مفتاح العودة ومفتاح الجنة!!

الرئيسية » خواطر تربوية » مفتاح العودة ومفتاح الجنة!!
144dbac519

كثير منّا يحفظ أحاديث عديدة عن فضل البر بالأم، وكثير منا من يتفنن في كيفية وصلها وخطب ودّها طلباً لدعوة ثمينة منها ترد البلاء وتجلب الهناء وراحة البال.. فماذا عن الوالد؟

من منا مرّ متأملاً متدبراً لمضمون هذا الحديث:

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه).

المحدث: الألباني، صحيح الترمذي- الصفحة أو الرقم: 1900، خلاصة حكم المحدث: صحيح

إنه في هذا الحديث المؤثر البليغ باب وأي باب، إنه هنا باب من أبواب جنة الرحمن التي تهفو لها النفوس ولأجلها يجتهد المجتهدون ويصبر الصابرون ويجاهد المجاهدون ويستشهد طلابها التائقون لأنهارها وأطيارها وحورها..

بل إنه هنا يتجسد ليكون أوسط تلك الأبواب.. والوسطية محمودة ومرغوبة فقد أثنى الله تعالى على أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم بقوله: "وكذلك جعلناكم أمّة وسطا".

تخيل، أوسط أبواب الجنة في بيتك وبين يديك، أنت تملك مفاتيح أعظم أبواب الجنة مع أنك لست ملكاً كريماً ولا نبياً مقرباً!!

وتفكّر معي.. إنّنا نعتزّ بامتلاك مفاتيح العودة لبيوتنا السليبة في تلك الجنّة المغتصبة فلسطين، ولأجلها شكّلت الهيئات والتجمعات للحفاظ على حق العودة ومفاتيحها، ولأجلها ستتواصل الفعاليات والجهود، وفي سبيل استرجاع تلك الأبواب العتيقة من أيدي بني صهيون ستسيل الدماء الزكية وتنفق الأموال وتبذل المهج والأرواح حتى يتحقّق موعود الله لنا ولا يخلف الله وعده..

ولنقف هنا وقفة تفكّر وتأمّل. فهل كان الابن سيتناول مفتاح العودة إلا إن أحبّ والده ووقّره وتمسّك بكل ما يعطيه إياه؟ وهل كان الأب سيعطي ابنه مفتاح بيته الذي يعتزّ به لو لم يكن يحبّه ويثق به ويرضى عنه ويسعد ببرّه به؟ إنها علاقة تبادلية مشروطة بالحبّ والبرّ تمتزج وتتداخل فيها دوائر الحبّ مجتمعة فتتقاطع دائرة حبّ الأبناء لآبائهم وأجدادهم مع دائرة حبّ الآباء لأبنائهم وأحفادهم مع دائرة حبّ الوطن ومرابع الصبا مع دائرة الحبّ والوفاء للأرض المباركة المعطاءة..

إن مفتاح العودة في حقيقته رمز لأسمى المشاعر وأرقاها، إنه يرمز إلى الحبّ العميق الذي يرسخ الانتماء، حبّ إنساني متبادل بين الأجيال، وحبّ للأرض التي درجت عليها تلك الأجيال وترعرعت وائتمنت على المحافظة على إسلاميتها أبد الدهر. وذلك المفتاح بهذه الرمزيّة لن يضيع أبداً حتى لو ضاعت المفاتيح الحديدية الصدئة، ولو ضاعت "الكواشين"، وحتى لو تهدمت البيوت وتخرّبت بفعل المحتل الغاصب.

وإننا ونحن نشدّ بأيدينا على مفاتيح العودة ونمضي في طريق الجهاد المبارك لتحرير فلسطين، بحاجة إلى التخلّق بأسمى الأخلاق وأرفعها. ولا شك بأنها تلك التي يرشدنا إليها صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن.. وهو هنا يخيّرنا بين أن نملك مفاتيح أوسط أبواب الجنة وبين أن نضيعها، بقوله "فأضع ذلك الباب أو احفظه".. وإنّنا والله إن حافظنا على مفاتيح الجنّة ببرّ الآباء سنكون الأقدر على حفظ مفاتيح العودة والأجدر بتحرير أرض الآباء والأجداد..

قف قليلاً وتنبّه.. إن كنت شاباً تحيا في كنف والديك فليكن هذا الحديث جذوة خير توقظ فيك عوامل الحبّ ومشاعر الرفق بوالدك، فانتبه لكل حركة وسكنة تصدر منك، احرص الحرص كله ألا تؤدي إلاّ لإدخال السّعادة والسرور في نفسه..

أمّا إن كنت فقدت والدك ورحل عن الحياة فاجتهد ما استطعت أن تكفر عن تقصيرك (وكلنا مقصر) بكثرة الدعاء له وطلب الدعاء له بحسن خلقك وتعاملك مع الناس كي يترحموا على والدك الذي أنجبك.. لا تكن كأولئك الذين يسومون الناس سوء خلقهم فيلعنهم الناس ويلعنوا آباءهم.. وإياك أن تتعرض للعن الله لك كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:

(لعن الله من لعن والده. ولعن الله من ذبح لغير الله. ولعن الله من آوى محدثا. ولعن الله من غيّر منار الأرض). صحيح مسلم

والقائل صلى الله عليه وسلم:

(إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ الرجل أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه). صحيح البخاري

ترى كم من الشباب والكهول والنساء والصغار والكبار يقعون في أكبر الكبائر هذه!! كم منهم اتخذوا اللعن والشتم والسباب فاكهة يتفكهون بها في مجالسهم ومنتدياتهم وطرقهم، في أوقات صفائهم ومراحهم ومزاحهم، أو في أوقات غضبهم وضيق خلقهم وشجارهم. يشتمون آباءهم وأمهاتهم ثم يظنّون أنهم أبرّ الناس بهم من خلال وردة يهدونها إياهم من العام إلى العام، أو من خلال دراهم معدودة يقدمونها لهم على كره منهم، أو من خلال رسالة أو مشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي فيها تغنٍّ مزعوم وادعاء مشبوه ببرهم وحبهم.

إن استطعت أن تذكرهم بعبادات خاصة لهم عمرة أو صدقة أو وقفية فبها ونعمت، وإن عرفت منهم خلقاً أو تصرفاً غير لائق فاستر ذلك عنهم، وإياك أن تتحدث عنه أبداً حتى لو كان ذلك الخلق والتصرف إساءة لك في صغرك أو كبرك.. احتسب ذلك عند الله ولا تنشر إلا أريجاً طيباً فوّاحاً عن والديك مهما كانا.. وسواء كنت مقصراً معهم أو محسناً إليهم فعوّض عن تقصيرك وواصل إحسانك بالإحسان لأصدقائهم وأحبابهم بعد مماتهم. قدوتك في ذلك قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إن أبرَّ البِرّ صلةُ الولد أهل وُدّ أبيه". رواه مسلم

أمّا إن كنت الآن أباً وأولادك صغاراً، فاستدرك نفسك وكن حليماً رحيماً رفيقاً بهم ليكون لك دالّة عليهم عند كبرك، وتستطيع أن تذكِّرهم بحنانك وعطفك عليهم..

وإن كنت قد كبرت وهرمت فتفكّر: هل كنت صبوراً على تصرفات أطفالك؟ واسع الصدر عليهم وعلى أسئلتهم أم أنّك كنت تسارع لإبعادهم عنك والنداء على أم العيال أن "تحوشهم" عنك وعن غضبك..

هل كانت يدك أو حزامك هما اللذان يقومان مقام لسانك؟ هل كنت تؤدبهم بعين حمراء وتهديد ووعيد دائمين وطقوس احترام صارمة؟

إن كنت يا صاحبي حنوناً رفوقاً عطوفاً، فاحمد الله تعالى على ما وهبك من حسن الخلق، وردّد مع ذلك الصحابي المنتشي بنعم الله تعالى قوله: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلينا، وزد على ذلك بالقول: ولولاه ما اتبعنا هدي نبيك صلى الله عليه وسلم في تعاملنا مع أبنائنا وآبائنا والناس جميعاً.. احمده كثيراً على ما مضى، وثق أن ما فعلته لن يضيع أبداً. وإنّ من شكر الله تعالى على تلك النعمة التي حباك إياها أن تحدّث بنعيمها وفضلها للآخرين كي يقتدوا بها، ومن ذلك تذكير الآباء الصغار بحديث أبي الدرداء ونشره على أوسع نطاق، كي يتعظوا به هم وسائر الشباب فيسارعوا إلى مراقبة تصرفاتهم مع آبائهم وضبطها على ما يرضي الله ورسوله.

أمّا إن كنت جافياً قاسي القلب، فابك على نفسك وعلى خطئك بحق أبنائك وعقوقك إياهم صغاراً، ولا تشكُ عقوقهم لأحد، بل اتهم نفسك أنك كنت السبب في ذلك، واستغفر الله تعالى ثم استغفره كثيراً عسى أن يغيّر حالك باستغفارك عمّا مضى.. أحسن فيما بقي يغفر لك ما قد مضى.. وتسلّح بالدعاء لهم أن يهديهم لبرّك وأن يكونوا خيراً منك في ذلك الخلق المحمود. ومن الإحسان أن تنصح الآخرين ألا يسلكوا مسلكك وألا يقعوا فيما وقعت فيه وأن تنصح الأبناء ببرّ آبائهم كي ينعموا ببرّ أبنائهم.

ختاماً..

ما أجمل خلق الحلم الذي هو سيّد الأخلاق وما أجمله إن كان مع الوالدين.

ما أجمل كظم الغيظ مع الآخرين، وما أروعه وأعظمه مع الوالدين.

(من كظم غيظا، وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق، حتى يخيّره في أي الحور شاء). الراوي: معاذ بن أنس الجهني، المحدث: الألباني، صحيح الترمذي- الصفحة أو الرقم: 2021، حكم المحدث: صحيح

ما أجمل أن يتخلق أبناء الأرض المقدسة، أرض الإسراء بأخلاق سورة الإسراء وما أنزله الله فيها من الأحكام والحكمة وفي مقدمتها الإحسان للوالدين وخفض جناح الذل لهما والدعاء لهما.

ما أجمل أن نرطّب ألسنتنا ونزيّن حياتنا بما أرشدنا إليه ربنا تبارك وتعالى فيها فنلهج في خلواتنا وصلواتنا وسائر أوقاتنا دائماً بالدعاء: "ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرا".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

وتظل الإجابة تونس!

عندما بدأ الربيع العربي في #تونس وانتصرت ثورتها، وغادر رئيسها ابن علي فارا بنفسه وأهله، …