بكرج قهوة ..!

الرئيسية » خواطر تربوية » بكرج قهوة ..!
1.	هي دعوةٌ من القلب بحرقة ولهفة فاجعلوها أيها الوالدين لنا لا علينا ، أعينونا على تعسر المطالب بدعوة في جوف الليل سراً وعلى لهج اللسان جهرا .
1. هي دعوةٌ من القلب بحرقة ولهفة فاجعلوها أيها الوالدين لنا لا علينا ، أعينونا على تعسر المطالب بدعوة في جوف الليل سراً وعلى لهج اللسان جهرا .
هي دعوةٌ من القلب بحرقة ولهفة فاجعلوها أيها الوالدان لنا لا علينا، أعينونا على تعسر المطالب بدعوة في جوف الليل سراً وعلى لهج اللسان جهرا

أرسلت إحداهنّ تقول: (أحرقتُ بكرج القهوة فدعت عليّ أمي أن يحرق الله قلبي).
وقالت: ما يحرق قلبي وقد احترق أنني استحققت هذا الدعاء بسبب بكرج قهوة!!.

كلنا يعرف قصة الداعية المشهور "عبد الله بانعمة"، الشاب الذي أصيب بشلل رباعي وهو في سن المراهقة فأضحى لا يتحرك منه سوى رأسه بسبب ماذا؟ بسبب دعوة والده.
حيث سأله والده في يوم من الأيام إن كان يدخن فأقسم عبد الله كاذبا أنه لم يكن يدخن، فما كان من والده إلا أن رفع نحو السماء دعوةً وافقت ساعة استجابة، قال له: (الله يكسر رقبتك إن كنت تكذب)، وأثناء نزول عبدالله إلى المسبح في اليوم التالي سقط على رقبته فانكسرت وبقي تحت الماء 15 دقيقة، ثم أصيب بشلل تام !!

جميع من تناولوا هذه القصة تناولوها من جوانب مختلفة تماما، وجوب بر الوالدين وأن الحادثة كانت سبباً في هدايته، في حين أُغفل جانب دعاء الوالدين على أبنائهم.

دعوة والد عبد الله التي لاقت أبواب السماء مفتوحة كان يمكن أن تكون دعوة بالهداية، أو بالصلاح، بأن يغير الله حال عبد الله من حال الى حال أفضل، كان من الممكن أن تجعله أكبر داعٍ الى الله، ويهدي الله على يديه بسبب خُلقه وجمال هديه "وليس شلله" ما الله يعلمه من الخلق التائهين، ثم يقول عبدالله وهو يروي قصة هدايته كان دعاء أبي سبباً في هدايتي، دعاؤه بالهداية وليس بالشلل!!

منذ ان سمعت قصة عبد الله ومسألة دعاء والده وهي تنخر في القلب وجعا، وكم لعبت هذه الأسئلة في القلوب، وكم أثارت فينا شكوكاً بعدل الله، إلى أن جاءتني قصة صاحبة (بكرج القهوة) ففجرت مكامن الكَلِم والقلمْ.

"إن الوالدين اللذين يؤلمهما مصاب أبنائهم هل سيطيقان أن يكونا سببا به؟ فلا تَذهبنّ بكما غضبةٌ طارئةٌ إلى حسرةٍ أبديةٍ لا شفاء منها"

أيها الدعاة لا تروّجوا لهذه القصة على أنها قصة هداية، بل والله هي مصيبةٌ وحزنٌ صامت أقرؤهُ في عيني عبد الله، وأسمعه أنيناً مكتوماً من ندم وأسى في قلب والده المكلومْ، فأين نحن من قوله تعالى: {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل:125]، أفي الدعاء بالشلل تكون الموعظة الحسنة؟!

لا تدعوا على أولادكم ..

توجيه النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم" (رواه ابو داود)، لم يأتِ عبثاً، فقد وافق هذه الدعوات ساعة استجابة فيستجيب الله فيحيق بالمرء مالا طاقة به من حزن ومصاب وفقد، وحسرةٍ ما بعدها حسرة.

ففي الأثر يقول عطاء بن رباح: (ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فتهدم عمر خمسين سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة، وربّ غضبة قد أقحمت صاحبها مقحماً ما استقاله).

ورغم أن أغلب من تناول قصة عبد الله لم يتطرق لغصة فؤاد والده لأنهم أرادوها "قصة هداية" إلا أننا بفطرتنا البشرية ندرك تفطر قلب هذا الوالد وهو يناظر جسد ولده مشلولاً لا حراك ويعلم في دواخله أنه السبب، وكم يغصّ ويبكي ويتألم ويموت من فرط الأسى، وهل يطيق الوالدين شوكة يشاكها فلذات أكبادهم .. فكيف بكل هذا العذاب؟!

ثم إن الوالدين اللذين يؤلمهما مصاب أبنائهم هل سيطيقان أن يكونا سببا به؟ فلا تَذهبنّ بكما غضبة طارئة إلى حسرة أبدية لا شفاء منها.

"أيها الوالدان.. لا تجلبوا الحسرة لقلوبكم بألسنتكم ولا توردونا وأنفسكم المهالك بدعوة لو كانت صالحة لأخذتنا جميعا نحو الجنة في الدنيا قبل الآخرة"

ويقول قائلٌ: (دعاء الأمهات من برا قلوبهن)، هذه المقولة التي لم تقنعني يوماً، فلو كان صحيحا لما نهى النبي عن الأمر ابتداءً وحذّر من أن توافق الدعوة ساعة استجابة فتستجاب، عدا أن واقعنا ممتلئ بمثل هكذا قصص، (من برا قلبها) قالت (إلهي ترجعلي مقطّعْ) فخرج ودهسته شاحنة وعاد إليها مقطعاً!!

ناهيك عن الحسرة التي تقبع في قلوب الأبناء خاصةً إذا ما كان أحدهم متعسر الحال غير موّفق أو ألمت به المصائب من كل صوب أو خانته أحلامهُ وأمانيه فإنه سيظل يشعر أن دعوة والديه قد أصابته، وما يصاحب هذا الألم من عجزٍ عن التزوّد من الخير والمضي نحو المقاصد ويأسٍ من حسن الحال ونيل المراد، وانحدار حادٍ في درب المعاصي والبعد عن الله، فليس أيسر على الشيطان من صَيدٍ توغل اليأس في قلبه.

هي دعوةٌ من القلب بحرقة ولهفة فاجعلوها أيها الوالدان لنا لا علينا، أعينونا على تعسر المطالب بدعوة في جوف الليل سراً وعلى لهج اللسان جهرا، لا تجلبوا الحسرة لقلوبكم بألسنتكم ولا توردونا وأنفسكم المهالك بدعوة لو كانت صالحة لأخذتنا جميعا نحو الجنة في الدنيا قبل الآخرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع "بصائر" اﻹلكتروني في الشؤون التربوية واﻷسرية ، وصحفية وكاتبة في صحيفة "السبيل" اليومية في الشأن السياسي والشبابي .

شاهد أيضاً

إتقان العمل.. صور ومخالفات

العمل في اللغة مأخوذ من لفظ عمل يعمل عملاً، فهو عامل، فنقول عمل نجاراً / …