الرجل والمرأة والعمل الجامعي

الرئيسية » بأقلامكم » الرجل والمرأة والعمل الجامعي
الرجل والمرأة

يغري المقام للحديث ويفتح الكثير من التفاصيل؛ إلا أن حديثي هنا يتناول علاقة الرجل بالمرأة في العمل الجامعي، في جزئيات منه تتعلق بالنظرة نحو الذات، ونظرة المجتمع إليهما، وكيف أسهمت بعض المنقولات والتعميمات القاصرة المنبثقة عن تجارب شخصية في الإساءة للأحكام حولهما.

حين الحديث عن المرحلة الجامعية فنحن نتحدث عن الفئة العمرية (18-23) سنة، والتي وإن طالت بفعل الاعتقال والملاحقة الأمنية فإنها تكون لصالح شخصية الرجل في كثير من الأحيان؛ إذ تكسبه خبرة وثقة وتشكلًا خاصًا يتفوق فيه على أقرانه إلى حد كبير، في هذه المرحلة والتي يُنظر إليها في علم النفس على أنها بين مرحلتين حتى 20 نهاية المراهقة وما بعد ذلك الشباب، تغيرات كثيرة تطرأ على الشخص، وتنعكس على طبيعة تعامله مع الناس وعلى طريقة تعاطيه للقضايا المختلفة. الصفات المشتركة بين الجنسين؛ الميل للتفاعل بدرجة عالية، وتميز التوجهات، المثالية والتي تستمر في حالة الفتاة مع تغليب العاطفة، فيما يميل الشاب إلى تغليب العقل والمنطق، وهذا الاختلاف عادة ما يكون سبب كثير من الخلافات بينهما؛ لاختلاف زاوية النظر والتقييم، إلى جانب الاختلاف على من يسيطر أو مَن تنفذ كلمته، لرغبة كل منهما بإثبات ذاته، ولنزعة التمرد التي تتميز بها المرحلة العمرية.

كما يتجه الشباب الإسلامي في هذه المرحلة من أبناء التخصصات العلمية إلى تعويض النقص في العلم الشرعي بنزعة التشدد؛ في التعامل مع الفتاة أو في تفسير مشاركتها في أي عمل حتى لو كانت مجرد سؤال على هامش محاضرة يعقدونها؛ فيميلون لأن تقدمه كسؤال مكتوب، ويعللون الكثير من السلوكيات والآراء بدرء الشبهة أو درء الفتنة وحفظ النفس، وتتركز هذه الملاحظات في الأوساط أو الجامعات التي يغلب عليها المحافظة أو لوجودها في مجتمع محافظ، فيما تتراجع كثيرًا في الجامعات التي تشهد انفتاحًا في طبيعة الطلبة والتخصصات؛ للاحتكاك والتدافع بين التيارات كاملة ولنزعة التنافس العالية بين التوجهات الفكرية المختلفة بالتوازي بين الرجل والمرأة، مما يصب في مصلحة المرأة إجمالًا ويدفع إلى الدفع بها لتصقل مهاراتها أو تكتشف ذاتها وقدراتها من خلال المشاركة الفاعلة في مجالات مختلفة.

وفي الوقت الذي يُنظر فيه للعمل بين الشاب والفتاة الإسلاميين بعين الريبة والملاحقة والشك، فإن هذه النظرة لا تكون حاضرة في النظر لمن يعملون معًا في مشاريع أكاديمية أو النوادي، كما ألاحظ الآن ميل البعض للعمل في البيئة المفتوحة ليتحرر من بعض القيود السلوكية؛ فيضحك بأعلى صوته وقد يتغزل بصديقته ويبادلها النكات بل وقد يتدخل في خصوصياتها، فهذا مقبول، بينما العمل الملتزم في أطر محددة بات مستنكرًا مشوبًا بالخوف!

أما أكثر ما يسيء للعمل هو الموروث لمواقف يُدعى حدوثها، يتناقلها شخص عن آخر دون تثبت من حصولها، وفي الإجمال أصحابها مجهولين، تُسهم في خلق صورة مشوهة عن الواقع، ولا تُحصر في زمن معين، ولا يُؤخذ بعين الاعتبار أنْ لا ملائكية في أي وسط، وأن الميل للجنس الآخر طبيعة بشرية، وأن من قد أخطأ بالأمس تعلم من تجربته، وأن هذه التجربة ليست مبررًا لتعميم نظرة أو تخطئة جماعة.

وإذا كنت تقبل لنفسك أن تقع في الخطأ ثم تعود عنه وتتمنى أن لا تتذكر وأن لا يُذكرك أحد به؛ فالأوْلى أن تتعامل مع تجارب الآخرين بهذه الطريقة، لا أن تعتبر خطأ في زمن ما؛ انهيارًا لمنظومة القيم والأفكار الضابطة لجماعة ما.

وفي التعامل بين الجنسيْن لعمل ومشروع يراد له النجاح والوصول إلى بر الأمان لا بد من: رسم حدود العلاقة في الصوت واللغة وطريقة التعامل وظرفه الزمني والمكاني، وتحديد الموقف من الآخر على أساس من الاحترام والتفاهم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي اثنين يتعاملان معًا يتأثران ببعضهما إلى الحد الذي يمكن أن يربي طرف الطرف الآخر.

المرأة التي تعمل معها ليست شيئًا من أشيائك، ولا يٌفترض بها أن تنفذ تصوراتك فقط؛ فهي إنسان وكيان له قدرات مختلفة، وحسن الحوار يُخرج أفضل ما لدى الطرفين في ظل وضوح الصلاحيات. كما أن المرأة التي تستنفذ قدرتها في التفكير وحمل العبء وسد الفراغ في ظل غياب شطرها؛ تستحق أن تُقدَّر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن غيابك كشخص لفترة طويلة عن الميدان في ظل وجودها؛ يعطيها ميزة فهي تعرف ما يلزم أكثر حتى وإن لم تسعفها قدراتها وما يتوفر بين يديها على توفير كل الإمكانيات لإخراج عمل كامل.

استيعاب قدرات المرأة وضرورة أن تخاطب المرأة المرأة، وأن تخاطب المجتمع بأسره، وهي قادرة على إدارة مجتمعها وعملها المناط بها، لكنها تنجح أكثر حين يدعمها الرجل ويقدر إمكاناتها ويكف عن تسفيهها وتضعيفها. أما الرجل الذي يرى أن المرأة تأخذ مكانه؛ فهو لا يعرف نفسه جيدًا، فالعمل المجتمعي والفكري والثقافي والتربوي ليس وظيفة براتب نتنافس عليه، لكنه رسالة ودور إن لم تتصدَ له المرأة بكليتها فمن سيقوم بدورها؟ لماذا لا تتقدم المرأة وتصنع لنفسها مجتمعًا تنشط فيها النساء وتبرع كل منهن في مجال؟ لماذا قد نقبل أن تكون المرأة سلعة أو نزوة عابرة ولكننا لا نقبل لها أن تتحرر من قيود التفكير الدنيوي بمختلف الشهوات وتنطلق إلى رحابة الفهم والعلم والعمل؟ تتعلم وتصحح وتوجه، وكما يُقبل للرجل أن يصحح لها، يُقبل أن تصحح له.

وجودك أخي وأنتِ أختي ليس عبثيًا، والتدافع يلزم معه أن يفهم كل منا دوره ويدرك إمكانياته وما يمكنه إبداعه في ظل قلة تراكم النماذج الفاعلة التي تؤثر في الحياة العامة؛ في سلوك الأفراد وأنماط حياتهم وطبيعة تفاعلهم مع الأحداث والأفكار، وتعيد توجيه البوصلة إلى علياء يلزم معها إيمان وتجرد وبذل وثبات.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التوحيد أولا ….. سورة الأنعام

اسم السورة هو "الأنعام" وعلى الرغم من ورود هذه الكلمة "الأنعام" في مواضع قليلة من …