السلوك الاستهلاكي والحاجة إلى الوعي (2-2)

الرئيسية » بصائر من واقعنا » السلوك الاستهلاكي والحاجة إلى الوعي (2-2)
قد تكمن وراء التسوق عقد النقص باقتناء الأشياء والممتلكات، ما يشكل تعويضاً لهذا النقص الذي يشعر به الفرد
قد تكمن وراء التسوق عقد النقص باقتناء الأشياء والممتلكات، ما يشكل تعويضاً لهذا النقص الذي يشعر به الفرد
قد تكمن وراء التسوق عقد النقص باقتناء الأشياء والممتلكات، ما يشكل تعويضاً لهذا النقص الذي يشعر به الفرد

دخل عمر بن الخطاب - رضي االله عنه - على ابنه وعنده لحم، فقال عمر: ما هذا؟ قـال: اشتَهينا اللحم، فاشترينا منه بدرهم، قال عمر: وكلَّما اشتهيتَ اللَّحم اشتريتَه؟ كفى بالمرء سـرفًا أن يأكل كلما اشتهى.

وفي دراسة عن هذا الموضوع أعدها د. حاتم بن سعيد الغامدي و د. جبران يحيى يقولان: "وهنا يتحول الاستهلاك من الإشباع الضروري للحاجات إلى المبالغة بشكل متزايد، أو الشراء واقتناء الأشياء، حتى يظهر الشخص بالشكل الذي يرغب أن يراه الناس عليه، إذاً هو يعبر عن دافع نفسي أكثر مما يعبر عن الحاجات الضرورية المعتدلة للإنسان، ومن تلك الدوافع النفسية الرغبة الشخصية، أو القلق، أو ما يعبر عن عقدة النقص التي قد تنتاب بعض الناس، مما يجعل المشتريات الاستهلاكية مكملة في كثير من الأحيان، أو بسبب دوافع اجتماعية، مثل المسايرة الاجتماعية، التي تعني مسايرة المجتمع في مظاهره الاستهلاكية، بغض النظر عن الفروق المادية".

ويقولان أيضاً تحت باب الأسباب النفسية لسلوك المستهلك: "تأتي العوامل النفسية كأسباب أخرى تفرق بين الناس في استجابتهم للضغوط الاستهلاكية السائدة في المجتمع، فهناك من هو مستجيب بشكل الاستجابة الكاملة، أو المنجرف. وقد تكمن وراء الاندفاع السلوكي لهؤلاء درجة من القلق النفسي المرتفعة، حيث يمثل التسوق نوعاً من التصريف الانفعالي، أو التنفيس.

وقد تكمن وراء التسوق عقد النقص باقتناء الأشياء والممتلكات، ما يشكل تعويضاً لهذا النقص الذي يشعر به الفرد، وهذه العينة من الناس لديها اضطراب في مفهوم الذات. ولتحقيق الذات يلجؤون عادة إلى إشباع رغباتهم بالتسوق غير المبرر للمقتنيات والكماليات لإكمال ذلك النقص الشخصي، وهذا ما يعرف علمياً بـ «اضطراب شره الشراء»، وهي حالة مرضية تنتشر في أوساط المثقلين بالديون، فتجدهم يشترون أشياء يمكن الاستغناء عنها من أجل التخفيف من القلق النفسي الذي يشعرون به، وللتغلب على الشعور بعدم الأمان.

وقد يكون ذلك الإشباع نتيجة لحالة من الحرمان الطفولي، والذي يبحث فيه الفرد عن إشباع الاحتياجات التي لم تشبع في مرحلة الطفولة، وقد يعبر عن حالة مبالغ فيها من التملك والاستحواذ، أو يعبر عن سمة شخصية تتميز بالاندفاعية والأنانية، وعدم القدرة على إرجاء إشباع الحاجات، وقد يعبر السلوك الاستهلاكي عن المشكلات الأسرية، أو عدم الاستقرار الأسري في بعض الأحيان".

ومن أسباب انحراف السلوك الاستهلاكي أو تطرفه:

"من أسباب انحراف السلوك الاستهلاكي: الغيرة والنظر للآخرين، فترى الشخص يشتري أي شيء اشتراه صديقه وربما يزيد عليه لمنافسته"

• حب التملك المتطرف عند المستهلك، فتراه كلما أعجب بسلعة معينة أحب أن يقتنيها لمجرد حب التملك، فتراه قد يغير في العام الواحد ثلاث أو أربع سيارات على سبيل المثال من باب حب التملك المتطرف.

• الغيرة والنظر للآخرين، فترى الشخص يشتري أي شيء اشتراه صديقه وربما يزيد عليه لمنافسته، وتجد ذك جلياً عند النساء خصوصاً لما فيهن من صفات تركز على التفاصيل وتهتم بأدق الأمور.

• زيادة المال المفاجئ، حيث إن الكثيرين ممن عاشوا حياة الحرمان تراهم يتقلبون بطراً في النعيم عندما يغنيهم الله، وكأنهم يريدون أن يعوّضوا كل لحظة من حياتهم كانت بئيسة.

• الإغراءات التسويقية، وهنا لا بد للمستهلك أن يكون واعياً، فمثلاً تجد إعلاناً عن هاتف مقاوم للمياه ولو غسلته تحت الماء مباشرة، باعتقادي قد لا تكون ميزة إيجابية أو مميزة في هذا الهاتف خاصة إن كانت هذه الميزة سبباً في ارتفاع سعره، فقط اسأل نفسك السؤال التالي: خلال تملكك للهواتف عبر حياتك، كم مرة سقط هاتفك في الماء، وكم كانت تكلفة صيانته؟ أحياناً تكون الميزة المعروضة مغرية إلا أنها غير فعالة، أي أنك قد لا تضطر لاستخدام هذه الميزة طوال بقاء هذه السلعة عندك.

• العلامات التجارية؛ فترى الكثير من شبابنا وبناتنا يسعون فقط لاقتناء تلك العلامة التجارية مقابل مئات الدنانير الإضافية بحجة أن السلعة الثمينة أجود وأطول عمراً، قد يقبل هذا الكلام إذا كان الفرق في السعر منطقياً ومقبولاً، خاصة أن الكثير من الناس يخدعون لمجرد رؤيتهم للعلامة التجارية ولو كانت تقليداً لأنه بالنهاية لن يستطيع التمييز بين الأصلي والمقلد وهو ما رأيناه عند الكثير ممن انخدعوا بالعلامات التجارية، فإذا كان الفارق المادي كبيراً مقارنة بجودة المنتج فعلى المشتري أو المستهلك أن يكون واعياً جداً لهذا الأمر، لكننا للأسف رأينا من يفاخر باستهلاكه لعلامة معينة حتى وهي تضر بصحته أمثال أنواع الدخان أو بعض مطاعم الوجبات السريعة، وقلَّ من يقتني السلعة لجودتها بغض النظر عن سعرها.

• التطور التكنولوجي أوجد حاجات لم تكن موجودة من ذي قبل عند المستهلكين، كالسيارات بما فيها من إضافات، ومثل كاميرات الهواتف عالية الجودة، وأنظمة تحديد المواقع، وبرامج التسلية والترفيه، ومكالمات الفيديو وغيرها من الخدمات، صحيح أنها مفيدة لكنها ذات يوم لم تكن حاجة للإنسان وإنما اختراعها جعلها حاجة للإنسان لا يمكنه الاستغناء عنها.

إن الإنسان الوسطي جعله الله متوازناً في كل أمر وشأن من شؤون حياته، ولما وصف الله عباده قال عنهم: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان:67]، ولطالما قال السابقون إن النعم لا تدوم، وهذا يعني بالضرورة أن يعي الإنسان أنه مستخلف في المال، وأن على المال الذي بين يديه حقوقاً يجب عليه أداءها مثل الزكاة والصدقات وبر الأهل والأصدقاء، فإن لم تحسن استخدامه فلعل الله نزع بركته أو حوّله عنك؛ وجاء في الحديث الضعيف عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ فَرَأَى كِسْرَةً مُلْقَاةً، فَمَسَحَهَا، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ عز وجل، فَإِنَّهَا قَلَّمَا نَفَرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِم".

 

لقراءة الجزء الأول. اضغط هنا

معلومات الموضوع

الوسوم

  • المال
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    “نصرة للنبي”.. جمعيات تجارية عربية تعلن مقاطعة منتجات فرنسية

    أعلنت جمعيات تجارية عربية، مقاطعة منتجات فرنسية وسحبها بشكل كامل من معارضها، ضمن حملة احتجاجية …