عقوق الوالدين.. أسباب متعددة وعوامل مساعدة

الرئيسية » بصائر تربوية » عقوق الوالدين.. أسباب متعددة وعوامل مساعدة
بر الوالدين3

الابن يشكو أباه وأمه في المحكمة أو يضعهما في إحدى دور الرعاية وربما تأخذ العلاقة بينهما شكلاً من أشكال القطيعة والهجر، تصبغها أسوأ ألوان النكران والجحود، فما هو سبب هذا العقوق؟ هل هو قلة دين وسوء تربية؟ أم تباين واختلاف ثقافات؟ أم هو انقلاب على القيم والعادات والتقاليد؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها التقرير التالي:

ضرورة متابعة ومراقبة الأبناء

الدكتور محمد عبد الغفور المحاضر في كلية الدعوة الإسلامية في قطاع غزة، قال لـ"بصائر": ”إن الله سبحانه وتعالى أخبر أن الآبناء، والذرية نعمة، وهذه النعمة ينبغي أن يحافظ عليها وتصان قبل إنجاب الذرية من خلال اختيار الزوجة الصالحة وفق المواصفات المحمدية لقوله صلى الله عليه وسلم: ”تنكح المرأة لأربع لدينها وجمالها ومالها فاظفر بذات الدين تربت يداك".

د. محمد عبد الغفور: المراقبة للأبناء مهمة جدًا في هذا الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا والتقدم كبير جدًا , ووصل إلى كل بيت. بل إلى كل شاب وفتاة.
د. محمد عبد الغفور: المراقبة للأبناء مهمة جدًا في هذا الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا والتقدم كبير جدًا , ووصل إلى كل بيت. بل إلى كل شاب وفتاة.

وتابع ”معنى ذلك أنه سيتزوج امرأة تحسن التربية والرعاية لهذه الذرية وتتحمل مع الزوج أمانة تربية الأبناء، ثم بعد ذلك يجب تحصين المولود، والنبي –صلى الله عليه وسلم- علمنا كيف نحصن أبناءنا فقال: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ".

وأوضح عبد الغفور أنه إذا عرف الأب دوره في تربية أبنائه فإن الولد سيكون صالحاً، ”فالتربية مهمة جدًا، ثم بعد الإنجاب يجب أن يختار له اسماً حسناً، فلا ينبغي أن يسميه بناءً على اسم فنان أو لاعب كرة قدم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جيء إليه بالمولود ينتقي له اسمًا حسنا".

وأردف قائلاً: ”كما يجب على الأب أن يتابع ابنه إلى أن يصل مرحلة البلوغ، مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم: “مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ”، وأنا أقول المتابعة والمراقبة للأبناء مهمة جدًا في هذا الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا والتقدم كبير جدًا، ووصل إلى كل بيت، بل إلى كل شاب وفتاة.

حكم من يعق والديه

وحول حكم من يعق والديه، أشار عبد الغفور إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أن سئل عن أكبر الكبائر؟ قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين” فقارن حبيبنا -صلى الله عليه وسلم- بين الشرك بالله وهو من أعظم الذنوب، {إن الشرك لظلم عظيم}، وبين عقوق الوالدين الذي يعتبر ظلماً كبيراً لأن فيه نكران لأعظم جميل.

ولفت إلى أن الصحابة الكرام كان يتعاملون مع آبائهم انطلاقاً من التربية المحمدية بأدب وأخلاق وحسن رعاية، منوهاً إلى قصتين الأولى فيها بر في الحياة الدنيا، والثانية بر بعد الموت، أما في الحياة فقد جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: لقد حملت والدتي وطفت بها فهل وفيت أمي حقها؟ فقال: لا، رغم هذا البر وهذا الإحسان فما وفّى أمه حقها".

وأردف قائلاً: ”جاء للرسول -صلى الله عليه وسلم- رجل يريد أن يجاهد جهاد طلب، وهناك فرق بين جهاد الطلب، وجهاد الدفع، لأن جهاد الطلب ليس بواجب عيني وإنما هو واجب كفائي، أما جهاد الدفع فهو فرض كفائي، فقال له النبي،: أمُّكَ حَيَّةٌ؟ قُال: نَعَمْ، قَالَ: الْزَمْ رِجْلَيْهَا، فَثَمَّ الْجَنَّةُ".

أما فيما يخص بر الوالدين في بعد الموت، استدل عبد الغفور بالقول: ”عن ابن دينار عن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه فبينا هو يوماً على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي، فقال: ألست ابن فلان ابن فلان؟ قال بلى. فأعطاه الحمار، فقال: اركب هذا، وأعطاه العمامة وقال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى". وإن أباه كان صديقاً لعمر رضي الله عنه.

وقال: إن في الحديث المشهور عن أبي أسيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله: ”هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما؟ قال: نعم، خصال أربع: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما".

دكتاتورية بعض الآباء

"عبد الغفور: المشكلة أحياناً تكمن في أن الأب لا يعرف دوره الذي وكله الله به، بأن واجبه نحو ولده لا أن يوفر له المأكل والمشرب والملبس فحسب إنما مطلوب منه توفير غذاء الروح قبل كل شيء"

وأكد عبد الغفور أن المشكلة أحياناً تكمن في أن الأب لا يعرف دوره الذي وكله الله سبحانه وتعالى به، وبينه له حبيبنا صلى الله عليه وسلم، أن واجبه نحو ولده لا أن يوفر له المأكل والمشرب والملبس فحسب إنما مطلوب منه غذاء الروح قبل كل شيء".

واستكمل حديثه بالقول: ”من هنا يبدأ الجحود لأن الأب من بداية حياته علّم ولده على أن الحياة كلها مادية، وعقوق الأبناء أحياناً يكون سببه الآباء".

ونوه إلى أن جحود الأبناء لآبائهم قد يكون سببه جحود الآباء لحقوق أبنائهم وعدم تربيتهم التربية السليمة وفق منهاج ربنا سبحانه وتعالى وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم.

هل البر يحتاج لأموال أو أوقات محددة؟

وشدد عبد الغفور على ضرورة تصحيح المفاهيم وتوضيح المفهوم الحقيقي للبر، ”لأن بعض الناس نظراً لجهلهم بدين الله وآداب الإسلام وأخلاقه يعتقدون أن البر متعلق بالجانب المادي"، مؤكداً على أن الوصية بالوالدين في القرآن الكريم ذكرت في مواقف كثيرة، وكلمة البر بحد ذاتها كلمة جامعة لكل خير، وكل ما يدخل السرور على الوالدين فهو بر.

وأردف قائلاً: ”قد يكون البر بالابتسامة في وجه الوالد أو إلقاء السلام على الوالدين، أو الجلوس معهم حتى ولو بدون كلام، أو باتصال هاتفي أو ممازحة أو اصطحابهم إلى مكان ما، أو بإعطائهم هدية بسيطة ورمزية، فذاك كله من البر".

ووجه عبد الغفور في ختام حديثه رسالة شكرٍ لكل من يبر والديه، قائلاً: ”إن بركم سوف يسجل في صفحات من نور، وإن آباءكم سينتفعون من برّكم في الدنيا والآخرة، سواء باستغفار أو دعوة أو غير ذلك، أما رسالتي للذين يعقوا آباءهم فأقول لهم: "إنكم ترتكبون كبيرة قارنها النبي بالإشراك بالله، فاتقوا الله سبحانه وتعالى، وإذا أردتم بركة في المال والأهل، وسعادة حقيقية صلوا آبائكم وأمهاتكم وبروهم وأحسنوا إليهم".

العقوق ناتج عن سوء التنشئة الاجتماعية

"المفتي: يمكن تفسير السبب الأساسي لعقوق الوالدين بعدم تلبية حاجات الإنسان من قبل الوالدين بالأصل، وليس المقصود الحاجات المادية فقط بل الحاجات الروحية والنفسية والعاطفية"

وفي السياق ذاته، قال الدكتور أمجد المفتي المحاضر في قسم الخدمة الاجتماعية في الجامعة الإسلامية بغزة: ”إن موضوع عقوق الوالدين ليس من المواضيع الحديثة، فالدين الإسلامي حث على احترام الوالدين وربطه بطاعة الله سبحانه وتعالى وذلك في قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}.

وحول عقوق الوالدين هل يكون نتيجة جحود؟ أو نكران حقوقهم؟ أو انقلاب على القيم؟ أوضح المفتي أنه يمكن تفسير السبب الأساسي لعقوق الوالدين بعدم تلبية حاجات الإنسان من قبل الوالدين بالأصل، وليس المقصود الحاجات المادية فقط بل الحاجات الروحية والنفسية والعاطفية، فقد يكون افتقار هذه الأسباب سبباً لعقوقهما وإنكار جميل تربية الآباء.

وتابع: قد يكون نقصاً في التنشئة الاجتماعية لهذا الطفل، وتربيته بالأصل فيها خطأ، وبالتالي سينقلب هذا الإنسان بقيمه وثقافته على الوالدين من خلال الجحود، مضيفاً أنه يمكن أن يكون العاق لوالديه يعاني من نقص في الدين، مؤكداً أنه إذا انعدم الوازع الديني ستكون بداية كل المصائب وليس عقوق الوالدين فقط.

تأثير تصرف الآباء بدكتاتورية مع أبنائهم

وذكر المفتي أن أساليب التنشئة والتربية الخاطئة تعد أحد الأسباب المهمة في حدوث المشكلات الاجتماعية في المجتمع، ”فعقوق الوالدين قد يكون السبب الأساسي فيه هو حالة العنف داخل الأسرة، بمعنى آخر قد يكون السبب الأساسي لحدوث هذا العنف والعقوق هو أسلوب التعامل والتربية لهذا الطفل طوال فترة حياته بشكل تسلطي ودكتاتوري سواء كان العنف مادي أو جسدي أو لفظي.

وأكد المفتي على ضرورة أن يمثل الوالدين القدوة الحسنة لأبنائهم ”فإذا كانوا هم أصلا قدوة سيئة فستنتقل هذه الصفة والوراثة السيئة للابن، وبالتالي عقوق الوالدين سبب أساسي نحمل جزءاً منه من خلال التربية والتنشئة الخاطئة أو حتى الدلال الزائد".

مرحلة ما قبل المدرسة وتأثيرها على الطفل

وقال المفتي: ”إن علماء النفس والخدمة الاجتماعية أشاروا إلى أن أول خمس سنوات من حياة الطفل الأولى هي التي تحدد ملامح شخصيته، لافتاً إلى أن الأسرة هي المتحكم الأول وهي المؤسسة الأولى التي تستقبل هذا الطفل منذ الميلاد، ولا يتدخل في تنشئة هذا الطفل في السنوات الأولى سوى الأسرة، وبالتالي الابن يولد صفحة بيضاء والأسرة هي التي تخط وتحدد ملامح شخصيته، قبل دخول أي عناصر أخرى مثل: المدرسة والروضة والأصدقاء والتكنولوجيا.

وأضاف أنه يجب أن تكون أساليب التربية صحيحة وبعيدة عن تربية الطفل على العنف والعقوق وبعيدًا أيضا عن الدلال الزائد، فلا إفراط ولا تفريط وهذه هي القاعدة الأساسية في الدين، مبينا أن من أهم الأساليب التي يمكن أن يستخدمها الوالدان في التربية هو أسلوب الترهيب والترغيب كأسلوب ديني وأسلوب الملاحظة، أي أن أترك الطفل يفعل ما يشاء لكن بالملاحظة فإن فعل الخطأ أعالج هذا الخطأ بسرعة، بحسب المفتي.

أثر غياب الوالدين عن الأبناء

"المفتي: غياب الوالدين عن الطفل يتيح له فرصة أن تتدخل مؤسسات أخرى في تنشئته مثل الحضانة، أو التلفاز أو أصدقاء السوء"

وأشار المفتي إلى أن غياب الوالدين عن الطفل يتيح له فرصة أن تتدخل مؤسسات أخرى في تنشئته مثل الحضانة، أو التلفاز أو أصدقاء السوء، ”فنحن نفتح له المجال بأن يتدخل أشخاص أو مؤسسات آخرين في تنشئة هذا الطفل، فيجب أن لا نلوم الابن بطبيعة شخصيته لأننا نحن تركنا فراغاً في غياب الأب والأم عن حياته وهم الأساس في تكوين هذا الفراغ وهو السبب الأساسي لعقوق الطفل.

وقال المفتي: إن أهم مراحل العقوق تكون في سن المراهقة، مشدداً على أنه يجب على الأب أن يكون بعيدًا عن التعامل بالعنف مع ولده مع اعتماد أساليب الحوار، وأخذ الابن على أنه صديق وليس فقط مجرد ابن وأب وأوامر وطاعة عمياء، فالمثل شعبي يقول”إن كبر ابنك خاويه".

وأضاف أنه يجب على الأب أن ينظر إلى ابنه على أنه رجل وأن ينظر للفتاة على أنها صبية قادرة على تقرير مصيرها وفهم نفسها، ”فأنا أترك له ما يشاء من عمل لكن من خلال الملاحظة والمراقبة لتصحيح أي أفعال تخرج عن المألوف”، بحسب المفتي.
ودعا المفتي الآباء والأمهات بأن لا يكونوا سبباً في حدوث العقوق داخل المنزل من خلال تربيتهما السلبية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

ما الذي ينبغي أن تفعله قبل بداية العام 2018؟

مضى الوقت بسرعة مُذهلة! ونهاية العام هو #الوقت المناسب تماماً لنعيد ترتيب أوراقنا، ونستعرض نتائج …