تأملات في النظام الجنائي في الإسلام

الرئيسية » بصائر الفكر » تأملات في النظام الجنائي في الإسلام
images

كثر في هذا الزمان النقاش حول موضوع فقه العقوبات في الإسلام، والحدود – منها- على نحو خاص، وهذا النقاش يدور بين أبناء التيار الإسلامي أنفسهم، كما يتناول الموضوع المخالفون للفكر الإسلامي من زوايا اتهامية متعددة. ومن خلال تتبع نظام العقوبات في الإسلام، وما يتعلق به من أحكام، تتضح الجوانب التالية:

1- أن العقوبات في الإسلام تنتظم في نظام متكامل دقيق؛ فالعقوبات لها تعريفات وشروط وأقسام وعلل وأحكام. كما أنّها شُرعت انطلاقاً من سياسة جنائية شاملة، ذات مبادئ سامية، وتحقيقاً لأهداف عظيمة، ولا يجوز النظر إليها إلا من خلال تلك المفاهيم والأسس التي انطلقت منها والغايات التي تسعى لتحقيقها.

2- توجد جملة من الأهداف للعقوبات في الإسلام من أهمها: حفظ الضروريات الخمس، والردع والزجر عن الجريمة، والجبر للخلل الناجم عن الجريمة، وتطهير المجتمع من الرذيلة والشر، وحماية الفضائل والخير، وهي رحمة للأمة والجاني، ومجازاة الجناة على ما اقترفوا من شرور، وإصلاح الجناة؛ فلم تكن العقوبات في الإسلام للتشفي من مقترف الجريمة، ولا للتنكيل به أو القضاء عليه، وإنما هي وسيلة لتصحيح الخطأ الذي وقف فيه وانتشاله من بيئة الجريمة التي وقع فيها.

"للعقوبات في الإسلام خصائص مميزة، أولها أن العقوبة رحمة، والعقوبات جوابر وزواجر"

3- للعقوبات في الإسلام خصائص مميزة، أولها أن العقوبة رحمة، والعقوبات جوابر وزواجر، وتتفاوت مراتب العقوبات تبعاً لتفاوات مراتب الجنايات، والعقوبات وضعت لتحفظ مصالح الجماعة والأفراد.

4- ثمة قواعد رئيسة لأحكام العقوبات في الإسلام، من أهمها: كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته، ولا جريمة ولا عقوبة بدون نصّ شرعيّ، وليس لولي الأمر حق العفو العام أو الخاص إلا في جرائم التعازير، والتكافؤ والمساواة في تطبيق العقوبات على الناس.

"حرصت الإدارة الإسلامية أن لا تقام العقوبة إلا بعد أن تستنفد كافة الوسائل التي من شأنها أن تحد الجاني عن جنايته"

5- حرصت الإدارة الإسلامية أن لا تقام العقوبة إلا بعد أن تستنفد كافة الوسائل التي من شأنها أن تحد الجاني عن جنايته، دون أن يقع الضرر على المجني عليه ولا على الجاني، ولذا أمر القاضي أن يخفِّف العقاب أو يمنعه لأيِّ شبهة تمنع تطبيقه؛ بغية إعطاء الفرصة للتوبة والإصلاح، فعن السيِّدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخَلُّوا سبيله فإنَّ الإمام إنْ يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)).

6- حرَّم الإسلام كلَّ اعتداء يحول دون تحقيق الضروريات الخمس، وفرض عقوبات رادعة بحقِّ المعتدين أيّاً كانوا، تسمى بالحدود، ولم يأت هذا التحريم والعقاب الَّذي يترتَّب على انتهاكه، إلا بعد تشريع ما يشبع تلك الرغبات والدوافع من الحلال الطـيِّب، فلم يقمع الشرع الحنيف حاجة من الحاجات، بل جعل لها السبيل السليم لإشباعها. كما عني الإسلام بالجانب الوقائي لصيانة الناس عن الوقوع في الجرائم.

7- وجه الإسلام المسلمين إلى أن يستر بعضهم هفوات بعض، خصوصاً إذا كان الخاطئ متستِّراً غير مجاهر، وأعطى صاحب الحقِّ سلطة العفو ما لم يعلم بها ولي الأمر، وعندها لا يقبل منه العفو، لأن الحقَّ تحوَّل إلى حقٍّ عام، فوق كونه حقاً شخصياً لصاحبه.

"نجحت الإدارة في الإسلام من خلال تشريعها الجنائي المتضمن للعقوبات المختلفة من حدود وتعازير في الحد من الجرائم المنتشرة"

8- نجحت الإدارة في الإسلام من خلال تشريعها الجنائي المتضمن للعقوبات المختلفة من حدود وتعازير في الحد من الجرائم المنتشرة، خصوصاً فيما يتعلق بالجرائم الإدارية، وضرب الحكام والولاة والمسؤولين في الإدارة الإسلامية أروع الأمثلة على النزاهة والاستقامة والمحافظة على المال العام وأداء الحقوق على أكمل وجه.

9- تشير الإحصائيات إلى أنَّ معدل الجريمة في الدولة الإسلامية كان في حدوده الدنيا، ونجح الإسلام في تربية الناس وصولاً بهم إلى الرقابة الذاتية، بحيث يصبح سلوك المسلم في وجود السلطة وفي غيابها واحداً وملتزماً بأعلى درجات الإتقان والصدق. وإن سياسة المنع والوقاية لهما دور في تضييق دائرة الجرائم الأخلاقية، وبقدر نجاح هذه السياسة تحقق فاعليتها.

10- لم تطبق كثيراً من العقوبات، خصوصاً فيما يتعلق بالحدود إلا نادراً، فتشير الإحصائيات مثلاً أنَّ رجم الزاني لم يطبق في 400 سنة من حكم الدولة الإسلامية إلاَّ 6 مرات، وهذا مما يدلل على فاعلية العقوبة في التأثير في سلوك الناس، وتحقيقها لمقاصدها التشريعية في حفظ الأمن ومحاربة الجرائم. كما أن السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية تقوم على منهج تكاملي فريد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
يعمل في مجال الاستشارات الإداريّة، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية ودبلوم عالي في MIS، وشهادتي ماجستير في MIS والعلوم السياسية ودكتوراه إدارة الأعمال. لديه العديد من المؤلفات من أهمها: نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي، رسالة في الطريق إلى دعوتنا، الموجز الميسر في ثقافة دعاة العصر، مصادر القوة والتميّز عند الداعية، الابتسامة وأثرها في عمل الداعية. له الكثير من الأبحاث والمقالات السياسية والفكرية والتربوية والدعوية.

شاهد أيضاً

جدل تصريحات آمنة نصير وقضايا نساء أقلِّيَّاتنا المسلمة المتوارية!

تشهد ساحات الإعلام والإفتاء في مصر والعالم العربي هذه الأيام، ولاسيما منصَّات التواصل الاجتماعي، الكثير …