“وإنّ الله يغيّر ولا يعيّر” .. رسالة مجتمعية

الرئيسية » خواطر تربوية » “وإنّ الله يغيّر ولا يعيّر” .. رسالة مجتمعية
isha3ah

جاءتني رسالة يائسة: (المجتمع لا يسمح للمخطئين أن يبدأوا من جديد، بمجرد الخطأ يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، ثم لا يغفر لهم، والحكم يسبق السلوك).

فقلت: أجل صحيح، ويؤسفني أن أقول نعم صحيح، كان بودي أن أرد هذه النظرية، أن أقنع مخطئاً بأن ثمة مجتمع يرحب بعودته من جديد، لكن هيهات وأنا نفسي لا أؤمن بما سأقول فكيف سيؤمن سامعي!

يؤسفني مرة أخرى أن أجدد وقوفي مع صاحب/ة الرسالة، وأنا بهذا لا أجلد مجتمعي بقدر ما أتقمص شخصية و"نفسية" مخطئٍ دق باب التوب وقصد نحو التغيير أشق درب وجاء عاريا من خطايا الأمس متوشحا كل انكساراته ومخاوفه وذنوبه ليتطهر.!
أتقمص شخصيته وأحلّ في ثوب انكساره، وأتوشح خوفه من لعنة المجتمع الأبدية، ثم أصف حرقة الندم وحرارة الإقبال، وأخبركم بصنيع المجتمع حياله، ثم بعدها لأكن أو فلنكن "أمّة" ونشد عضد التائب ونعينه بدلا من أن نزج به في لعنة الذنب الى أبد الآبدين.

لعنةٌ أبدية وبضاعةٌ رائجة!

(فلانٌ الذي لا يصلي)، (وفلانٌ الهامل)، (وفلان السرسري)، وأعتذر عن إدراج هذه الألفاظ لكنها بضاعة رائجة وبثمن بخسٍ في مجتمعاتنا، وبشاعتها وحيائي من الإتيان على ذكرها وذكر غيرها لا ينفي إطلاقا تفشيها كطاعون بين الناس –الصالحون والطالحون- للأسف الشديد.

" أمست المسميات كلعنة أبدية تلاحق المخطئ، وتفرّغ لها خلق كثير وتخصصوا بها، وتألوا على الله كثيرا وحكموا على عباده بالكفر حينا وبالفسق أحيانا كثيرة"

فلان الذي التصقت به كلمة (الهامل) إذا ما تاب الله عليه وقال ذات يوم مقولة حق في حق ظالم أو (صاحب مقام عند علية القوم) قيل أَومِن مثلك يسمع القول الحق، (فلان الهامل) منذ متى أصبح يدري صبحه من مسائه لينظّر علينا؟!
فلانة التي في صباها خالفت شرع الله بمظهر أو مخبرٍ ثم استتابته فتاب عليها، ترى النسوة يتهامسن لا بل يأكلن لحمها ميتاً، وأين؟! في درس دين يقام في بيت من بيوت الله!!

أمست المسميات كلعنة أبدية تلاحق المخطئ، وتفرّغ لها خلق كثير وتخصصوا بها، وتألوا على الله كثيرا وحكموا على عباده بالكفر حينا وبالفسق أحيانا كثيرة، ثم تراك تستشيط قهرا وغضبا إذا ما جلدت إحداهن "فلانة أو فلان" ثم حركت ثوبها ناحية الصدر ثلاث مرات وقالت "ما أحط بذمتي"، أنسيتِ قول الحق عز وجل {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليم في الدنيا والآخره} [النور:19]، ففي الآية لم يقل بأنه نشر الفاحشة أو ساهم أو دعا لنشرها بل "أحب" أن تنتشر هذه الفاحشة، أي لمجرد أنك سعيد ومرتاح لنشر الفاحشة بين المؤمنين فقد استحققت عذاب الله في الدنيا والآخرة!

خلّوا بين الخلق وخالقهم!

أبلا ذنوبٍ نحن لنشتغل بذنوب غيرنا؟!، ثمّ بأي حق نزج ببعضنا في جهنم الدنيا بقولنا هذا عاصٍ وهذا لا تقبل توبته وهذه لا تخاف الله!!
أبلغت بنا الوقاحة أن نتصدر للحكم على خلق الله بدلا منه؟ هذا إلى الجنة وهذا في قعر النار وهذه لن يغفر الله لها ولو خلقت من جديد!

"أيّنا ليس رهين أغلال الذنب ويطمع بعفو ربه وغفرانه، وأينا لم يخطئ في حق نفسه وربه وحق الناس ثم تاب وتاب الله عليه"

أيّنا ليس رهين أغلال الذنب ويطمع بعفو ربه وغفرانه، وأيّنا لم يخطئ في حق نفسه وربه وحق الناس ثم تاب وتاب الله عليه، فلماذا ننكر غفران الله وعفوه على بعض عباده؟ ما الذي يجعلنا نستيقن عفوه عنا وسخطه على "فلان الهامل"؟ ألا يدرك أحدنا أن الله بواسع رحمته وبشيء وقر في قلب "فلان الهامل" غفر له ورضي عنه فوجبت له الجنة، ألا يخشى أحدنا وبسبب تعييره لـ "فلان الهامل" أن يبتليه الله بذنب فلا يستطيع توبة ولا عودة فيشقى!

خلّوا بين الخلق وخالقهم فهو أصبر على مجرمهم وأرحم بشقيهم وأسعد بتوبة التائب وعودة العائد، ففي الحديث عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة" (رواه البخاري).

الستر خير العلاج ..

ففي الأثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت (يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكن ذنبا فلا تخبر به الناس، ولتستغفر الله ولتتب إليه، فإن العباد يعيّرون ولا يغيرون، وإن الله يغير ولا يعيّر).

الداء المجتمعي "الشماتة والتعيير" خير حل له هو الستر، استر ذنبك واستغفر الله وتب إليه، اطرق باب صاحب العفو وتذلل بين يديه ليعفُ ولا تخبر أحداً بذنبك فإن الله يغفر ذنبك ويعفو عنك كأنك لم يكن هنالك ذنب، وإن الناس لا يغفرون ولا ينسون خطيئة لأحد ثمّ يعيرون بالذنب ولو بعد حين، ثمّ كحال صاحب الرسالة يحكمون عليك باللعنة الأبدية.

ثم إنه ليتوجب على المسلم أن يكون عونا لأخيه المسلم لا عونا لشياطين الإنس والجن عليه، فيستره ولا يفضحه ويأخذ بيده نحو التوبة ويعينه على تفلتات النفس ويقويه عند همزات الشيطان، ففي الأثر عن الفضيل بن عياض قال (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويفضح)، فاختر أيهما تكن؟!

وختاما فلنجعل نصب أعيننا جميعا قول الحق عز وجل {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} [النور:21].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع "بصائر" اﻹلكتروني في الشؤون التربوية واﻷسرية ، وصحفية وكاتبة في صحيفة "السبيل" اليومية في الشأن السياسي والشبابي .

شاهد أيضاً

ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير

كثيراً ما يعزي الناس بعضهم في المصائب والملمّات بقولهم: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" …