الحركة الإسلامية وضرورات بناء عوامل الاستقلالية والقوة الذاتية

الرئيسية » بصائر الفكر » الحركة الإسلامية وضرورات بناء عوامل الاستقلالية والقوة الذاتية
الحركة الإسلامية24
الحركة الإسلامية مطلوب منها في هذه المرحلة العمل بل والعكوف وبشكل لصيق وأصيل، له أولوية عما عداه، على قضية الاستقلالية، وعلى توفير عوامل القوة الذاتية، مهما كانت التحديات، لأن في ذلك الاستغناء عن الآخر، والاستغناء هو أول وأهم مراتب الحرية!

شُغِلَتْ العديد من الدوائر السياسية والإعلامية، داخل الحركة الإسلامية، وحتى على مستوى شباب الصف الحركي في الفترة الأخيرة، بنقاشات عدة حول بعض التحولات التي طرأت أو يمكن أن تطرأ على مواقف بعض القوى والدول والحكومات التي تدعم الثورات المضادة في دول الربيع العربي، وما يمكن أن ينجم عنه ذلك من تحولات في موازين القوى في إطار صراع الحق والباطل، والإصلاح والفساد، القائم حاليًا في بلدان عالمنا العربي.

ولمزيد من التحديد فقد انشغلت الحركة الإسلامية بشكل كبير خلال الفترة الماضية بحدث كبير وقع في المملكة العربية السعودية، عندما توفى اللهُ تعالى، العاهل السابق للبلاد، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، والذي كان معروفًا عنه تأييده المطلق للانقلاب في مصر، وللثورات المضادة في تونس وليبيا، يدعمه في ذلك تحالف إقليمي خليجي وعربي.

وكان للإجراءات التي تبناها خليفته، عاهل البلاد الجديد، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، فيما يتعلق بإعادة ترتيب البيت الداخلي، العديد من ردود الفعل المترقبة أو المتنبئة – سيَّان – بحدوث تغيرات في السياسة السعودية إزاء الأوضاع في مصر، وإزاء الموقف من الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي الصحوي.

وزاد من هذه المساحة من التفاؤل، إقصاء الملك سلمان، عددٍ من الوجوه التي كانت تُعتبر هي المحرك والموجِّه الأساسي لسياسات المملكة خلال عهد الملك عبد الله، في الاتجاه المعادي للمشروع الإسلامي وثورات الربيع العربي، مثل خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي السعودي السابق.

وبقطع النظر عن قضية مهمة تُعتبر من قواعد العمران البشري وسُنَن التدافع، وهي الأخذ بالأسباب المادية، وأنه من بين هذه الأسباب رصد عوامل قوة الخصم، والسعي إلى تحييدها، ونقاطه ضعفه، وتعظيمها، وأن الدعوة والمشروع الحضاري الإسلامي يتحرك في إطار إقليمي ودولي لا ينبغي إغفاله؛ إلا أن عظيم الاهتمام التي أبدته الكثير من الدوائر داخل الحركة الإسلامية، وتحديدًا الإخوان المسلمون في مصر، تثير الكثير من الإشكاليات التي نرى طرحها في هذا الحيِّز.

مبدئيًّا، قد يكون لبعض الإخوان المسلمين، في مصر وخارجها، مبررٌّ مهم لهذا الاهتمام، في ظل أمرَيْن، الأول هو أهمية الدور –بالفعل- الذي لعبته الرياض في عهد الملك عبد الله في تقويض الثورة المصرية، ودعم الانقلاب العسكري ونظامه، والثاني هو حجم الضغوط الكبيرة التي تشهدها الحركة الإسلامية في مصر، سواء داخل الوطن، أو خارجه، والتي شملت مختلف ألوان الحروب، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة بالمعنى المباشر.

ولكن هذا لا ينبغي إلى هذه الحالة المحمومة من البحث والاهتمام، ولكي لا يزيد الاستطراد في هذه الجزئية المباشرة والقريبة بحالة بعينها؛ فإن هذه الحالة تقود إلى فتح الحديث في أمر قد يكون غائبًا أو على الأقل قابعًا في خلفية اهتمام الحركة الإسلامية وغالبية القائمين عليها، إلا قلة قليلة.

يخص هذا الحديث قضية استقلالية الحركة الإسلامية، وما يرتبط بذلك في صدد ضرورات بناء عوامل القوة الذاتية للحركة، والتي إن تم تكوينها؛ فإنه لا يكون هناك حاجة إلى آخرين لنيل دعمهم، أو حتى الاهتمام بأمرهم، إلا فيما يقتضيه الموقف المباشر خلال الحركة على الأرض، أو أخذ قرار، بما تقتضيه قوانين الأسباب.

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون} [سورة الأنفال:60].

"قيام جماعة المسلمين بالأخذ بأسباب هذه القوة، بقدر الاستطاعة يستوجب استنزال النصر عليهم، بقطع النظر عن موقف الآخرين، ساعدوهم أو خذلوهم"

هذه الآية تحدد الأطر التي ينبغي أن تحكم جماعة المسلمين في إطار تدافعها ضد أعداء الدين والأمة، ومن يحاولون عرقلة تقدم وصيرورات المشروع الإسلامي، وهي الاستعداد بالقوة، ما استطاعت جماعة المسلمين منها، لمواجهة الأعداء الظاهرين وغير الظاهرين.

وقيام جماعة المسلمين بالأخذ بأسباب هذه القوة، بقدر الاستطاعة –والتي سيعلمها عالم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى– يستوجب استنزال النصر عليهم، بقطع النظر عن موقف الآخرين، ساعدوهم أو خذلوهم.

ولو علم الله "عز وجل"، أن هذه الاستطاعة كانت -حتى- رجلاً واحدًا مجهزًا على مختلف المستويات المادية والمعنوية، لأنزل نصره على المؤمنين من عباده الصابرين المثابرين، وهو ما يعرف لدى فقهاء ومفكري المسلمين، بقياس الوسع والطاقة بالتكليف.

وهو كان منهج جماعة المسلمين الأولى، في دولة النبوة والخلافة الراشدة؛ حيث فتح المسلمون العالم القديم بأكمله في أقل من ثلاثة عقود بعد وفاة النبي "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وذلك بقدرة عسكرية لا يمكن بحال من الأحوال –في الظروف العادية– أن تغلب أممًا وإمبراطوريات راسخة، مثل الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية.

ففي علوم الحرب والاستراتيجية، بالمعايير المادية، لكي تهزم خصمك هزيمة كاملة تقصمه ولا تقيم له قائمة، يجب أن يكون عديد جيشك ما بين خمسة إلى عشرة أضعاف، ولكن في حالة المسلمين الأوائل نجد العكس؛ حيث هزم خالد بن الوليد وغيره من قادة المسلمين، ببضعة عشرات من الآلاف من المسلمين، مسلحين بأقل الإمكانيات، جيوشًا مؤلفة من مئات الآلاف من الجنود والفرسان المسلحين بأحدث تقنيات الحرب في ذلك الحين.

ويخطئ من يظن أن الإعداد هنا يتعلق بالأسباب المادية فحسب؛ فالأسباب المادية تكفي غير المسلمين، بمقتضى العدل الإلهي، ولكن في حالة المسلمين كأمة التكليف؛ فإن الأسباب المعنوية والقيمية، تغلب الأسباب المادية {..إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]، مع الحرص على الأخيرة أيضًا، فلا يكفي أن تكون مسلمًا مؤمنًا متقيًا، لكي تنال نصر الله؛ حيث يجب أيضًا العدة والأسباب المادية، ولكن لو غاب الجانب القيمي والأخلاقي في حالة المسلمين، فإن الأسباب المادية وحدها لا تكفي، بخلاف الحال في أمر غير المسلمين كما تقدم القول.

وفي سورة "الأنفال"، يقول الله تعالى، وكأنما هي مذكرة تفسيرية لاستنزال نصره على المسلمين: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ(65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

هنا كان الصبر والإيمان هما المعياران الرئيسيان لجماعة المسلمين لكي تحوز نصر رب العزة سبحانه، أما على رأس الأسباب المادية، فهم المؤمنون {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، أي أن العنصر البشري المؤهل نفسيًّا وإيمانيًّا هو مفتاح هذا النصر، وهو صُلب هذه العُدَّة التي حددها الله عز وجل في آية "وَأَعِدُّواْ...".

"ليس من الرشاد في شيء الاعتماد على عوامل متغيرة، فكيف آمن على مستقبل الدعوة وأنها تسير على أسس وقواعد متينة وأنا أعتمد على عامل متغير؟!"

ومن بين الأسباب المادية القريبة، أنه، ووفقًا لأهل الذكر من أساتذة العلوم السياسية والاستراتيجية؛ فإنه ليس من الرشاد في شيء الاعتماد على عوامل متغيرة، فكيف آمن على مستقبل الدعوة وأنها تسير على أسس وقواعد متينة وأنا أعتمد على عامل متغير؟!، والأدهى أنه هو ذات العامل الذي تغير عند خصوم المشروع؟!.

فكما تغير –بفرض ذلك- الموقف السعودي الرسمي من الانقلاب في مصر؛ قد يتغير الموقف الحالي المؤيد للحركة الإسلامية –بفرض إن حصل ذلك- في مراحل قادمة من صيرورات السياسة في المنطقة.

وعبر التاريخ، فقد فشلت مختلف الحركات السياسية التي اعتمدت على آخرين؛ حيث المواقف متبدلة بتبدل المصالح واتجاهات الريح السياسية، ولو وقع عامل مفاجئ، سياسي أو اقتصادي أو غير ذلك، غير متحسَّب له؛ هنا تنشأ الأزمة كما يقول علماء السياسة والإدارة.

الرشادة – إذًا - حتى في مستويات الأسباب السياسية والمادية القريبة، تقتضي الاعتماد على عوامل أكثر رسوخًا وقوة من جانب الحركة الإسلامية، وعلى رأسها العنصر البشري.

ففي تجربة النبوة الأولى، كانت التربية النبوية للصحابة الكرام الأوائل رضوان الله تعالى عليهم، هي مفتاح كل الفتوحات التي منَّ الله "عز وجل" بها على المسلمين، بدءًا من دولة المدينة، وحتى فتح أمصار العالم القديم بأكملها، مرورًا بفتح مكة المكرمة، واستباب الأمور للدولة المسلمة في شبه جزيرة العرب، في أواخر العهد النبوي وفي عهد الخليفة أبي بكر الصديق "رَضِيَ اللهُ عَنْه".

وفي عصرنا الحالي؛ فإن حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، نموذج حي، فهي استثناء من حركات المقاومة الفلسطينية الأخرى، في استقلاليتها وبنائها لعناصر قوتها الذاتية، بينما فشل الآخرون مما راهنوا على السياسة العربية، والأنظمة الحاكمة هنا أو هناك.

فـ"حماس" حرصت على استقلالية قرارها وعدم التورط في مستنقع السياسة العربية الآسن الفاسد، ونأت بنفسها عن مشكلات الأنظمة العربية، كما بنت عوامل القوة الذاتية التي تغنيها عن الآخر المتقلب.

ولا نقصد هنا السلاح فحسب، على أهميته، ولكن أهم هذه العُدَّة، هو العامل البشري المؤهل في اتجاهَيْن، الاتجاه المعنوي، إيمانيًّا وعقيديًّا، وكذلك سياسيًّا وفكريًّا، والاتجاه المادي، أي بدنيًّا وعسكريًّا، لتحمل الحرب الحالية ضد المقاومة الإسلامية الفلسطينية؛ فصمدت في الوقت الذي فشل فيه الآخرون، بالرغم من أنها محاطة ببحر من الأعداء، وتواجه كل ألوان الحروب، العسكرية والسياسية والإعلامية.

ومن ثَمَّ؛ فإن الحركة الإسلامية مطلوب منها في هذه المرحلة العمل بل والعكوف وبشكل لصيق وأصيل، له أولوية عما عداه، على قضية الاستقلالية، وعلى توفير عوامل القوة الذاتية، مهما كانت التحديات، لأن في ذلك الاستغناء عن الآخر، والاستغناء هو أول وأهم مراتب الحرية!..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

نظرية “العجز المُتعلَّم” ودورها في ترويض الشعوب (2-2)

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن أهمية احتفاظ الشعوب بروح التفاؤل لأهميتها في …