بينما الآخر يقول لك إن الله قد بارك لي في راتبي، وكما يبارك الله في المال يبارك في الذرية ويبارك في الوقت ويبارك في الزوجة، ويبارك في كثير من شؤون حياتنا اليومية التي قد لا نلقي لها بالاً؛ فمثلا تشتري سيارة ويبارك الله لك فيها فلا تكاد تكلفك من الصيانة إلا ما يجب أن يكون بشكل دوري، بينما يشتري غيرك مثل سيارتك وبنفس مواصفاتها إلا أنه لا يمر أسبوع دون زيارة صيانة لها بسبب عطل هنا أو هناك، وكذلك بيتك وكذلك الكثير من أمور حياتنا اليومية.
ومثال ذلك أيضاً ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ، قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ، فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ".

أوليست هذه بركة لم تكن موجودة عند أبي هريرة من ذي قبل، ألا وهي بركة الحفظ وعدم النسيان، ومثال ذلك في السيرة كثير كبركة النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام والماء والشفاء وغير ذلك.

" إن اعتمادنا على عقولنا وحدها واجتهادنا وحده دون الرجوع إلى الله وطلب التوفيق منه لهو تخبط في ظلمات غرور النفس"

إن اعتمادنا على عقولنا وحدها واجتهادنا وحده دون الرجوع إلى الله وطلب التوفيق منه لهو تخبط في ظلمات غرور النفس واعتمادها على نفسها وحدها، وهذا من شأنه أن يرد النفس لذاتها ضعيفة خاسئة دون الوصول إلى مبتغاها، فالله عز وجل من ييسر لنا الأمور عند وقوعها، وهو الذي يوفقنا لأدائها، حتى في العبادت والطاعات بل والجهاد في سبيل الله، فالله تعالى يقول عن الذين تخلفوا عن الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}.

لذا فالمسلم يعلم علم اليقين أن غناه وأرزاقه وذريته والزوجة الصالحة والعيشة الهانئة كل ذلك توفيق من رب العالمين، فإذا طلبت الرزق فاطلب معه البركة، وإذا طلبت الزوجة فاطلب أن يوفقك الله لزوجة صالحة وكذلك في كل شؤون حياتك، وإذا اعتمدت على عقلك وقوتك وكيدك فإن كيدك سيعود عليك، وستجد نفسك وحيداً بعيداً، فإنه من لم تكن معية الله معه؛ فلن ينفعه أحد في الدنيا من دون الله: {ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وكان منتصراً، هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقباً}.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • التوكل
  • الحياة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    كيف تمت الفتوحات الإسلامية بشكل سريع؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع …