هل أدرك أعداء الربيع العربي فداحة جريمتهم؟؟

الرئيسية » بصائر الفكر » هل أدرك أعداء الربيع العربي فداحة جريمتهم؟؟
القمع البربري للشعوب الحرة خلق واقعاً جديداً يتناقض بشكل كامل مع فلسفة الربيع العربي وطموحات الشعوب
القمع البربري للشعوب الحرة خلق واقعاً جديداً يتناقض بشكل كامل مع فلسفة الربيع العربي وطموحات الشعوب
القمع البربري للشعوب الحرة خلق واقعاً جديداً يتناقض بشكل كامل مع فلسفة الربيع العربي وطموحات الشعوب

شكل الربيع العربي منذ انطلاقته قبل بضعة أعوام مساراً جديداً في آلية التعامل مع الاستبداد والظلم وجور الحكام وطغيانهم، وكان إعلاناً واضحاً عن فشل فكرة حمل السلاح ضد السلطة، الذي ما جلب إلا الدمار الوخيم والآثار الكارثية على البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة، ناهيك عن زيادة الاستبداد والقمع تحت مسمى الأمن وحماية الوطن.

لقد كان الربيع العربي بحد ذاته ثورة على الموروث السائد من خلال المواجهة الصريحة التي لا ينتج عنها إلا الخسارة لكلا الطرفين، حيث استبدلها بالاحتجاج السلمي والمظاهرات الحاشدة التي تفعل ما لا تفعله الأسلحة والعبوات المتفجرة، الأمر الذي يمثل نبضاً حقيقياً واضحاً دون خفاء، يشترك الناس جميعهم على اختلاف أطيافهم في صناعته، وحصد منجزاته.

وفي بداية وأوج الربيع العربي، لم تكن الجماهير لتسمح لأحد بالانحراف عن مسار الثورة ضد الظلم والاستبداد، لأنها طالبت بالحقوق والعدالة الاجتماعية، ولم تكن تهدف للصراع مع السلطة –بحد ذاتها- بقدر ما كانت تريد أن يرحل المستبدون عنها، وترك الخيار للشعوب لتختار من يمثلها ويحقق لها آمالها وتطلعاتها.

"في بداية وأوج الربيع العربي، لم تكن الجماهير لتسمح لأحد بالانحراف عن مسار الثورة ضد الظلم والاستبداد، لأنها طالبت بالحقوق والعدالة الاجتماعية، ولم تهدف للصراع مع السلطة"

كانت السلمية التي انطلقت من خلالها ثورات الشعوب الحية، أقوى من الغاز والرصاص، وحملات القمع والتشويه والاعتقال والقتل، لأنها كانت تنبع من الإرادة الحقيقية الحرة، التي لا يمكن أن يحجر عليها سلاح أو قمع أو غير ذلك.

وفي الوقت نفسه، كان الربيع العربي يحمل في ثناياه بذور نهضة حقيقية، تعيد للأمة روحها وعزتها، وتحقق فيهم نموذج الحكم الأمثل القائم على تداول السلطة وحرية الاختيار، ومسؤولية الحاكم أمام شعبه، وحقهم في محاسبته وعزله.

وإضافة لكل ما سبق، فإن الصوت الإسلامي المعتدل كان محل ثقة أغلبية الناس، وهو ما كشفت عنه نتائج الانتخابات التي أجريت في تلك الدول، وكانت فرصة لتطبيق أفكارهم وبرامجهم بشكل عملي، بل وتطويرها والإضافة عليها عبر النقاش والحوار مع الأطياف الأخرى، الأمر الذي يقضي على كل مظاهر التطرف والميل له، عبر نقل الناس من دائرة الإرهاب والصراع المسلح، إلى دائرة البناء والتنمية والازدهار.

ماذا بعد المؤامرة؟

لا شك أن المؤامرة على الربيع العربي قد آتت أكلها، وحققت الكثير من منجزاتها، عبر إعادة الأوضاع لما كانت عليه، إن لم تكن للأسوأ. لكن يسجل في هذا الصدد أن الأنظمة القمعية العربية، لم تكن تستهدف في مؤامراتها الإسلاميين المعتدلين فحسب -وإن كانوا على رأس القائمة- وإنما استهدفت حرية الشعوب، التي سرعان ما أصيبت بحالة من الصدمة، والحقد على السلطة، خصوصاً بعد الجرائم والمجازر الوحشية المتتالية التي ارتكبتها بحقهم.

إن القمع البربري للشعوب الحرة خلق واقعاً جديداً يتناقض بشكل كامل مع فلسفة الربيع العربي وطموحات الشعوب، فهو خلق جواً مشحوناً داخل المجتمعات العربية، مليئاً بالثأر والحقد، ويسمح بظهور المرضى النفسيين والساديين وأصحاب الاضطرابات العقلية ناهيك عن الخونة والجاهلين، للظهور وتصدر المشهد، عبر ميليشيات لا يعلم أصلها وأهدافها وتمويلها، مما جعلها تقوم بارتكاب الفظاعات والجرائم الوحشية تحت مسمى الثأر والانتقام. في ظل غياب الصوت الإسلامي المعتدل، الذي بات إما مسجوناً أو مطارداً أو مقتولاً.

"لم تدرك الأنظمة العربية، أنها بدل من أن تصارع خصومها سياسياً عبر البرامج التنموية، والرؤى السياسية والاقتصادية. ستصارع خصومها عسكرياً عبر حمل السلاح وتكبد الخسائر المتبادلة"

لم تدرك الأنظمة العربية، أنها بدل من أن تصارع خصومها سياسياً عبر البرامج التنموية، والرؤى السياسية والاقتصادية، في ميادين الانتخابات والبرلمان. ستصارع خصومها عسكرياً عبر حمل السلاح وتكبد الخسائر المتبادلة، في ضوء انتشار القتل والتفجير، والتمثيل بالجثث، وضياع مشاريع التنمية، والتدهور الاقتصادي، وزيادة القمع ومصادرة الحريات.

إن الأنظمة العربية المتآمرة على الربيع العربي، أصبحت أداة بيد أسيادها الغربيين، لمعاقبة الشعوب العربية على مطالبتها بحريتها وتوقها للعودة لما كانت عليه، أو على الأقل العيش بكرامة وحرية كحال غيرهم من الناس في الدول التي تحترم الحقوق والحريات وتحافظ عليها. بل هي تهدف من كل محاولاتها هذه إلى جعل الشعوب تتحسر على واقعها، وتتمنى لو أنها لم تثر أو تطلب حقاً من حقوقهاً، أو ترفض الممارسات الإجرامية التي كانت تقوم بها السلطة وما تزال.

لكن، ومن ناحية أخرى، لا تدرك هذه الأنظمة أن ما يجري حالياً من فوضى عارمة، تضعف سلطتهم، وتذهب بقوتهم، وتدخلهم في دائرة الاستهداف من قبل أسيادهم، بل وربما تجلب لبلادهم استعماراً جديداً تحت مسمى حماية السلم والأمن، مما يعني استبدالهم بآخرين نظراً لانتهاء مهمتهم.

ختاماً.. ما زال أمام الأنظمة العربية فرصة لإدراك السفينة قبل الغرق الذي سيذهب بكل أطياف الشعب حكاماً ومحكومين، والتي تتمثل برفع اليد عن مطالب الشعوب، والسماح بالتداول السلمي للسلطة، وإعطائها الحرية في الاختيار، قبل أن تنتشر حالة الفوضى، وعندها سيندمون قبل شعوبهم ولاة حين مندم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …