هل نحن من عباده المتقين؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » هل نحن من عباده المتقين؟!
الإيمان
أول مراتب نيل نصر الله تعالى ودعمه، هو صلاح العمل بعد العقيدة، وليست العقيدة فحسب.

من بين أهم سمات المرحلة الحالية في أمتنا، سواء على المستوى الإسلامي الحركي الخاص، أو على المستوى السياسي والمجتمعي العام؛ قضية الالتباس، وعدم الوضوح.

أدت هذه المشكلة إلى شيوع الكثير من الفِتَن، وكذلك شيوع الكثير من الآفات والاعتلالات في أوساط الصف الإسلامي، مما فتَّ في عضده كثيرًا في هذه المرحلة، والأهم أن هذه المشكلة قادت إلى الكثير من الانحرافات عن الفهم، سواء فيما يخص استيعاب حقيقة الوضع، أو الأهداف الآنية المرحلية، والمستقبلية، والغايات، أو ما يخص الآليات والوسائل.

قاد ذلك إلى الكثير من الأزمات الحركية والسياسية، حتى على مستوى توصيف الواقع، وتطبيق النماذج، واستلهام تجارب الآخرين، سواء من الداخل الحركي أو من خارج الحركة الإسلامية.

القضية الأخرى، أن سوء أو عدم الفهم الكامل، قاد إلى انحرافات عن المنهج، وهو ما قام مقام ألف وسيلة إعلام مضادة، مناهضة للحركة الإسلامية، في التشويه والطعن في المصداقية.

ولو تجاوزنا عن الجوانب التطبيقية العملية القريبة لهذه المسألة؛ سوف نجد أنفسنا أمام مشكلة أخرى أكبر وأهم، وهي الأساس القيمي الذي قامت عليه الحركة الإسلامية الصحوية، وفي القلب منها الإخوان المسلمون، وهي تجاوز الاعتبارات التي وضعها الله عز وجل، من أجل منح نصره للجماعة المسلمة، حتى لو كانت ضعيفة أو أقل عدد وعدة من خصومها.

ومن بين أهم علامات ذلك، قبول العمل، فقد تكلمنا في موضوعات سابقة على الاشتراطات الواجب توافرها في الجماعة المسلمة، لنيل الدعم الإلهي، ومن بينها الالتزام بالمكوِّن الأخلاقي، والأخذ بالأسباب، ولو برجل واحد؛ متى علم الله تعالى، إخلاص النوايا، وأن ذلك هو آخر استطاعة الجماعة المسلمة.

"تقوى الله سبحانه وتعالى، هي العامل الأساسي الذي بناء عليه يقبل الله عز وجل العمل، أو لا يقبله، وبالتالي؛ فهي الفيصل الحقيقي بين النجاح والفشل"

الأمر الآخر المهم، والذي يُعنى به هذا الموضع، هو التقوى، فتقوى الله سبحانه وتعالى، هي العامل الأساسي الذي بناء عليه يقبل الله عز وجل العمل، أو لا يقبله، وبالتالي؛ فهي الفيصل الحقيقي بين النجاح والفشل.

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سُورة "المائدة"- من الآية 27].

في هذه الآية الحكيمة، لم يقل رب العزة سبحانه: "من المسلمين"، أي أنه ليس لمجرد أننا مسلمون؛ سوف يتقبل الله تعالى منا عملنا، وهي الآية الوحيدة في القرآن الكريم، التي جاءت بهذه الصياغة.

والتقوى هي التحسب والوجاء، وفي الاصطلاح، الابتعاد من كل ما يغضب الله تعالى، مخافةً منه عز وجل.

وهذا هو المنطق القرآني القويم الذي لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خلفه، والذي تم التأكيد عليه في أكثر من موضع من كتاب الله العزيز.

في سُورة "الجن"، يقول الله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)}، ومعنى "لَأَسْقَيْنَاهُم"، أي لوسعنا عليهم في الدنيا.

وقال سعيد ابن المُسيب وعطاء الله بن أبي ربَّاح والضَّحَّاك، وغيرهم، إن صحابة رسول الله "صلَّى الله عليه وسلَّم"، كانوا سامعين مطيعين، ففُتِحَت عليهم كنوز كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشي، ففتنوا بها، فوثبوا على إمامهم؛ فقتلوه، في إشارة إلى عثمان بن عفان "رَضِيَ اللهُ عَنْه".

وفي السياق، وفي سُورة "البقرة"، يقول رب العزة سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (103)}، وفي سُورة "المائدة"، يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (66)}.

في آية "البقرة"، الكلام شديد الوضوح؛ لا لبس فيه؛ فالإيمان والتقوى هما شرطا نيل مثوبة الله عز وجل، وفي آية "المائدة"، وغيرها من الآيات التي تنحو ذات النحو؛ فإن إقامة شريعة الله عز وجل، كما جاءت أهل الكتاب، في كتبهم التي نزَّل الله تعالى؛ لوجدوا الخير العميم، في الدنيا والآخرة.

"لا يبرر لأبناء الحركة الإسلامية تقليد الخصوم بمثل نحوهم، بحجة أنهم ظلمة ويتبنون الفاحش والحرام من الأساليب"

هي كلها رسائل قرآنية واضحة لا لبس فيها، ولذلك التعلل بمواقف الخصوم، وبأنهم ظَلَمة ويتبنون الفاحش والحرام من الأساليب وكذا؛ لا يبرر لأبناء الحركة الإسلامية بالمطلق، تقليدهم في هذا الذي ينحون نحوه؛ بل على العكس، فإن ذلك يستوجب إنزال عقاب الله عز وجل، عليهم.

وهو ناموس إلهي نافذ؛ لم يتجاوز حتى صحابة الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وهم خير البشر بعد رسل وأنبياء الله تعالى، عليهم جميعًا رضوان الله تعالى.

ففي غزوة حنين، كان مجرد شعور المسلمين بالفخر، وبأن عوامل الانتصار كامنة في ذاتهم؛ زلزلهم الله عز وجل، زلزالاً شديدًا.

والقرآن الكريم مليء بآيات عديدة، تؤكد على معنى أن النصر هو من عند الله عز وجل، وحده، مهما كانت العدة والأسباب، وأنه – من ناحية أخرى – لا يوجد من دون الله وليًّا ولا نصيرًا، للمؤمنين ولعموم البشر.

هذا يعني أننا – أمة التكليف – يجب أن نلتزم بقاعدة الإيمان والتقوى الواردة في القرآن الكريم؛ لنيل نصر الله عز وجل، وتثبيته، فلو ظلم خصومنا؛ فواجبنا أن نعدل، وإذا انتهك خصومنا حرمات الله تعالى؛ فيجب علينا أن نغضب لحرمات الله، ولا نغضب لأنفسنا، أو ننتصر لاعتبارات ذاتية.

وفي الأخير؛ فلنكن مسلمين متقين؛ يتقبل الله تعالى منا، وأول مراتب نيل نصر الله تعالى، ودعمه، هو صلاح العمل بعد العقيدة، وليس العقيدة فحسب.

هذا الأمر يمكن تأويله وفهمه على أكثر من منحى، فهو باعثه في الأساس تربوي وأخلاقي، كما أن له أبعادًا سياسية عدة؛ ترتبط بالمرحلة الحالية التي يمر بها المشروع الإسلامي، وثورات الشعوب في بلدان عالمنا العربي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …