الهجرة إلى الحبشة.. وأهمية معرفة المسلم بأصول دعوته

الرئيسية » بصائر الفكر » الهجرة إلى الحبشة.. وأهمية معرفة المسلم بأصول دعوته
الهجرة إلى الحبشة2

شهد العام الخامس لبعثة الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، حدثًا شديد الأهمية، لا يلتفت إليه الكثير من المؤرخين على أهميته الكبرى في رسم صيرورات الدعوة الإسلامية في سنوات الاستضعاف الأولى، وما تلاها من تمكين، وهو بدء تواتر هجرات عدة للمسلمين الأوائل من مكة المكرمة إلى الحبشة، عبر البحر.

هذا الحدث الذي تلخص في موجتَيْن كبيرتَيْن، حملت الأولى بضع أفراد من المسلمين بين رجل وامراة، عادوا بعد عدة أشهر، والثانية حملت إجمالي 103 مسلمين، 78 رجلاً، و17 امرأة، و8 من الأطفال الصغار، من أبناء الصحابة الأوائل رضوان الله تعالى عليهم جميعًا، وكان من بينهم الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، والذي عاد إلى جماعة المسلمين بعد الهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة، بعد سنوات عشر قضاها في منفاه، بعيدًا عن أهله وماله، في الدعوة إلى دين الله عز وجل.

وبعيدًا عن التفاصيل الحديثية والخلفيات التاريخية، لهذا الحدث الكبير؛ فإن تجربة هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة، فيها الكثير من الأمور التي يجب أن تُدرس وتوضع في إطارها الصحيح أمام العاملين في حقل الدعوة، والقائمين والمنخرطين في المشروع الحركي الإسلامي الإصلاحي، على تشابه الواقع ما بين هذه المرحلة التاريخية، والمرحلة الراهنة التي يحياها المشروع الإسلامي، في كثير من الأمور.

وهناك العديد من الأمور التي تجعل من تجربة هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة، أقوى وأوقع على النفس بمراحل، ولها جاذبيتها في الدراسة كأنموذج دعوي وحركي، أبكر بكثير من الهجرة إلى المدينة المنورة.

كانت الهجرة في سنوات البعثة الأولى، ومن ثَمَّ؛ فإن إقدام المسلمين الأوائل على هذه الخطوة؛ يعني نجاح الأداة الرئيسة التي اعتمد عليها الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" في الدعوة، وهي التربية الإيمانية والعقيدية والخُلُقية، فلا يمكن لغير هذه الأداة كان أن تدفع هؤلاء إلى هذه المرحلة من الإيمان المطلق والتسليم الكامل في ظل المشقات الكبرى التي رافقت هذه الموجات المتتالية من الهجرة.

فأولاً كانت الهجرة إلى أقوام غير العرب، بل يختلفون في أصولهم بالمرَّة، فالعرب ساميُّون والآخرون حاميُّون، اللون غير اللون، واللسان غير اللسان، ومعاناة غير المعاناة بالمطلق بعيدًا عن الوطن، وبينهم بحار وصحارى، مع اختلاف البيئة التي ذهب إليها المسلمون عن بيئتهم في شبه الجزيرة العربية، وما اعتادوه عليه فيها من مناخ ووسط اجتماعي وما إلى ذلك.

"تختلف هجرتي الحبشة عن الهجرة إلى المدينة المنوَّرة، بعدم وجود غطاء سياسي في ظل حالة استضعاف كامل لجماعة المسلمين الأولى، وهو ما يجعل المخاطرة أكبر"

الأمر الآخر، والذي تختلف فيه هجرتي الحبشة عن الهجرة إلى المدينة المنوَّرة، هو عدم وجود غطاء سياسي (قبلي ومرتبط بالعصبية وفق صور العمران السياسي في ذلك الحين)، في ظل حالة استضعاف كامل لجماعة المسلمين الأولى، وهو ما يجعل المخاطرة أكبر.

فذهاب الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، إلى المدينة المنورة ارتبط بدعم وتأييد من قبائل كبيرة، أعطوه البيعة في السنتَيْن الثانية عشرة والثالثة عشرة، في بيعتَيْ العقبة الأولى والثانية، وكان الترتيب بالفعل يتم لأجل انتقال المسلمين إلى المدينة المنورة لتأسيس دولة ذات سلطة سياسية، كانت الأولى من نوعها في شبه الجزيرة العربية.

أما الذهاب إلى الحبشة، فكان فرارًا صريحًا للمسلمين بدينهم ومالهم، إلى عالم ومجال جغرافي واجتماعي مختلف، من دون أية ضمانة لنجاح مسعاهم في تأمين بقاء جماعة المسلمين الأولى.

ولكن يد الله تعمل في الخفاء، فالهجرة الأولى إلى الحبشة، ما أن وصل بضعة المسلمين الذين فروا بدينهم إلى ميناء الشيبة الصغير على البحر الأحمر؛ حتى وجدوا هناك سفينتَيْن لتجار، كانوا على وشك الإبحار بهما، فنجوا من مشركي قريش، الذين كانوا قد قاربوا على إدراك المهاجرين، فحملوهم معهم إلى الحبشة بنصف دينار فقط، ووصلت قريش في إثر هؤلاء، ولكنها لم تدرك منهم أحدًا.

وعند وصول المسلمين إلى الحبشة، وجدوا فيها حاكماً عادلاً لا يُظلم لديه أحد، وهو كان الباعث الرئيسي وراء اطمئنان الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، عندما أمر أصحابه بالهجرة إلى هناك.

وهنا يتساءل المرء عن ثبات ومستوى إيمان هؤلاء الناس؛ الذين كان من الممكن أن تدركهم قريش، أو ينقلب بهم جانب البحر، أو حتى يتعرضوا للخذلان من جانب النجاشي، حاكم الحبشة، وخصوصًا مع إرسال قريش لوفد راود النجاشي عن المسلمين اللاجئين عنده، بقيادة أحد دُهاة الساسة العرب في حينه، وهو سيدنا عمرو بن العاص "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، قبل إسلامه، ورموز آخرين من كبار قريش، ممن منَّ الله تعالى عليهم بعد ذلك بنعمة الإسلام.

وهنا نقف وقفة عند شخصية ربما لم تجد من الاهتمام بتجربتها الكثير من جانب المؤرخين المسلمين، على الرغم من عظيم الدور الذي لعبته في التأسيس للدعوة الإسلامية في فترتها الحساسة هذه، وهو جعفر بن عبد المطلب "رَضِيَ اللهُ عَنْه".
في بداية وجوده في الحبشة، كان لجعفر "رَضِيَ اللهُ عَنْه" الدور الأكبر في التصدي لمحاولات قريش رفع غطاء حماية النجاشي عن المسلمين هناك، وكان لردوده على أسئلة النجاشي بشأن حال عيسى بن مريم "عليه السَّلامُ"، وكيف ذكره القرآن الكريم هو وأمه الصديقة، الدور الكبير في إسلام النجاشي الذي بقي سرًّا حتى وفاته، فصلى عليه الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، صلاة الغائب، عندما أبلغه جبريل "عليه السَّلامُ"، بهذا النبأ.

قضى جعفر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، عشر سنوات في المنفى، لم يركن فيها إلى حاله، ولكنه عمل على نشر دين الله تعالى ودعوته في أوساط الناس هناك، قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة وقت فتح خيبر.

"تجربة الهجرة إلى الحبشة تؤكد على أهمية قضية الوعي، وما يتصل بها من معرفة المرء لأصول دعوته، بحيث لا يكون تابعًا لها دون وعي فكري لأبعادها وبرنامجها"

ولذلك استحق أن يكون أحد الوزراء والرفاق النجباء الذين قال فيهم الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، أن الله تعالى قد أعطاهم إياه، كما في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد، أن النبي "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، قال: "إنه لم يكن لنبي قبلي إلا قد أُعطي سبعة رفقاء نجباء ووزراء وإني أُعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وعلي وحسن وحسين وأبو بكر وعمر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر والمقداد وحذيفة وسلمان وعمار وبلال".

كان جعفر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، من أشد الرجال بأسًا، عاش داعيةً ومجاهدًا، ومات شهيدًا محاربًا؛ حيث استشهد في غزة مؤتة، التي دارت رحاها بين المسلمين والروم، في العام الثامن للهجرة، بعد أن ظل حاملاً لواء جيش المسلمين، حتى بعد قطع يدَيْه، ولم يتركه إلا وقد استشهد عن 41 عامًا، تاركًا خلفه تراثًا من الفداء والتضحية ما لا يمكن للكثيرين إدراكه.

إن تجربة هجرة المسلمين إلى الحبشة، وسلوك جعفر بن أبي طالب "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، خلالها، تطرح أمامنا الكثير من الأمور التي يجب على الحركة الإسلامية الالتفات لها، وعلى رأسها، التضحية والثبات، والنظر إلى الدنيا بما تستحقه، باعتبار أنها دار ابتلاء وجهاد واختبار، وأنها فقط مفتاح الإنسان إلى الحياة الحقيقية في الدار الآخرة.

ويرتبط بذلك قضية شديدة الأهمية في الوقت الراهن، وهي قضية الوعي، وما يتصل بها في صدد أهمية معرفة المرء لأصول دعوته، بحيث لا يكون تابعًا لها دون وعي فكري لأبعادها وبرنامجها وما تنشده من واقع وحال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

أين الحركة الإسلامية من الاستيعاب وسرعة اتخاذ القرار؟

تعاني الحركة الإسلامية -منذ عقود ليست قليلة- من حالة تراخ شديد في اتخاذ القرارات اللازمة …